التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

أمثلة على كوارث الطبيعية لتبين فشل التصاميم الهندسية لنسامح التصميم تفهم الفشل

2014 لنسامح التصميم

هنري بيتروكسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الهندسة

تعتبر الكتل الكونكيرتية وخَبَث الأفران مواد بناء متنوّعة ناجحة، وعادة ما تستخدم في الدول الفقيرة. فالطرق التي تربط مدينة ليما في بيرو بالمناطق الريفية مليئة على جوانبها بعدد من الهياكل الكونكريتية غير المكتملة، والتي ينتظر مالكوها تجهيزها بمواد البناء وموارد مالية إضافية تكفي لإضافة طابق آخر إلى الهيكل، وكذلك الحال بالنسبة للهياكل الأرضية ومجمعات السكن التي عادة ما نرى فيها أعمدة كونكريتية وقضبان من الفولاذ للتسليح تعلوها على أمل استكمال بنائها يوماً ما، والعديد من هذه الهياكل صغيرة وبسيطة لا تحتاج إلى تصميم هندسي متقن، وعادة ما يقوم أصحاب هذه المباني بتحديد متطلّبات البناء أنفسهم متبعين العادات والتقاليد السائدة.

في هايتي، وهي بلد أكثر فقراً من بيرو، يعتبر استخدام فولاذ التسليح ترفاً، ويُكتفى بالكتل الكونكريتية المصنّعة محلياً في البيوت وفي الحدائق الخلفية، وتجفّف بالشمس على نمط الطابوق المصنوع من الطين، ومادة الإسمنت، التي هي الأساس في صنع الكتل الكونكريتية، غالية الثمن نسبياً، لذا فخليط الاسمنت عادة ما يخفف بالماء وينشر بسمك قليل ليغطى مساحات أوسع. إضافةً لذلك، فمقالع التراب المستخدم في الخليط أكثر رداءة من التراب المستخرج من الأنهار. ولذلك فالكتل الكونكريتية المصنوعة بهذه المواد عادة ما تكون رخوة وقابلة للتفتّت وسهلة الخدش والتهشّم، والجدران المبنية في هايتي ما قبل الزلزال كانت تتكوّن عادة من كتل كونكريتية مكدّسة بين الأعمدة الكونكريتية من دون تثبيت، أو باستخدام قليل من الملاط بين المفاصل، وتكسى الجدران عادة بطبقة خفيفة من الكونكريت الضعيف، ولا تستطيع مثل هذه الهياكل مقاومة أية ارتجاجات أو اهتزاز من جانب إلى آخر كما يحصل عادة للأرض في العديد من هذه الأماكن. إضافة لذلك فالعديد من هذه المباني مشيدة على ركائز رفيعة (Stilts) من دون وجود جدران بينها للسماح بوقوف السيارات في المستوى الأرضي، مما يجعل الهيكل رخواً لا يستطيع تحمّل اهتزاز الأرض المشيد عليها. فالهايتيين في الواقع يعيشون في بيوت مصنوعة من كارتون مبنية على طاولة كارتونية مهلهة الأرجل.

عندما حدث زلزال 2010 في هايتي تداعت معظم هذه الهياكل وانهارت، وبعد 6 أشهر من الزلزال بقي متراكماً في بورتو برنس ما يعادل 25 مليون ياردة مكعّبة من المخلّفات، وخمّن الخبراء أن إزالة هذه المخلفات تحتاج إلى ما يقارب 3 سنوات، واستطاع الهايتيون الناجون من الزلزال إنقاذ الكتل الكونكريتية السليمة والقضبان الفولاذية التي كان بالإمكان سحبها من المخلفات والكونكريت المتفتت، وبعد تعديل هذه القضبان أصبح بالإمكان إعادة بيعها للاستخدام في الأبنية الجديدة بالرغم من أن القضبان الفولاذية، بعد تعديلها، تفقد جزءاً من قوّتها مقارنة لما كانت عليه، ونبّه الخبراء أن إعادة البناء بمواد معادة وقديمة وبنفس الطرق القديمة يجعل هذه المباني أضعف من سابقاتها وتكون ضحية سهلة لزلزال قادم، وأُطلقت نداءات تحذر من التسرّع في عملية إعادة البناء بشكل غير مدروس وضرورة الالتزام بالشروط والمعايير المؤسسية للبناء، والتي تتضمّن قواعد لضمان حسن التصميم، وقد منع استخدام التراب المستخرج من المقالع لصبّ الكتل الكونكريتية، ولوجود عدد كبير من السكان في الخيم فإن مثل هذه النداءات اعتبرت نوعاً من الترف في التصميم.

بالرغم من جودة التصميم البنيوي لأي بناية، لكنها قد تتعرّض للفشل من دون وجود خطأ في التصميم. تعتبر مدينة شانغهاي في الصين مدينة نموذجية بناطحات السحاب الفائقة ذات المستوى العالمي، وهي مدينة كثيفة السكان يحتاجون بالضرورة لأماكن سكن. يوجد في المدينة مجمّع سكني مكوّن من 13 طابقاً لشقق سكنية تحت الإنشاء في موقع مناسب، على بعد خمس محطات مترو من وسط شانغهاي، والعديد من العاملين في المكاتب على استعداد لدفع مبالغ مغرية للحصول على سكن فيها، وفي أحد أيام الصيف المبكرة عام 2009 لوحظ أن أحد الأبراج بدأ بالميلان، وبعد ذلك بقليل انهار كقطعة واحدة على أحد جوانبه مع ظهور شقوق بسيطة في الجدران والواجهة الخارجية فقط، مما يوحي بالصدمة الهيكلية التي تعرّض لها المبنى، والاهتزاز الذي حصل في المبنى وانهياره بالكامل قاد السكان في المباني المجاورة للاعتقاد أن هزّة أرضية قد حصلت. فقبل سنة من هذا الحادث أدّى زلزال في مقاطعة سيتشوان (Szechuan) إلى انهيار ما يقارب 7000 غرفة مدرسية، نتج منه وفاة أكثر من 5000 طفل ومدرّس، وحسب أحد التقارير فإن المباني غير الآمنة حالة مزمنة في الصين، عادة ما تعزى إلى التخطيط الرديء والعمل غير المتقن، والسرقة في تجهيز مواد البناء.

في حادث شانغهاي لم تكن هناك هزة أرضية أو زلزال، ولم يكتشف خطأ في التصميم الأساسي أو في البناء بذاته، وكان السبب أعمال حفر مرتبطة بالمشروع. ففي خلال المرحلة الرئيسية للبناء تركت المساحة المحيطة به مسطحة ومفتوحة لتسهيل العمل، ولكن بعد استكمال البناء قام العمال بحفر مواقع عميقة في طرف المساحة المحيطة لإنشاء مواقف للسيارات تحت الأرض، وقام العمال بنقل مخلفات الحفر حوالي البناية وتكديسها على الجانب الآخر من المبنى، وقد أدّى الخلل في التوازن الحاصل من جرّاء ارتفاع ركام بلغ 30 قدماً على جانب، والفجوات التي تمّ حفرها في الجانب الآخر كموقف للسيارات، إلى حصول ضغط جانبي غير متوازنٍ في التربة تحت المبنى، وفي نفس الوقت هطلت أمطار غزيرة أشبعت التربة المحيطة بالمبنى بما في ذلك التربة تحت المبنى مباشرة، وكان نتيجة ذلك تولّد ضغط جانبي على أعمدة المبنى الكونكريتية لم يكن قد أخذ بعين الاعتبار عند تصميم هذه الأعمدة، وعندما بدأت الأعمدة بالانكسار لم تجد ما يسندها في أساسات المبنى لتمنعها من الانزلاق باتجاه الجانب الذي حفرت فيه (لمواقف السيارات)، وكنتيجة لذلك انهارت لنفس الجانب. فالخطأ كان في تصميم عمليات الحفر، وليس في تصميم المبنى. فلو عرف مصمّمو المبنى أن الأعمدة ستكون عرضة لضغط جانبي لقاموا بتصميم أعمدة أعرض، وبالتالي أكثر تحمّلاً للضغط الجانبي. إلا أن تصميم المبنى والمواقف لم ينظر إليها كوحدة متكاملة تؤخذ متطلبات كل منها عند تصميم الآخر.

إن جودة التصميم السليم يعتمد على جودة المواد المستخدمة في تنفيذه والعناية التي تبذل لحمايته، وكما هو واضح من تجربة مشروع بيغ ديغ، فمادة الكونكريت الجيدة التي استخدمت بشكل سيىء أدّت إلى الفشل الذي حصل، والسؤال هنا ما هو الأمل في النجاح عند استخدام كونكريت رديء؟ ولضمان عدم استخدام مواد رديئة في مشاريع البناء يتمّ عادة الاعتماد على المراقبة الميدانية في موقع العمل من قبل مفتشين لفحص المواد [المستخدمة فعلياً في التنفيذ]. فعندما تجهّز حمولة شاحنة من الكونكريت الرطب إلى موقع العمل، يتم سحب عينات منها للفحص، ويتم صب كميات قليلة منها على شكل مخروط مقطّع، وتراقب كمية الركود الناتجة [والتي هي مؤشر مبكّر على تجانس وملاءمة المادة المجهزة]، ويتم صبّ جزء آخر من عينة الكونكريت في قوالب إسطوانية، تترك في موقع العمل لتجف، ثم تفحص للتأكّد من صلابتها، عادة بعد 14 يوماً، ثم 28 و56 يوماً. ويحتاج الكونكريت عادة إلى ما يقارب الأسبوع ليصل إلى نسبة مئوية عالية للمتانة النهائية، لذا فالاختبارات هذه تعتبر مؤشّراً موثوقاً لما ستؤول إليه الحالة المستقرة للمادة الكونكريتية، وللأسف وبالرغم من بساطة ووضوح عملية فحص الكونكريت إلا أن الإساءة في التطبيق تعزى إلى النظام البشري الذي يربط بين التصميم والتنفيذ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق