الفيزياء

أغلاط البصر التي تكون بمجرد الإدراك بـ”المعرفة”

2009 البصائر في علم المناظر

كمال الدين الفارسي

KFAS

أغلاط البصر التي تكون بمجرد الإدارك بالمعرفة الفيزياء

(قد مرّ أن إدراك مائيات المُبْصرات إنما يكون بالمعرفة، سواء كان إدراكَ مائية النوع أو الشخص، وأن ذلك بحسب قياس المُبْصر إلى مُشابِهِه المخزون في الخيال إما في معانيه النَّوْعيّة أو الشخصية أو كليهما.

وإذا شك البصر في مائية المُبْصر، أو في شيء من معانيه، فإنه يشبِّهه بأقربِ الأشياء شبهاً به مما قد عرفه، ومن ههنا يعرض الغلط في المعرفة.

 

فأما لخروج البُعْد فكبغل يدركه من بُعد متفاوت فيشبهه بالفرس، أو فرس بعينها أو رأى ناراً في سواد الليل من بُعْد على رأس جبل، ولم يتقدم العلم بأن ثمة ناراًوكانت صغيرة الحجم فرُبّما ظنها كوكباً في السماء.

وأما لخروج الوضع فكالمُبْصر الذي يكون خارجاً عن سهم الشعاع بعيداً عنه، فإنه قد يُظنُّ في زيد أنه عمْرٌو، وفي المنقُوش بنُقُوشٍ دقيقةٍ أنه ساذجٌ.

وأما لخروج الضوء فكاليراعِ الذي يطير في الليل كأنه نارٌ يخطف، وفي ضوء النهار كسائر الأجسام الكدرة.

 

وأما لخروج الحجْم فكالبرغوث يُشبَّه بالنَّمْلة، وحبة من حبوب الرَّشاد تثشبَّه بالخردلة.

وأما لخروج الكثافة فكالبلور الصافي إذا كان وراءه[10] جسم آخر مشرق الحمرة فنظنه ياقوتاً.

 

وأما لخروج شفيف الهواء، فكالمُبْصر الذي يدركه من وراء ثوب رقيق مُشف متلون بلون قوي، فإنه يدرك لون المبصر ممتزجاً بلون المشف، فأما لم يكون ذلك والثوب المشف إنما هو خيوط كثيفة مضمومة بعضها إلى بعض، والثقوب التي فيما بين تلك الخيوط نافذةٌ.

وقد كان يجب أن يظهر لون المُبصر الذي من وراءه عند البصر أجزاء صغاراً متفرقة بحسب تلك الثقوب، ولون الخيوط فيما بين تلك الأجزاء.

فذلك لأن الخيوط لمّا كانت دقاقاً فإن الجزء من الخيط الذي يلي الثقب تحصل صورته في جزء من البصر صغير جداً، وصورة لون المبصر النافذة من ذلك الثقب كذلك.

فيحصل لون الجزء من الخيط، ولون الجزء من المبصر في جزأين من البصر، مجموعهما بمنزلة النقطة عند الحس، فلا يتميز الجزآن، فيدرك الحاس اللونين ممتزجين.

 

ولمثل ما ذكرنا يدرك البصرُ المبصَرَ المختلف الألوان في الهواء الصافي – إذا كانت أجزاء الألوان صغاراً جداً – ذا لون واحدٍ، فإن كان في الثقوب سعة، وفي الخيوط بعض الغلظ.

فإن البصر يميِّز بين لون الخيوط ولون أجزاء المُبصر النافذة من الثقوب، وكلما كانت الخيوط أدقَّ، والثقوب أضيق كان الاشتباه أشد، وكذلك إذا أدرك البصر الخيال الذي يظهر من خلف الإزار، وهي أظلال أشخاص يُحرِّكُها المُخَيِّل.

فيظهر على الإزار أو الجدار الذي وراءه ظنها أجْساماً وحيوانات تتحرك ويكون غالطاً في مائيات تلك الحيوانات والأشخاص، وعلَّتُه خروج شفيف الهواء عن عرض الاعتدال، لأنه لو رفع الإزار الذي يقطع الهواء المتوسط لأدرك الببصر تلك الأظلال أظلالاً، ولم يظنها أشخاصاً ولا حيوانات.

 

وأما لخروج الزمان فكما إذا أدرك مبصراً من منفذ ضيِّقٍ وهو يجتاز بحذائه في غاية السرعة، فإن الزمان الذي يقطع فيه عرض ذلك المنفذ لا يكون ما يتمكن فيه البصر من تأمل المُجْتاز فيشتبه عليه أمره.

وأما لخروج البصر فكما إذا نظر زماناً متنفساً إلى روضة خضراء أشرق عليها الشمس ثم التفت إلى ثوب أبيض في ظل فأدركه أخضر، وكذلك إذا عرض له مرضٌ أو آفة.

فعلى هذه الصفات يعرض الغلط في المعرفة.

 

ومن الأغلاط التي في طريق المعرفة أن الإنسان إذا أبصر شخصاً، وادرك جميع معانيه بالتَّامُّل، غاية إمكانه، في زمان طويل، وتكرر الإدراك، ثم أدرك شخصاً آخر كالأول في تمام معانيه جزم بأنَّه ذلك الأول.

وماذا يمنع أن يكون هذا المُدرك شخصاً آخر، ويباينه في معنى لا يمكن إدراكه البتَّة، او في زمان أطول وبعد تأمل أكثر، ومن أمثلته المرايا المذكورة، في أول المبحث الأول من الفصل)، وقد صح الخبر أن في بلدة الحلة أخَوَيْن يتعسر التمييز بينهما يُدعى أحدهما محمداً والآخر يعقوب. 

ومن الغرائب أن أباهما سلم محمداً في صغره إلى نساج يُعلمه الصنعة فهرب من الحرفة اياماً، والجماعة في طلبه، واتفق أن في هذه الأيام خرج يعقوب وأبوه إلى السوق واشترى يعقوب بحذاء أبيه مَشَّايَة لنفسه فاحتذى بها وتفرقا.

 

فبينما يعقوب يمشي إذ أدركه النساج فظنه محمداً فأخذ يجيبه إلى الدكان يشتمه ويلطمه، وهو يقول: يا أستاذ لست بمحمد أنا يعقوب وهو يكذبه، فإذا بأبيه وافاهما على تلك الحال.

فلما نظر إلى يعقوب وافق النساج وقال: صدقت إنه محمد، اضربه واجعله عبرة للأجراء، فقال يعقوب: يا أبت ألستُ يعقوب وقد اشتريت الساعة المشَّايَة وأشار إلى ما في رجليه، فقال أبوه: صدق والله خَلّه، فليحذر عن الوقوع في هذا الغلط كل الحذر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق