الفيزياء

“أغلاط البصر” الواردة نتيجة لخروج ابعْد عن عرض الاعتدال

2009 البصائر في علم المناظر

كمال الدين الفارسي

KFAS

أغلاط البصر الواردة نتيجة لخروج ابعد عن عرض الاعتدال الفيزياء

(حال الإحساس الغلط في القياس يكون على وجهين: في المقدمات وفي تركيب القياس.

والأولى على ثلاثة أوجه:

– أخذ المقدمة الكاذبة على أنها صادقة.

– وأخذ الجزئية على أنها كلية.

– والغلط في اكتساب المقدمات.

 

وهذا الأخير إنما يكون إذا كان في المُبصر معانٍ ظاهرةٍ وخفية يمكن أن تدرك باستقصاء التأمل، واعتمد الناظر على ما يظهر منه في بادئ النظر، أو لم يتمكن من التأمل لمانع، أو سها.

فعند ذلك لا تصح له تلك المقدمة الحاصلة من ذلك الإدراك القاصر فإذا أخذها مع مقدمة أخرى وحكم بالنتيجة فهو غالط، بل من حقه أن يكون شاكاً في نتيجة ما هذه حاله من المقدمات.

ونحن نمثِّل في هذا الباب بأمثلة يكثر فيها الغلط ويكون عدة للتحرز عن أمثالها.  والمفروض في جميع الأمثلة عدم معرفة البصر.

 

وهذه الأغلاط ثمانية أنواع:

– الأول: ما يكون لخروج ابُعْد عن عرض الاعتدال: وذلك.

– أما في البعد: فكالكواكب فإن البصر لا يُفرِّق بين أبعاد الثوابت والمُتحيِّرة، بل يظنها جميعاً في فلك واحد.

– وأما في الوضع: فكما إذا نظر إلى مُبصرٍ بعيدٍ مائلٍ فنظنه مواجهاً لعدم التميز بين أطوال الأشعّة المنتهية إلى أطرافه، فيدركها متساوية.

 

– وأما في التَجسّمُ: فكما إذا نظر إلى امبصر البعيد فلم يحس بانعطاف سطوحه ولا باختلاف أجزاء سطوحه قرباً وبعداًن فنظنه، مسطحاً ولذلك يدرك الشمس والقمر مسطحين.

– واما في الشكل: فكما إذا نظر إلى شكل كثير الأضلاع من بُعْد فظنه  مستدير لخفاء الزوايا.

 

– وأما في العظم: فكما إذا نظر إلى جسم مُقتدر الحَجْم أو مسافة بين مُبْصرين مُقتدرة من بُعد بعيدٍ، فإنه يدرك أصغر مما هو عليه.

وذلك أن مخروط الشعاع المحيط بالمبصر المحقق يلتئم من مخروطاتٍ تحيط بأجزاء المُبْصر المترتبة التي ينقسم سطح المبصر إليها – أعني الأجزاء التي تعتد بها في تحقيق المبصر – فما دام المُبْصر على بُعدٍ معتدل فعلت تلك الأجزاء مخروطات تمتيزة الزوايا.

يحس بها البصر فتدرك جميعاً، فإذا تجاوز عرض الاعتدال فقد لا يفعل بعض تلك الأجزاء – وهي التي في غاية الصغر – المخروطات المتميِّزة الزوايا، فلا تدرك هي من المُبْصر.

فتكون زاوية مخروط الشعاع حينئذ أصغر مما هي في الأول صغراً يقتضيه نقصان تلك الأجزاء، دون الصغر الذي يقتضيه زيادة بعد المبصر وهو لا يحس بالتفاوت الذي يتقضيه نقصان تلك الأجزاء.

 

فيدرك المُبْصر ويزداد هذا التفاوت بحسب ازدياد البعد إلى أن ينتهي إلى حدٍ لا يحس بزاوية مخروط جملة المبصر فتخفى عن البصر رأساً.

وإذا قرب المبصر وجاوز عرض الاعتدال عظمت صور النقاط الواردة إلى البصر وتفشت من جوانبها على ما تقرره في مباحث الرؤية من طريق الانعطاف، فتعظم الصورة وتشتبه لتداخل صور النقاط ولخفاء المبصر.

وجه آخر: وهو أن المُبصر إذا بعُد فإن صورتي ضوئه ولونه تضعفان، فإذا تناهتا في الضّعْف خفي المبصر، وإن كان البعد غير متناه في التفاوت، أعني أنه لم ينته إلى حدٍ يمنع الإحساس بزاوية مخروط جملة المبصر.

 

وله أيضاً وجه آخر: وهو أنه يخفى من اشتباه ضوئه ولونه بألوان ما يجاوره، وإن كان مقتدر الحجم وعلى بعد معتدل بالقياس إليه كالأجسام التُّرابِية على وجه الارض.

والأجسام الخُضْر المشرقة الخضرة إذا كانت فيما بين الزَّرْع، أو في تضاعيف ورق الشَّجر، وذلك من أجل خفاء تخطيطات جُملة المبصر، والتَّفرُّق بني المبصر وما يجاوره، فيكون البعد متفاوتاً بالنسبة إلى الخطِّ الفاصل بينهما.

لاشتباه العظم وجه آخر: فقد يشتبه مع تبين مقدار البُعْد في نفسه، فإذا المُبْصرات الصِّغار جداً، قد يدرك من الابعاد المعتدلة مطلقاً أصغر لأن تلك الابعاد تكون متفاوتة بالقياس إليها على ما عرفت قبل.

 

وقد يدرك المبصر أعظم لتفاوت البعد كما يدرك الكواكب والأبعاد ما بينها عند الأفق أعظم منها في وسط السماء وعند سمت الرأس وذلك أن البصر يدرك الأعظام من مقادير الزوايا مقيسة إلى مقادير الأبعاد.

ومقادير الأبعاد إنما تتحقق إذا كانت مُسامةُ لأجسام مترتبة متصلة فمقادير أبعاد السماويات لا تتحق.

وإذا لم يتحققها فإنه يحدس عليها ويشبهها بأبعاد المبصرات المألوفة التي يدرك منها مثل تلك المبصرات في صورها وهيئاتها وهي الأبعاد الأرضية المتفاوتة جداً التي منها يدرك المبصرات وجسم السماء ليس يظهر للحس أنه كري مقعرة يلي البصر بل لا يحس بجسميتها.

 

ولا يرى منه أثراً سوى ما يحسبه من الزرقة، وغذ ذاك فيشبه سطح الفلك بالمستوية لأن أكثر المألوفات سطوحها مستوية ولذلك يدرك النيرين مسطحين، وإدراك السماويات وإن كان بالانعطاف على ما تبين في موضعه، لكن البصر لا يحس بذلك بل يظن الاستقامة وهو يدرك امتداد لون السماء بحسب ظنه طولاً وعرضاً فتدركها مستوية السطح.

فكما أن المواضع الفسيحة التي على الأرض تُدرك اطرافها أبعد من اوساطهن وما قرب من الوسط أقل بعداً مما بُعدن وإذا أدركت مبصرات متفرقة فيها بزوايا متساوية وأدرك مقادير ابعادها فتدرك الابعد منها أعظم.

فكذلك تدرك الكواكب المتساوية مختلفة المقادير ما كان اقرب من وسط السماء أصغر مما كان فيُرى عند الأفق أعظم ما يرى في سائر واضعها من السماء وهذا  من الاغلاط الدائمة، ولهذا الغلط سبب آخر انعطافي يذكر في باب، إن شاء الله تعالى، إلا أنه أكثري غير دائمي.

 

– وأما في التفرّق: فكما إذا نظر إلى جسم فسيح الأقطار، مختلف الألوان بعيداً جداً، وكان بعض تلك الألوان يقسم السطح في مواضع متفرقة، أو في موضعٍ واحدٍ، ويكون اللونُ مُظلماً وعرضه مقتدراً فإنه يدرك عدة أجسام متفرقة بعدد الالوان، وكذلك لو كانت بدل الالوان أظلال كما ذكر.

– وأما في الاتصال، فكما إذا نظر إلى مبصرات متشابهة الألوان، متفرِّقة، وكان عرض التَّفرق بينها يسيراً، أو كانت متماسة، فإذا يدركُها متصلة كالسرير.

– وأما في الحركة، فكما إذا نظر إلى القمر أو كوكب آخر، ثم تحرك على وجه الارض ناظراً إليه، فإنه يرى القمر أو الكوكب سائراً معه.

 

فإذا وقف أدركه ساكناً زمان سكونه، وذلك لأن المسافة التي يقطعها الناظر المتحرك من سطح الارض في الزمان اليسير ليس لها قدر محسوس عند بُعْد الكواكب، فلا يتغيّر وضع الكوكب لتلك المسافة بالنسبة إلى الناظر تغيراً محسوساً.

وإذا لم يتغيّر الوضع مع حركة الناظر، وإحساسه بحركته فإنه يدرك الكواكب منتقلاً بانتقاله، لأن البصر ليس يدرك هذه الحال من مُبصر من المألوفة إلا ويكون متحركاً بحركته المُعيَّنة.

وههنا تفصيل: هو أن المبصرات المألوفة تتفاوت أبعادها بالنسبة إلى النظر المتحرك، فالمبصرات المألوفة الساكنة إذا نظر المتحرك على خط مستقيم إليها، فإنه يجد تغيّر وضع الأقرب إليه إذا كان على حاقِ يمينه أو يساره – أو قريباً من ذلك – في زمان اقلَّ من الزمان الذي يجد فيه تغيّر وضع الأبعد عنه.

 

وذلك ظاهرٌ لمن تأمّل أجزاء الصحارى والجبال البعيدة عنه إذا كان يدرك بعض معانيها من اللَّوْن والشخوص ونحو ذلك، وهو سائر، ناظر إلى واحد واحدٍ إلى تلك الأجزاء.

فلنفرض خطاً يكون عموداً على سمت حركته المستقيمة ماراً بمركز بصره، وليكن التحديق إلى ذلك الخط، وما يقربه، فإنه في بدء النظر إليها – ومن قبل معرفته بأنها ساكنة، وخصوصاً إذا غفل أو تغافل قليلاً عن حركة نفسه – يدرك أن الأقرب منها إليه ينفصل عنه بحركة أسرع من حركة انفصال الأبعد.

فإذا أمرَّ البصر على تلك المسافات مبتدئاً من مكانه، وجد أن الأقرب من تلك المُبْصرات إليه تتحرك إلى خلاف جهة حركته سريعاً، والذي يتلوه فكذلك لكنه ابطأ من الأول. 

 

وهكذا إلى أن يصادف مُبْصراً لا يتحرَّك في زمان محسوس قليل جداً، ثم يتحرك، وهكذا يتنفس زمان السكون بحسب زيادة البعد، إلى ان ينتهي إلى أبعد المواضع التي يدرك منها شيئاً من معاني المبصر.

وقد يكون ذلك البعد فرسخين أو أكثر فيدرك المُبصر ساكناً زماناً طويلاً، وذلك لأن يقيسه إلى نفسه فقط الساكن في تصوره.

ويتفرَّع على ما ذكرنا أنه إذا ما حدَّق إلى ساكن منها، وأدام التَّحديق، ثم غفل أو تغافل عن حركة نفسه، وتصوَّر نفسه ساكناً، وقاس سائرها إلى نفسه، وإليه، وجد جميعها كأنها متحركة حركة دورية.

 

والمركز موضع التحديق، لكن يجد بعض الدور دون تمامه، كما إذا حدّق إلى مركز دائرة متحركة حركة وضعية في أقل من زمان محسوس، وذلك لأنه إذا كان يسيراً فإذا تحرك قليلاً تحرك جميع ما على سهم الشُّعاع أول الحركة سوى نقطة التحديق أو الحركة.

أما ما يلي نفسه فإلى خلاف جهة الحركة، وأمْا ما في الجهة الأخرى فإلى جهة الحركة، إلا أن النقطة التي تلي المبصر الذي نحوه التحديق يكون أبطأ حركة من النقطة الابعد.

وعلى هذا القياس إلى أن ينتهي إلى الجزء الذي يلي المتحرك الناظر، وأن الأجزاء المتساوية البُعد عن النقطة متحركة حركة متشابهة تقريباً ومتخالفة في الجهة.

 

وهذا المعنى من خواص الحركة الدَّوريّة عند المُميِّزة بحسب المعرفة إذا حدّق إلى المركز إلا أنه يغلط فيه من طريق إيهام العكس، فإن ذلك إنما يقتضيها إذا كان في جميع الأجزاء التي تفرض على الخطوط المستقيمة على وجه الارض المتقاطعة عند المُبصر.

فأما فيقطرٍ واحدٍ فقط وهو سهم الشُّعاع فلا، وإذا وجد الأجزاء التي من دون النقطة متحركة إلى خلاف جهة حركته، والأجزاء التي من ورائه إلى جهة حركته، فتارة يظُنُّها مستقيمة الحركة.

إن اعتبر كلا منها على انفرادها، وتارة يظنُّها مستديرة الحركة إن اعتبرهُما معاً، وهو في كليهما غالط.

 

– وأما في السّكون: فكما إذا نظر إلى متحرِّك بطيء الحركة من بُعْدٍ بعيدٍ في زمانٍ يسير، فإنه لا يُحسّ بحركته، لكون المسافة التي يقطعها في ذلك الزَّمان غير مدركة للبصر من ذلك البُعد، كما يُشاهد من الكواكب على أنها سريعة الحركات.

وقد يكون المُبصر متحركاً على سَمْت خط الشعاع حركة بطيئةً، وهو لا يدركها في زمان يسير، لانه إنما يدرك مثل هذه الحركة إذا كان المتحرِّك يسامت جسماً، وادركه مُسامتاً لجزء اول منه ثم جزء آخر، أو يسامت أجساماً كذلك فإذا لم تكن الأجسام، ولم يفرق بين عظمه في أول الحركة وآخرها، فيظنُّه ساكناً.

 

– وأما في الخشونة، : فكما إذا نظر إلى بعض الصور المنقوشة، فإن المُزوِّقين يشبّهون ما يُزوِّقُون بأمثالها من الأجسام.

وإذا صوَّروا حيواناً أو نباتاً أو غيرهما في سطح تلطَّفوا فيه بالأصباغ والنُّقوش، حتى يبلغوا به كنه المشابهة، فإذا صوَّروا الحيوانات ذوات الشعر والنبات وذوات الزَّغب، والأوراق الخشنة السطوح، والجمادات الخشنة الظاهرة الخشونة كالجبال والسُّحُبن فهم يشبِّهونها بالنُّقوش والتخاطيط.

واختلاف الأصباغ بما يظهر من خشونة سطوح تلك المشبهات من الحيوان وغير ذلك، وتكون الصور المعمولة ملساً بل صقيلة، وإن كان يظهر فيها للبصر أجزاء شاخِصةٌ وغائرة.

وهذا الغلط قد يكون لعدة من العلل، فمنها: ما يكون لخروج البُعْد لأن هذه الصورة لا تتحقق ملاستها إلا بالتأمل، وذلك مما لم يتمكن البصر منه إلا إذا كانت قريبة جداً، لأن تطامن السطح لا يظهر إلا من تأمل أجزائه الصغيرة جداً.

 

– وأما في الشفيف: فكما إذا نظر إلى جدار على بُعد مقتدر منه، وقرب إلى بصره خِلالة دقيقة – أو غبرة –  قُرْباً شديداً بحيث يستر بعض ذلك الجدار، ثم تأمل فإنه يجد عرض الخِلالة – أو الإبرة – اضعاف ما هو عليه.

ويجد انه يستر من الجدار جزءاً مُقتدراً، ولكن ستر الأجسام المُشِفة لانه يدرك الجزء المستتر إدراكاً وإن كان غير تام، فيظن أن الإبرة أو الخِلالة مُشِف، وإنما ذلك  للقرب المفرط، وسيتضح حقيقة ذلك في مباحث الرؤية بالانعطاف.

 

– وأما في الظل: فكما إذا نظر في مبصرٍ نقِيِّ البياض، فسيح الأقطار كالجُدْران البيض، (إذا كان في تضاعيفها موضعُ أو مواضع ترابِيّة الألوان، او منكسفة.

واشرق عليه ضوء قوي فإن البصر يدرك الضوء الذي على المواضع البيض) منه مشرقاً، والذي على المواضع التُّرابيّة والمكنسفة منكسراً، فرُبِما ظنّه من أجل انكساره ظِلاًّ، وذلك لفرْطِ بُعده.

 

– وأما في الظلمة: فكما إذا نظر إلى موضع كما ذكرنا ويكون بدل الالوان المنكسفة سوادٍ، فإنه ربما ظن بتلك الألوان أنها كُوىً نافذةٌ إلى مواضع مظلمة.

– وأما في الحُسْن: فكما إذا نظر إلى صورة من بُعد، فيها ما يستحسنه البصر وما يشينها، إلا أنّ ما يشينها أكثر جداً، ويكون جميعها معاني لطيفة لا يتحقَّقها البصر من ذلك البُعد فيدركها حسنة.

– وأما في القُبْح: فعلى عكس ذلك، وكذلك في التشابه والاختلاف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق