أحداث تاريخية

أهم الأحداث الحاصلة في حياة الكيميائي “جابر بن حيّان”

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الثاني

صبري الدمرداش

KFAS

احداث في حياة الكيميائي جابر بن حيان جابر بن حيّان أحداث تاريخية المخطوطات والكتب النادرة

المعمل الأول

عزم جابر على أن يُنشئ لنفسه معملاً للكيمياء . فبنى له قاعة واسعة وجلب له كل ما عرف إلى وقته من أدوات وآلات ومعدات وتجهيزات. وانتصف يومه قسمان: نهاره في حانوت العطارة، وليله بين معمله وأهل بيته .

واختطَّ لنفسه من البداية خطاً : التثبت من صدق ما قال الأولون، وكثيرا ما كذَّبت تجاربه أوهامهم ودعاواهم.

التجارب التي كان يؤمن بها إيماناً قاطعاً، وفي ذلك ينصح مساعديه في معمله: أوصيكم بالتجريب فإن من لم يُجرِّب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان، فعليكم بالتجربة طريقاً صحيحاً للمعرفة. كان يُرَدِّد : ما افتخر العلماء بكثرة العقاقير ولكن بجودة التدبير .

 

واعتاد الناس، كلما دفعهم الفضول أو الحاجة ، أن يروا مكاناً لا عهد لهم به من قبل : أجهزة التقطير والتكثيف والتصعيد، وملاعق ومقارض وقوارير ومراجل ومناخل وبواتق ومسابك وماشات وكُور ، وأحواض زجاجية وهاونات للطحن وموازين ذات أشكال منها ميزان الهواء الذي ابتكره .

كان جابر يشتغل في معمله لوجه الله ثم للعلم فقط ، ومع ذلك درَّ عليه المعمل مالاً . فصار بحاجة إلى كل وقته في النهار وإلى معاونين بينهم الصبي والحدّاد والفرَّان والطحَّان .

وهنا تخلَّى عن الحانوت لشابٍ فقير ، بصنوف العطارة خبير، كان يعمل لديه حتى يجد وقتاً لمطالب الصُنَّاع والحِرْفيَّين من معمله ووقتاً لتجاربه ومؤلَّفاته ، وكانت زوجته ذهب إمرأة ولوداً، نفحته في أعوامٍ ثلاثة بنين ثلاثة : عبدالله وموسى وإسماعيل.

 

الماء … الملكي !

وجد جابر نفسه وقد فرغ من التثبت من معارف الأوَّلين ، وصار عليه الآن أن يغامر بالبحث عن جديدٍ في الكيمياء والسير في دروبه غير المطروقة …

وكانت ليلة! ليلةٌ مرض فيها ولده إسماعيل بالحمى ونجح هو في خفضها إلى أن يعوده الطبيب في الصباح ، وترك زوجته ساهرة بجوار ابنها وأسرع إلى معمله وبات هو الآخر فيه ساهراً.

وضع خاتماً من ذهب في وعاء وراح يختبره بأحماض معينة ، حمض النيتريك وحمض الهيدروكلوريك، وإذا به يكتشف فجأة – ماذا اكتشف؟ ماء يُذيب الذهب، ويرى بعينيه الذهب وهو يتحوَّل إلى سائل . وهنا هتف فرحاً : " إنه ماء الذهب ، أذابه الماء .. الماء الملكي ! " .

 

في تلك الليلة سجَّل جابر أول كشفين له : الماء الملكي الذي سوف يظل الاسم الذي خلعه عليه يتردَّد من بعده، وماء الذهب الذي يستخدم على مر العصور في صناعاتٍ كثيرة.

وها هو موسم الحج قد اقترب . وفي الصباح قرَّر جابر أن يشكر الله على ما هداه إليه من اكتشافات، فصحب أمه وزوجته وبنيه الثلاثة في أول قافلة انحدرت من الكوفة جنوباً إلى البصرة ثم صوب مدينة رسول الله، طَيْبَةَ الطَيِّبة ، ورفعوا جميعاً أصواتهم ملبَّين تلبية الإحرام .

 

حديثٌ … عن المعادن

أُدخلت أم جابر وزوجته وأطفاله إلى أهل الإمام جعفر الصادق في بيته في ناصرة رسول الله، بينما جلس جابر إلى الإمام الذي كان يرقد في فراشه يعاني من أمراض الشيخوخة ، وابتهج كلاهما برؤية صاحبه ، وأخذ جابر يحدثه عن اكتشافه لكل من الماء الملكي وماء الذهب . ولما سأله الإمام عما اهتدى إليه من العناصر، أجاب: العناصر إما أجساداً أو أرواح أوما بين هذه وتلك.

وراح جابر يذكر للإمام أن الأجساد هي المعادن من كل ما ذاب في النار وقبل الطرق وكان لطرقه بصيص أخضر ، مثل الرصاص والحديد والذهب ولنحاس والفضة والخارصين (القصدير)، وأن الأرواح هي الزئبق والزرنيخ الكبريت والنشادر والكافور والدهن . وأما مزيج الأجساد والأرواح فمثل المغنيسيا واللازورد والدهنج.

 

لقد كان جابر – في الواقع – يتحدَّث مبكراً ، قبل ألف عام من عصر النهضة الأوروبية عن الفلزات واللافلزات .

في تلك الساعة، بدا الإمام وكأنه قد استرد صحته إذ نهض مع صاحبه إلى ساحة البيت وجلسا تغمرهما شمسٌ دافئة ، وقال له : إنك تتقدَّم بعلم اليونان ومصر قدماً يا أبا موسى .

ولكن كيف ترى هذه المعادن تتكوَّن في باطن الأرض؟ فأجابه صاحبه : كان أرسطو يعتقد أنها تتكون نتيجة البخار والماء، ولكن عقلي يحدثني بأنها تتكون في باطن الأرض نتيجة لاتحاد الكبريت والزئبق والأملاح وهذا الأمر يشغلني وسوف أسْبِرً غُوْرهُ بالتجربة بإذن الله .

 

أحلى الكلام

قفل جابر وأهله عائدين إلى الكوفة ، وما هي إلا أيام حتى جاءته رسالة من الإمام جعفر الصادق كان قد كتبها قبل أن يُسْلِم الروح، وفتح جابر الرسالة وأخذ في قراءتها وعيناه مندَّتان بالدموع، وهو يسمع في داخله صوته يقول :

" … واتخذ لك يا جابر تلاميذ يحملون علمك من بعدك، ويعون من علمك ما تقصر الأوراق عنه، فعلمك يا جابر علم ممارسة قبل أن يكون علم كتب " .

" واختبر من يتعلم على يديك يا جابر مثلما تفعل مع المواد والعناصر . فالناس معادن ولا أحد من الزراع يغرس نبتة في صخرة ولا حيث ينعدم الماء " .

" واعلم يا جابر أن العلم ليس ثمرة رجل واحد، فلا تبق في الكوفة فتأسن مثل ماءٍ يفسده طول الركود. العلم يا جابر كحبوب اللقاح تحملها الرياح في كل فجِّ فترحَّل في طلب العلم ومخالطة العلماء.

 

وابتعد عن السلطان وما وسعك الجهد ، واحذر أن يسخّر احدٌ علمك في الشر، ولا تُفصح حتى لا يفهم عنك إلا عالِم ، ولا يعرف سر الصَّنعة إلا خاصة العلماء " .

" واعلم يا جابر انك ستجد من يسيء العمل بالعلم مثما تجد من يسيء العمل بالدين، فدعك منه فهو مسئول عن عمله أمام الناس في الدنيا وأمام الله في الدنيا والاخرة " .

طوى جابر رسالة شيخه وقد نُقشت وصاياه في صدره وتوجه إلى معلمه يُحدَّث نفسه " العمر قصير، جد قصير " .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق