العلوم الإنسانية والإجتماعية

أمثلة على علماء تمتعوا بصفة “الترحال طلباً للعلم”

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الثاني

صبري الدمرداش

KFAS

صفة الترحال لدى العلماء العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

كان بعض العلماء دائماً على سفرٍ طلباً للعلم والاستزادة منه من مصادر جديدة أعمق وأرحب : كتب أو علماء الواقع ذاته .

ونعرض فيما يلي لقطوفٍ من رحلات كل من علماء العرب وعلماء الغرب .

فمن علماء العرب، نذكر الفارابي، الذي جاب أرجاء آسيا الوسطى وبلاد فارس وخرسان والعراق وسوريا ومصر متعلَّماً وعالماً! .

وابن سينا الذي ارتحل من بُخاري إلى الجُرجانية إلى جُرجان عاصمة الدولة الزيارية إلى همذان ثم إلى أصفهان، مُتَّخذاً له في كلٍ منها أساتذة كباراً  ومعلِّمين وتلامذة .

وقد عُرف عن الإدريسي كثرة تنقله وترحاله للحصول على المعلومات النافعة في مجالات الجغرافيا البشرية والفلكية والاقتصادية.

وبد بدأ سياحته هذه وهو ابن الستة عشر عاماً مما يدل على نضجه المبكر. فتجوَّل في بلاد الشمال الأفريقي وعرف مدنه وقراه، وزار بعض مدن فرنسية وأخرى إنجليزية. وفي الشرق زار مصر والشام وتجوَّل في سائر بلاد آسيا الصغرى ! .

 

والبغدادي، الطبيب العربي والعالم الموسوعي، كان كثير التنقل والترحال بين مختلف البلاد العربية والإسلامية المشهورة بعلمائها، مثل الموصل ودمشق والقاهرة والقدس كي يتتلمذ على كبار العلماء. وكان يحمل معه من الكتب ما استطاع ، ويُضيف ويؤلِّف ويُكمل ما ابتدأ به أنَّى حل وأقام.

وقد ارتحل ابن البيطار من بلدٍ إلى بلدٍ طلباً لنور العلم والمعرفة. فقد ارتحل من ملقا إلى أشبيلية ثم المغرب، كما ارتحل إلى بلاد الإغريق وبلاد الرومان ثم إلى دمشق وكل بلاد العالم الإسلامي الشهيرة بعلمائها، وكانت مصر هي نهاية المطاف .

ويكفي أن نشير هنا إلى أنه اضطر عند تأليفه كتابه الشهير "الجامع في الأدوية المفردة" أن ينتقل بين كلٍ من القاهرة ودمشق والبرتغال والبلقان وفرنسا! .

وها هو ابن الهيثم، له السلوك نفسه، فقد تنقَّل من البصرة إلى العراق ثم إلى الشام ومنها إلى مصر.

 

وذلكم ابن حيَّان يوصيه استاذه الإمام جعفر الصادق : "… واعلم يا جابر أن العلم ليس ثمرة رجل واحد، فلا تبق في الكوفة فتأسن مثل ماءٍ يُفْسِدُه طول الركود، العلم يا جابر كحبوب اللقاح تحملها الرياح في كل فج، فترحَّل في طلب العلم ومخالطة العلماء".

وعمل جابر بالوصية فكان يترحَّل من بلدٍ إلى بلد، ضالته العلم والعلماء، فلما انتهت صفحة الدولة الأموية وانتقلت عاصمة الخلافة من دمشق إلى الكوفة، شد جابرٌ الرحال إليها وكتبه معه . ثم ذهب إلى المدينة للحج وملاقاة الإمام، ثم ارتحل إلى بغداد وأخيراً قفل عائداً إلى مسقط رأسه .

وعن رحلات علماء العرب تُروي قصص هي إلى الأساطير أقرب. فمنهم من عبر القارات وقطع المسافات، آلاف الأميال فوق ظهر بعير، ومنهم من لم يكن يملك سوى قدميه فسار راجلاً! .

فهذه رحلة يحيى بن يحيى اللَّيثي من قُرطبة إلى المدينة المنوَّرة ليسمع من الإمام مالك، ثم إلى مكة ليسمع من شعبان بن عُيُيْنه ، ثم إلى مصر ليسمع من الليث بن سعد، ثم يكر عائداً إلى الأندلس .

 

ورحلة البُخارى في جمع الأحاديث النبوية والتي استغرقت ستة عشر عاماً .  ورحلات حنين بن إسحاق العالم الطبيب والتي استغرقت زُهاء عشرين عاماً .

ورحلة البيروني في الهند التي عاش فيها أربعين سنة يطوف فيها بين أرجائها ويدرس لغاتها، ويقف على تاريخها وجغرافيتها وعاداتها وتقاليدها.

ورحلة ابن مندة التي جلس فيها إلى عشرات الشيوخ،  وجمع جُملةً من الكتب زادت عند عودته إلى أربعين حملاً!! .

وعن رحلات عّلماء العرب يقول المستشرق نيكلسون : "لقد كان علماء العرب في العصر الإسلامي يقومون برحلاتٍ أسطورية. إن أحدهم ليقطع القارات الثلاث (في ذلكم العصر) وليس له من راحلة تحمله سوى قدميه، ثم يعود إلى وطنه كما يعود النحل محمَّلاً بالعسل.

 

وما ذلك إلاّ ليبحث عن كتاب أو يناقش عالماً أو يتتلمذ على آخر ، وإن أحدهم ليعود بأحمال من الكتب ثم يعكف على التدوين فيخرجها كتباً هي بدوائر المعارف أشبه، وهي المصادر الأولى للعلوم الحديثة بكل ما تحمله  كلمة علوم من معنى" .

مثلٌ من الأمثلة ما يُخبرنا به البيروني في كتابه "الآثار الباقية عن القرون الخالية"، وذلك أنه أخذ يبحث عن كتاب "سر الأسرار"  قرابة أربعين عاماً في طول البلاد وعرضها، حتى عثر عليه في خوارزم كي يدفع عن الرَّازي تهمة الإلحاد!

كما حدَّثنا حنين بن إسحاق عن مخطوط عُرف باسم  "في البرهان" بقوله : لكم بحثت عنه وجبت في طلبه بلاداً وبلاداً : سوريا والعراق وفلسطين ومصر إلى أن وصلت الإسكندرية، غير أنني لم أظفر إلا بنصفه في دمشق! .

ألا ما أشد ما يُلْحِف في طلب العلم العلماء! .

 

وفي العصر الإسلامي ازدهرت الرحلات إلى المدارس الفكرية حيث يجد مريدوها المأوى والمقام والمعلم، كما ازدهرت رحلات علماء ممتازين زاروا فيها مختلف البلاد وسجَّلوا خبراتهم في كتب خاصة "كتب الرحلات"  تعتبر من أثرى المصادر، ومن هؤلاء العلماء ياقوت الحموي ، وابن جبير ، والبغدادي ، والمقدسي ، وغيرهم .

وقبل هؤلاء وبعدهم ابن بطوطة (المتوفي عام 1378) ، أشهر رحَّالة العرب ، وصاحب الكتاب الأشهر "الرحلة"  الذي يصف فيه رحلاته التي استغرقت نحو ثمانية وعشرين عاماً، سافر فيها من أسبانيا عبر شرق أفريقيا وشمالها إلى الهند والصين وإندونيسيا، وقد تمت ترجمته إلى عدة لغات. ويحتمل أن يكون هذا الكتاب ملهماً لفكرة "رحلات جلفر" .

 

ومن علماء الغرب نذكر مندلييف. فلما كانت فرصة تلقيه العلوم العليا في روسيا ضعيفة ، فقد حصل على منحة للدراسة في كلٍ من فرنسا وألمانيا حيث التقى بمشاهير العلماء في كل منهما. وكان هذا الارتحال بمثابة الصقل الحقيقي له فيما بعد ، أعانه على إنجازه الرائع ، الجدول الدوري .

وتاركاً وطنه نيوزيلندا بعد أن تلقَّى تعليمه الأوَّلي بمعاهده ارتحل رذرفورد ومعه تونز من إيرلندا حتى وصلا في الوقت نفسه إلى كيمبردج ، حيث معمل كافندش عالمٌ قائمٌ بذاته ومصنعٌ لإنتاج العلم وتفريخ العلماء.

وبعد أن أبلى فيه البلاء الحسن ارتحل إلى كندا ليكمل المسيرة ، حيث عمل أستاذاً للفيزيقا بجامعة كماكجل، ثم قفل عائداً إلى انجلترا ليعمل أستاذاً للفيزيقا في جامعة مانشستر.

 

وأما داروين، فرحلته التاريخية معروفة، فهو طالب علم من كتاب الطبيعة المفتوح، استمرت لسنوات خمس في خطة  لمسح شواطئ أمريكا الجنوبية وجزر جالاباجوس النائية وكثيرٍ من جزر المحيط الهادي وجنوبي الأطلنطي .

وهي تعتبر واحدة من أشهر الرحلات العلمية في التاريخ، وقد تمخَّضت عن نتائج جد مذهلة . فمنها وبها تم لصاحبها وضع كتابه الأشهر "أصل الأنواع" وصياغته  نظريته عن التطور البيولوجي .

وقد قام بويل ، وهو صبي في الحادية عشرة، بجولة في القارة الأوروبية كانت السبب في صقل مواهبه منذ حداثته ، بل أن زيارته لإيطاليا ومقابلته لعالمها الكبير جاليليو هي التي غرست في نفسه بذرة الحُب لدراسة العلوم .

 

وذلكم لافوازييه، يرتحل في صحبة أستاذه جيتار إلى جبال الفوج في رحلة علمية كانت له العون والسند في حياته المستقبلية.

ونذكر ديفي الذي قام، بصحبة تلميذه ومساعده فاراداي، بجولة في العواصم العلمية إلى إيطاليا والسويد وفرنسا والهند وألمانيا ، ثم قفلا عائدين إلى إنجلترا.

ويسألونك عن وهلر، قل رحيله إلى السويد. فبناءاً على نصيحة أستاذه جملين سافر للتتلمذ على الكيميائي الفذ برزيليوس وتلقى العلم على يديه.

وأخيراً ، هاجرت ماري كوري من بولونيا إلى فرنسا ، لم يُخرجها سوى شظف العيش وطلب العلم .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق