العلوم الإنسانية والإجتماعية

أمثلة على علماء تفاوتت حظوظهم وتقديرهم طيلة حياتهم

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الثاني

صبري الدمرداش

KFAS

علماء تفاوتت حظوظهم العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

في التاريخ علماءٌ كبار لم يفوزوا بشهرتهم إلا بشق الأنفس، ومنهم من لم يُعرف قدره إلاّ بعد أن قضى نحبه، وما أكثر الذين قضوا منهم مجهولين!.

وهؤلاء وأولئك هم جميعاً أسعد حالاً وأوفر حظاً ممن لقوا حتفهم لقاء علمهم!. ولكن في المقابل من العلماء من ابتسمت لهم الدنيا منذ اللحظة الأولى، وفتحت لهم وعليهم أبواب شهرتها، فدخلوا فيها آمنين مطمئنين في حياتهم ومن بعد موتهم .

ومن علماء الصنف الأول، هوك وهنري .

فالأول كان عالماً شاملاً ولكن لا حظَّ له، إذ نُسبت كثير من كشوفاته لمعاصريه أو اللاّحقين به! كما لم يكن في موته أكثر حظاً في حياته، إذ ظل قبره حتى الآن مجهولاً. وقد نال حقاً بعضاً من الشهرة، حيث لا زالت بعض قوانينه يدرسها طلاب العلوم، ولكنه يستحق مثلها أضعافاً مضاعفة .

والثاني، هنري مكتشف الحث الذاتي ، لم يكن أوفر حظاً من سابقه فقد كان – رغم عبقريته – غريباً في عصره ولم يدرك أحد أنه كان عملاقاً إلا بعد وفاته!.

والتكريم الوحيد الذي ناله، وهو إطلاق اسمه على وحدة قياس الحث الذاتي، كان بعد أن قضى نحبه، ويتمثَّل سوء حظ هنري وقلة بخته في أنه  كلما كان يهم بنشر كشفٍ توصَّل إليه، يجد أن غيره قد سبقه ! .

 

ومن علماء الصنف الثاني، مندل وأوم .

فالأول، مندل، عندما توفي لم يكن أحد يدري بالضبط ماذا فعل الرجل وماذا اكتشف. ومن ثم عاش ومات مجهولاً. وأراد القدر أن يعطيه حقه ولو بعد حين، فقد عُرف قدره بعد مماته بستة عشر عاماً، حيث أكد ثلاثة من العلماء صحة بحوثه ونتائجه.

والثاني، أوم صاحب قانونه، لم يلق قبولاً واستحساناً في بلده ألمانيا وإنما لقي عنتاً وهواناً. وبعد مماته بزمان نال بعض التكريم بإطلاق اسمه على وحدة المقاومة الكهربائية  .

 

ويعد برونو ودي ملش ولافوازييه، أمثلة ظاهرة لعلماء الصنف الثالث.

فالأول، برونو، أُحرق حياً لمناصرته النظام الكوبرنيكي للكون بعد إيلام شديد وتعذيب. والثاني، دي ملش، سُجن في روما حتى مات .

وبعد موته حكم على جثته وكتبه بالحرق. لِمّ كل هذا؟! لا لشي إلا أنه قال أن قوس قزح ليس قوساً مرسلاً من عند الله لعقاب الناس، ولكنه مجرد ظاهرة لونية نتيجة انعكاس ضوء الشمس على نقط الماء في السماء!! . والثالث، لافوازييه، كان له حد المقصلة بالمرصاد فراح ضحية علمه وأمانته ! .

 

وأما علماء الصنف الرابع، فإنه  يتقدم هؤلاء المحظوظين آينشتاين ثم كثيرون من مثل: نيوتن ، ومندلييف، وداروين، وجنر، وبانتنج، وفرانكلين، وفولتا، وفاراداي، ورونتجن، ومايكلسون، وبلانك، وماري كوري .

فآينشتاين، زعيم المحظوظين وشيخهم، كان طالعه مرتبطاً دائما بكوكب السعد. فقد فاز هو ونظريته بالشهرة وهو لا يزال دارجاً من الشباب إلى الكهولة. ففي خلال أعوام عشرة فقط رُفع الموظف المغمور إلى مصاف الأعاظم من مثل كوبرنيكوس وجاليليو ونيوتن ويفوق!.

ولهذه الشهرة الكبيرة ما يبررها، فهي لها بالقطع سندها العلمي، وإن بقي جانب منها على الأقل لاعتبارات غير علمية: سياسية وعقائدية. فالأسباب العلمية ترجع في المحك الأوَل إلى عبقرية آينشتاين التي هي محصلة عناصر كثيرة مختلفة ولكنها متكاملة: خيالٌ متقدٌ وثَّاب، وثورة على التقاليد عارمة، وملكة للنقد صائبة، وحبٌ للهدم وعناية بالبناء كبيرة، ونظرة للأمور شاملة ومتأصّلة، وقدرة في الرياضيات فذة وهائلة، وميل للفلسفة والفن قوي وظاهر، بل وتوقيت للظهور دقيق ومناسب!

أما الاعتبارات السياسية فترجع إلى الدور الذي لعبه في توجيه نظر الولايات المتحدة إلى خطورة حصول ألمانيا على القنبلة الذرية خلال الحرب العالمية الثانية، وتتمثل الاعتبارات العقائدية في صهيونية آينشتاين التي كان يفاخر بها ويعتز .

 

ويمكننا أن نحدِّد تواريخ ثلاثة كانت بمثابة منطلقات ثلاثة لتلك الشهرة الكبيرة التي نالها عالمنا في حياته وبعد مماته وهي أعوام : 1919 و 1939 و 1979 . ففي العام الأول تحقَّقت نبوءته عن انكسار شعاع الضوء عندما يمر في مجال جاذبية الشمس.

وصحا في يوم من أيام ذلك العام 7 نوفمبر ليجد العالم كله يتحدَّث عنه وعن نظريته، وليتحوَّل في اليوم نفسه ولأوَل مرة في التاريخ من مجرد عالم فيزيقا إلى شخصية جماهيرية عالمية!. وفي العام الثاني كان خطابه الشهير إلى الرئيس الأمريكي روزفلت حول مسألة بناء القنبلة الذرية وما صاحب هذا الأمر من عجيج عالٍ وضجيج.

وأما العام الثالث، وهو بعد موته، فكان عام الدعاية له  من قِبَل أجهزة الإعلام الغربية بصفة عامة والأمريكية على وجه الخصوص بمناسبة مرور مائة عام على مولده .

 

كذلك نال نيوتن، أمير الفلاسفة الطبيعيين، كل التكريم في حياته ومن ملكة إنجلترا شخصياً. وعندما أصدر "المبادئ"  طبَّقت شهرته الآفاق. وبسبب نظرياته وقوانينه فلا أحد ينسى من دارسي العلوم وغير العلوم يجهله الآن، فالكل يذكره على الأقل بسبب قصة التفاحة، وبغض النظر عن كونها خيال أم حقيقة .

ومندلييف، رغم العنت لقي تشريفاً. ويتمثل العنت في رفض الأكاديمية الروسية في أن تجعله عضواً بها وهو أكبر كيميائيَّي عصره!. 

ويرجع هذا إلى تأييده لحركة الإصلاح في بلاده، وخصوصاً تلك التي يتزعمها الأحرار، مما أوجد له عداوة في دوائر المحافظين أول الأمر تسبَّبت كذلك في استقالته من الجامعة. وأما التشريف فكان بمثابة رد اعتبار، ويتمثَّل في تكريم جهات علمية عديدة له منها أكبر الجامعات في بريطانيا وأمريكا وألمانيا بل وفي روسيا ذاتها، كما نال مدلاتات كثيرة أطلق على رأسها مدلاة فاراداي.

وبعد مماته حظي بتكريمٍ كبير، حيث أُطلقَ اسمه على العنصر الواحد بعد المائة في الجدول الدوريَّ "المندلييفيوم" جزاءً وفاقاً لوضع الجدول من جهة ودقة تنبؤاته من جهةٍ أخرى .

 

وأما داروين، فهو من أكثر العلماء حتى اليوم شهرة، سلبية أو إيجابية، بين المتخصصين وغير المتخصصين، في حياته وبعد مماته. وذلك بسبب نظريته المثيرة عن التطور، في الوقت الذي مات فيه علماء للتطور مغمورين من مثل والاس نِدُّ داروين وقسيمه في تلك النظرية .

وقد حصل جنر على تكريم وعرفان بالجميل عظيم بوصفه محسناً كبيراً للجنس البشري، لقهره داء عضال هو الجدري، ولكن التكريم كان خارج وطنه ! .

وحظي بانتنج في حياته بوابلٍ من التكريم: نال جائزة نوبل في الطب مناصفة، ومُنح معاشاً سنوياً، وبُني معهداً باسمه، وأخذ رتبة قائد الفروسية، وأنشئت مؤسَّسة للبحوث تكمل عمله، وانتُخب زميلاً للجمعية الملكية البريطانية .

وفرانكلين اكتسب شهرة كبيرة في حياته وبعد مماته. ففي حياته كان العالم الفذ والسياسي الكبير. وقد نال الميداليات والجوائز والمكافآت، كما انتخب عضواً في الجمعيات والأكاديميات. وكان في حياته العالم الأمريكي الوحيد ذو السمعة العالية.

وبعد مماته فإننا نكرمه – من غير أن ندري – كلما ذكرنا كلمات: موجب، وسالب، وبطارية، ومانعة الصواعق، وغيرها من المصطلحات التي كان فرانكلين أول من ابتكرها واستخدمها .

 

وفولتا نال في حياته تشريفاتٍ كثيرة من مدلاتات ومناصب ونُصْبٍ تذكاري، وكان التكريم الأوفى له إطلاق الفولت – المشتق من اسمه – على وحدة القوة الدافعة الكهربائية بعد مماته من قِبَل مؤتمر علماء الكهرباء .

وبالمثل كان فاراداي .

وأما رونتجن، مكتشف الأشعة السينية، فقد قُدِّر في حياته بمنحه جائزة نوبل في الفيزيقا قبل مماته باثنين وعشرين عاماً، وكان بذلك أول من نالها في التاريخ .

كذلك كان مايكلسون أول أمريكي يحوز تلك الجائزة، وفضلاً عنها فقد واتاه التكريم من جميع أنحاء العالم الغربي، إذ بلغ عدد  مراتب الشرف التي مُنحت له إحدى عشرة مرتبة!.

وأما بلانك فقد كانت شهرته في حياته كبيرة، وتكريمه بعد مماته عظيماً. ففي حياته اعترف العالم أجمع به وبنظريته التي كانت بمثابة ثورة حقيقية في علم الفيزيقا، وفي مماته أُطلق اسمه على إحدى أكاديميات العلوم، وأصبحت أول جائزة علمية في ألمانيا هي مدلاته .

 

والزهرة الوحيدة، ماري كوري، كان تكريمها مضاعفاً، فقد نالت جائزة نوبل مرتين!. الأولى في الفيزيقا عام 1903 بالمشاركة مع زوجها والعالم الفرنسي بيكيريل لكشفهم العناصر المشعة، والثانية في الكيمياء عام 1911 بمفردها لاستفرادها عنصر الراديوم المشع. وربما لأنها الوحيدة بين رجال، فاسمها أكثر لمعاناً وأشد تألقاً.

ولنا – بعد هذا – أن نتساءل : ما الذي يجعل العالم يُعنَّت أو يكرَّم أو يُتجاهل ؟ .

إن الإنسان لينزع إلى الحكم على الأمور في الغالب في ضوء خبرته الشخصية وميوله الذاتية لا في ضوء حقائق موضوعية. لهذا نراه يحكم على الأفكار الجديدة بمعيار المعتقدات السائدة حتى لو كانت الأخيرة خاطئة.

فإذا كانت الأفكار الجديدة ثورية أكثر مما ينبغي، أي أفرطت في الابتعاد، ومن ثم الصدام مع ما هو سائد مألوف مما يصعب معه أو يستحيل إدماجها في البناء المعرفي الشائع، أصبح من المتعذر قبولها

 

ويكاد يكون من المؤكد – عندما تتم الكشوف قبل أوانها – أن تُقابل إما بالرفض أو التجاهل، وفي الحالين يكون كشفها و عدمه سواء.

وقد شبَّهت الدكتورة "مارجوري ستيفنسون" تلك الكشوف التي تتم قبل الأوان بالطلائع التي تُرسل للاستيلاء على موقعٍ حربي، فإذا كان الجيش الرئيس بعيداً إلى حد لا يمكنه من أن يمدها بالمؤازرة والتأييد سقطت في أيدي الأعداء بدلاً من أن تسقطهم هم في أيدي جيشها ! .

وقد كشف "ماكمن" السيتوكروم في عام 1886 ، ولكن ظل

هذا الكشف قليل الأهمية وقوبل بالتجاهل حتى أعاد كشفه ثانية "كيلين" بعد ثمانية وثلاثين عاماً، وفسَّره تفسيراً مقبولاً .

وأن في كشف مندل للمبادئ الأساسية أو قوانينه في الوراثة لمثل بيَّن، يوضح كيف أن الأوساط العلمية ذاتها لا تستطيع في كل الأحوال إدراك أهمية الكشوف الجديدة. فعلى الرغم من أن بحوث مندل قد أرست دعائم علمٍ جديد، فقد ظل العلماء يتجاهلونها زمناً.

 

وفي هذا يرى "فيشر" أنه يبدو أن كل جيل من العلماء كان يجد في بحوث مندل ما يتوقَّعه هو فقط ويتجاهل ما لا يتفق معه! وقد رأى معاصروه أن بحوثه ما هي إلاّ مجرَّد تكرار لتجارب التهجين السابق نشرها، والذين قدَّروا هذه البحوث وجدوا صعوبة في التوفيق بينها وبين فكرة التطور .

وفي بعض الأحيان تكون شخصية المكتشف وطبيعته سبباً في زيادة المتاعب الملازمة لكشفه الجديد. فإذا كان المكتشف قليل الخبرة ضئيل المهارة مقطوعه العلاقات أو محدودها كان ذلك في غير صالح ما اكتشف. ولو أنه كان أكثر كياسة وأكثر لباقة وأوسع علاقة لكان ذك في صالح الكشف وأجدى .

وعلى هذا يمكننا تفسير نجاح عالم مثل هارفي في حمل الناس على الاعتراف بكشفه، في الوقت الذي فشل فيه سملفيس من قبله. ففي حين أن الأخير لم يُظهر لباقة ولياقة، ولم يوطد علاقة، فإن هارفي أهدى كتابه للملك تشارلس مُشبهاً فيه منزلة الملك من المملكة بالقلب من الجسد.

 

يقول مؤرخه "ويليس" : "إن هارفي كانت لديه قدرة خارقة على الإقناع والاستمالة"، وكان هارفي نفسه يشير إلى علاقته بنُقّاده  بقوله : "لو أنني قابلت القذف بمثله، ما كنت جديراً بأن أكون عالماً همه الأول الحقيقة" .

والمكتشف في حاجة كذلك إلى الشجاعة حاجته إلى المهارة، فيدمغ الرَّافضين ويُقنع المتشكِّكين ويوقظ اللامبالين. وكم وقف هارفي وجاليليو وباستير في وجه كل هؤلاء. وعلى الضِدَّ ألا أكثر من خانتهم شجاعتهم .

انظر إلى المقال الذي كتبه "ووترستون" عام 1845 عن النظرية الجزيئية للغازات مستبقاً به نتائج كل من جول وكلاوزيوس وماكسويل، إذ قيَّمه عضو الجمعية الملكية بقوله: "إن هو إلا هراء مبين!" ولما لم يجد المقال عنه مدافعاً طوته يد النسيان ولكن إلى حين، حيث بُعث بعد خمسة وأربعين عاماً!.

وهنا نُذكِّر بالمقالة المنسية لأفوجادرو، التي كانت لبنة أساسية في النظرية الجزيئية، حتى وجدت من يجلوها ويظهرها للكيميائيين أجمعين، كانيزارو، وهكذا فإن كثيراً من الكشوفات العلمية التي ولدت ميِّتة  بهذه الطريقة أو أخمدت أنفاسها ساعة ولادتها .

نعم إننا لا نعرف غير الكشوف التي ظلت على قيد الحياة!

 

ويُقال أن استقبال الكشف الذي يضيف إلى العلم جديداً يمر بمراحل ثلاث، في الأولى يتعرَّض للسخرية بوصفه خاطئاً أو عقيماً أو مستحيلاً، وفي الثانية قد يتوقع البعض منه خيراً ، وفي الثالثة يثبت نفسه ويفرض ذاته بما يؤتيه من ثمار .

والملاحظ أنه كان من الأمور العادية أن يجازى أعاظم العلماء في الماضي على ما أسدوه للبشرية من خدماتٍ جليلة بالتعذيب أو الاضطهاد، وهو تناقض ممقوت تجسِّده القصة التالية وتُجليه .

في عام 1847 طرأت على ذهن إجناتس سملفيس فكرة، مؤدَّاها أن المرض ينتقل إلى النسوة على أيدي معلمي الطب وطلابه الخارجين لتوهم من غرفة تشريح الموتى. وللقضاء على "مادة" الجثث العالقة بالأيدي، فرض نظاماً صارماً لغسل الأيدي في محلول مطهِّر من الجير الكلوري قبل فحص المرضى.

ونتيجة لهذا الإجراء انخفضت نسبة الوفيات بحمى النفاس في عيادة الولادة الرئيسة بمستشفى فيينا العام إلى حد كبير من 12% إلى 3% ثم إلى 1% . ومن ثم قوبلت آراء سملفيس بالاستحسان من بعض الجهات، كما طُبِّق نظامه في بعض المستشفيات، بيد أن هذه الآراء الثورية، التي أدانت أطباء الولادة باعتبارهم حاملي الموت، أثارت معارضة ذوي السلطة، فرفضوا تجديد وظيفة عالمنا كطبيب مساعد.

 

فغادر فيينا إلى بودابست، حيث أدخل طريقته في بعض مستشفياتها بنجاح، ولكنها لم تسلم من معارضة علماء عظام من مثل "فيركو" .

وقد ألَّف سملفيس في ذلك الوقت كتاباً له شهيراً "علم تعليل الأمراض" . ومع أنه يعدَّ الآن من المؤلَفات الطبية الخالدة إلا أنه لم يستطع نشره وتسويقه. أصابه اليأس والبؤس والحنق والقنوط من أولئك الذين رفضوا اتباع طريقته في مستشفياتهم، واصفاً إياهم بأنه ما هم إلاّ شرذمة من القتلة السفَّاكين والسفَّاحين .

ولما لم تُقابل اتهاماته إلاّ بمزيد من السخرية زادت حالته سوءاً على سوء، وحلتَّ نهايته المحزنة في عام 1865، حيث مات بطريقة تجمع بين الرثاء والسخرية، إذ كان موته بسبب من جُرح ملوث أصاب اصبعه أثناء إجراء آخر عملياته الجراحية في أمراض النساء، وكان بذلك ضحية العدوى التي كرَّس حياته كلها لوقاية الناس منها!.

 

والحق أن إيمانه لم يتزعزع لحظة في اعتراف التاريخ آخر الأمر بصدق آرائه وفاعلية طريقته. وحقاً ما ظن، فقد أجبرت بحوث العلماء فيما بعد، وخاصة تارنييه وباستير في فرنسا وليستر في أنجلترا، على الاعتراف رغم أنوفهم بصحة ما نادي به سملفيس .

وربما كان فشل عالمنا في إقناع الأخرين بدعواه راجعاً إلى عدم وجود تفسير أو تبرير مقنع لأهمية تطهير الأيدي؛ لأن البكتيريا لم تكن قد اكشتفت بعد. وربما يرجع كذلك إلى عدم كياسته ولباقته في عرض "بضاعته" و  "تسويقها" على أصحاب المصلحة الحقيقية فيها .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق