التاريخ

إنجازات ومؤلفات العالم الفارابي

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الأول

صبري الدمرداش

KFAS

إنجازات ومؤلفات العالم الفارابي التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

بُلوغُ… الذُّري

ارتحل الفارابي إلى حرَّان ( في جنوب شرقي تركيا الآن) ومكث بها عامين في أعمال علمية مثمرة مع عالم آخر بالمنطق والفلسفة والطب هو يوحنا بن حيلان. عاد بعدها إلى بغداد حيث زَفَّ إليه أبو بشر خبراً  أخافه وأسعده.

كانت الترجمات الشتى لكتب اليونان في المنطق والفلسفة خاصة متضاربة في الشروح والمصطلحات.

وقد وقع اختيار المسؤولين في بيت الحكمة على الفارابي ليُزيل ما فيها من اضطراب بين الترجمات.

وراح يعمل – في بيته الصغير – ليله كله، ليلة إثر أخرى، ولا أحد يعلم كم شهراً قضاه أو كم من السنين أنفقها في القيام بهذا العمل الشاق مع كتبٍ هي حصاد عصر بأكمله من الترجمات. وأدَّى الفارابي مهمته على خير وجه، فقد صار المختلفون متفقين.

وهنا توافد عليه طلاب العلم، في بيته الصغير في الليل وفي صحن الجامع الكبير في النهار، وكان أشهرهم – فيما بعد- تلميذه عالم المنطق الشهير يحيى بن عدِّي.

وبلغ عالمنا ذروة نضجه العلمي وقد قارب الستين أو كاد، وهو ما يزال قوي البنية شديد العافية سليم النظر.

 

فاستل نفسه من مجال الدرس والتحصيل والشرح والإضافة والتعليق ووضع المصطلحات إلى مجال التأليف في مجالاتٍ ثلاثة أساسية هي المنطق والفلسفة والموسيقى.

في المنطق دوَّن الفارابي بحوثه في أجزاءٍ تدور كلها حول كتاب (الأرجانون) لأرسطو بالتعليق تارة وبالتلخيص أخرى.

وفي الفلسفة، وكانت تشمل الطبيعيات والرياضيات والميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة) والأخلاق والسياسة، ألَّف أكثر كتبه.

وفي الموسيقى وضع كتابه (الموسيقى الكبير) الذي تحدَّث فيه عن صناعة الموسيقى: أصولها وضوابطها وآلاتها وصنوف ألحانها.

وكان الفارابي يكتب بأسلوبٍ متميزٍ دقيقٍ مركزٍ لا تكرار فيه ولا ترادف، يُعطى أغزر المعاني في أقل الكلمات، لا يُطيل في شرح المألوف ولا يتوقف إلَّا عند القضايا الكبرى. كل ذلك في ضوء منهج شديد الاهتمام بالتحليل والتركيب والتفريع والإجمال ورد الفروع إلى الأصول.

 

محاولاتٍ توفيقيةٍ… مشكورة

كانت غاية الفارابي من كتبه الفلسفية بالذات أمرين: التوفيق فيما يبدو من متناقضات بين فلسفة أرسطو من جهة وفلسفة أفلاطون من جهة أخرى .

ففلسفة أرسطو تنصبُّ على الموجودات المادية، بينما تربط فلسفة أفلاطون بين هذه الموجودات وما يسمى بعالم الصورة أو المثال. والأمر الثاني التوفيق بين قضايا الفلسفة وقضايا الدِّين الإسلامي.

وقد وفِّق الفارابي في الأمرين أيما توفيق، وخصوصاً توفيقه بين الفلسفة والدين.

وقد نالت محاولاته التوفيقية هذه نجاحاً في زمانه، مثل النجاح الذي وجده المذهب الأشعري في علم الكلام لأنه وفَّق – باقتدار- بين أصحاب العقل وأصحاب النقل.

ومثل النجاح الذي وجده المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي لأنه انتهج طريقا وسطاً بين المذهب الحنفي الذي يُعنى في مقولات الفقه بالعقل والقياس والمذهب المالكي الذي يُعنى في مقولات الفقه بالحديث والسنة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق