التاريخ

إصابة العالم “دالتون” بعمى الألوان

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الأول

صبري الدمرداش

KFAS

عمى الألوان العالم دالتون التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

دالتونزم..!

كان لدالتون عالمه الخاص من الألوان: فقد اشترى ذات مرة لوالدته زوجاً من الجوارب التي كان قد رآها في واجهة أحد الحوانيت في كندال.

 وسُرَّت والدته بالهدية ولكنها دُهشت في الوقت نفسه دهشةً بالغة عبرت عنها بقولها: (لقد اشتريت لي زوجاً فاخراً من الجوارب يا جون، لكن ما الذي جعلك تختار هذا اللون الصارخ؟!) وأردفت: (… إنني لن أستطيع أن أظهر به في اجتماع ما!).

وأجاب جون. (إنه لون لطيف جداً ولائق تماماً للذهاب إلى الاجتماعات، أليس هذا الجورب ذا لون أزرق قاتم وقور؟).

(أزرق؟!).- هكذا صاحت والدته في ذهول (ماذا تقول؟ إن لونه أحمر مثل لون الكريز!) هنا انزعج دالتون وقال : (يا له من أمر عجيب، أليس كذلك يا أمي). وقفزت إلى ذاكرته حوادث أخرى مماثلة .. (إن الفتيات يقلن لي أنهن يدهشن لرؤيتي مرتديا سترة خضراء، فأجيبهن دائما بأنها حمراء داكنة، والآن من منا على صواب؟).

لا بد للأمر من حسم. تُرى هل هناك آخرون مثله؟ لقد وجد دالتون في بلدة ماريزبورت رجلين – شقيقين- اعترفا له بأن عندهما مثل هذا الشذوذ البصري.

فقد كان اللون الأصفر هو أكثر الألوان وضوحا بالنسبة لهما من بين كل ألوان الطيف الشمسي. وكان اللونان الوردي والقرنفلي يبدوان لهما أقرب إلى زرقة السماء.

 

ولم يكونا يميزان بين اللون والأحمر واللون الأخضر! يا للعجب، إن نفس هذه العيوب في رؤية الألوان هي بذاتها عندي!- هكذا حدَّثته نفسه. ولنقرأ ما كتبه إليه أحد أصدقائه بهذا الخصوص مازحاً: (إنني أرى مما تقصه على أن أفكارك مشوهة كثيرا فيما يتعلق بذلك السحر الذي هو جزءٌ رئيسٌ من الجمال الأنثوي، وأعني بذلك تورد الخدود الخجلة التي ربما أعجبت أنت بها كثيراً على أنها ذات لونٍ أزرق فاتح!).

وهذه واقعة أخرى.. فقد تقرر أن يمثل دالتون بين يدي الملك، غير أنه ثارت حينئذ مشكلة، لأن آداب البلاط المرعية كانت تحتم على دالتون أن يلبس سراويل قصيرة حتى أسفل الركبة وحذاء معينا له (أبازيم) ويتمنطق بسيف.

وكانت هذه أشياء ممنوعة كلها على الكويكريين. ولكن دالتون كان لحسن الحظ قد حصل في هذه الأثناء على درجة شرفية من جامعة أكسفورد مما يسمح له بارتداء الملابس الجامعية. ولكن كيف يلبس كويكري اللون القرمزي؟ لقد فحص دالتون ياقة الثوب وقرر أن لونها أخضر!.

وصاغ دالتون نتيجة مشاهداته نظرية يفسر بها تلك الظاهرة العجيبة التي نسميها في عصرنا الحاضر (العمى اللوني). وعلى الرغم من أنه لم يكتشف أبداً السبب الفسيولوجي لذلك المرض، إلا أن المغزى النفسي البالغ الأثر لتلك الحادثة لم يغب عن باله.

 

لقد أمضى سبعة وعشرين عاماً من عمره وهو يرى عالماً ذا ألوانٍ معينة، ثم اكتشف بعد ذلك – بمجرد المصادفة- أن الغالبية العظمى من زملائه كانت ترى عالماً مختلفا عن عالمه. ولكن هل كان عالمه أقل قدرا؟.

نعم كان دالتون مصابا بعمى الألوان، ولكن مع وجود هذا النقص فقد أجرى أعظم تجاربه، ولا يزال عمى الألوان يعرف بـ (الدالتونيزم). أو (الدالتونية) نسبة الى أعمى الألوان الشهير (دالتون).

وينتج هذا العمى في الواقع عندما يتعطل، لسببٍ ما، عمل مجموعة أو أكثر من مجموعات الخلايا المخروطية الثلاث في الشبكية.

ويجد أعمى الألوان صعوبة في تمييز بعض الألوان وأحيانا يستحيل عليه ذلك. ففي مجموعة الألوان الظاهرة في الشكل رقم (48) يرى أعمى الأحمر والأخضر الحرف N بينما يختفي حرف V بالنسبة له في خلفية الألوان الأخرى.

والإنسان العادي يستطيع بالطبع رؤية ألوان الطيف المنظور (كما في قوس قزح)، بينما يعتقد العلماء أن بعض الحيوانات ترى فقط ظلال الأبيض والأسود ولا تميز أيا من ألوان الطيف.

فالنحلة مثلا عاجزة عن تمييز اللون الأحمر لكنها تبصر الإشعاعات فوق البنفسجية جيدا، وذلك يساعدها في تتبع خطوطٍ دليليةٍ في تُويِّجات بعض الأزهار تقودها إلى الرحيق فيها، بينما لا يبصر الإنسان مثل هذه الإشعاعات (شكل رقم 49).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق