التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

أشياء قد تحدث ( نسبة الفشل ) , لنسامح التصميم تفهم الفشل

2014 لنسامح التصميم

هنري بيتروكسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الهندسة

يجب أن لا نستغرب من حصول الفشل. فبعد كل ما يقال إن هياكل ومكائن ومنظومات العالم الحديث يمكن لها أن تكون معقّدة في تصاميمها وتشغيلها، والذين تصوّروا أو صمّموا أو بنوا وتفاعلوا مع هذه الاشياء المعقدة لا بدّ أن يكونوا معرّضين للخطأ، وفي بعض الأحيان يستخدمون منطقاً خاطئاً، أو يبادلون عن غير قصد أرقاماً في عملية حسابية على سبيل الخطأ، فينتج من ذلك شدّاً إضافياً على ترباس (Bolt) أو إرخاءً لبرغٍ، أو قراءة خاطئة لعداد، أو دفعاً لشيءٍ ما بسرعة بينما من المفروض سحبه. كذلك يمكن أن يحصل الفشل في التركيز أو التوقّع أو الاتصال في اللحظات الحرجة، وفي حالات أخرى، يمكن للحوادث أن تقع لأن الناس توقّفوا عن أن يكونوا صادقين أو أخلاقيين ومهنيين. ومهما كان السبب، فالحوادث تقع ويمكن أن تقود مؤكّداً إلى فشل شيء ما، أو فشل إنسان. وما يجب أن يدهشنا، حقاً، ليس حدوث الأعطال، بل عدم حدوثها، عادة، بنسب أعلى. وعندما يحصل العطل ضمن مسؤوليتنا نميل للدفاع عن أنفسنا ضد الاتهامات، ونحاول وضع اللوم [على الآخرين]، وأخطاؤنا تعزى عادة إلى أشياء قمنا بتصميمها أو تصنيعها أو بيعها أو تشغيلها، وليس للأشخاص الذين صمّموها أو صنعوها أو باعوها أو شغلوها.

العمل التكنولوجي فيه مجازفة دائماً، لكن تكميم [تقييم حسابي] المجازفة هي ظاهرة جديدة في عالم الهندسة والإدارة، ويجب أن تكون جزءاً أساسياً من التصميم أكثر مما عليه الآن. فبرامج المركبات الفضائية تحتاج إلى أعداد كبيرة من المهندسين والإداريين لتحقيق هذه المهمة، ومن المطلوب للأغراض التخطيطية تخمين درجة النجاح. فكل مركبة فضائية تتكوّن من ملايين الأجزاء، وتعكس درجة تعقيد المنظومة الكاملة المتكونة من أجهزة وبرمجيات وعمليات، وفي أوائل الثمانينات قدّر مدراء إدارة الطيران والفضاء الوطنية – ناسا (NASA) أن اعتمادية الرحلات يمكن أن تكون  99.999 %، والتي تمثّل حدوث فشل بمعدل 1 من 100000، وحسب الفيزيائي ريتشارد فينمان (Richard Feynman) – الذي كان عضواً في الهيئة التي قامت بالتحقيق في حادث التشالنجر (Challenger) الذي وقع في كانون الثاني/ يناير 1986 عندما تحطّمت المركبة الفضائية بعد إقلاعها بوقت قصير ما أدّى إلى وفاة الفضائيين السبعة الذين كانوا على ظهر المركبة – كان هذا "يعني أن احتمال وقوع حادث كهذا، هو مرّة واحدة فقط، خلال إطلاق مركبة فضائية كهذه يومياً لمدة 300  سنة"، واستغرب "من سبب الثقة الفائقة للإدارة في المعدات". بينما قدّر مهندسون ذوو دراية أكبر بالمركبة الفضائية وبالآلات عموماً، أن نسبة النجاح لا تتعدّى 99 %، أي فشل واحد في كل 100 عملية إطلاق. كما أن أحد موظّفي السلامة الذين شاهدوا شخصياً عملية الإطلاق خلال مرحلة تطوير محركات صواريخ المركبة الفضائية توقّع نسبة فشل 1 من 25، وقد أثبت حادث تشالنجر أن التخمين لمعدّل الفشل الفعلي نتج منه نسبة نجاح 96% بعد 25 عملية إطلاق بالضبط.

أدّى فشل تشالنجر، كما كان متوقّعاً، إلى إعادة التفكير في تفاصيل تصميم المركبة وعملها، وتمّ القيام بتغييرات من خلال الدروس المستقاة من الحادث، وبعد فترة من الوقت استغرقت 20 شهراً استؤنفت المهمّات وحلّق أسطول المركبات بنجاح لغاية المهمة 113 التي انتهت بتحطم المركبة الفضائية كولومبيا عام 2003 عند عودتها ودخولها الغلاف الجوي، وأثبتت السجلات التاريخية، حينئذٍ أن معدّل النجاح الذي كان 99.11% قبل المركبة كولومبيا قد أصبح 98.23%، وارتفع هذا الرقم إلى 98.48 في أيار/ مايو 2010 عندما عادت المركبة أتلانتاس (Atlantis) من رحلتها الأخيرة المخطط لها، وبقي ضمن برنامج مركبة الفضاء رحلتين مخطط لهما، وباستكمالهما يكون البرنامج قد حقق معدل نجاح  98.51%، وهو معدّل أقل حتى من توقّع مجموعة المهندسين الذي كان 99%، وحسبما جاء في تقرير تحفظ من المجموعة التي راقبت تقدّم السلامة في المركبات بعد حادث كولومبيا أن إدارة ناسا تفتقد "القدرة الضرورية لاحتساب كبر حجم الخطورة، أو صغرها، المرتبطة بقراراتهم بدقة"، ومهما كانت التكنولوجيا فإن أحسن تقديراتنا لنجاحها تتجه إلى التفاؤل أكثر مما ينبغي.

"لقد كنا محظوظين"، هي العبارة التي لخّصت ناسا، بأثر رجعي، تقدير المجازفة بالنسبة لبرنامج المركبة الفضائية والذي نشر بداية 2011. إن احتمال حصول فشل كارثي خلال الإطلاقات التسعة الأولى للمركبات كان في الحقيقة عالياً إلى حدّ 1 في 9، والذي يمثّل نسبة نجاح أقل من 89%. وفي المهمات الست عشرة التي تلت، وتضمنت مهمة تشالنجر في 1986، كان احتمال الفشل 1 في10، وقد تغيّرت النسبة باستمرار خلال البرنامج بسبب التعديلات التي كانت تجري على المنظومة. فعلى سبيل المثال، عندما، قامت وكالة حماية البيئة  (Environmental Protection Agency – EPA) بمنع استخدام الفريون (FREON)، أوقفت ناسا استخدام الغاز لحقن الرغوة العازلة خارج خزّان الوقود، ولم تستطع المادة البديلة للفريون أن تلتصق بالخزّان بنجاح مما تسبّب في حقن كميات أكبر من الرغوة خلال إطلاق المركبة ورحلتها، وقد تسبب ذلك في زيادة احتمال وقوع حادث، كالحادث الذي وقع فعلاً للمركبة كولومبيا، وفي المهمات التسعة التي أعقبت منع الفريون ارتفع احتمال الفشل من 1 في 38 إلى1 في 21  .

بالطبع فإن الهندسة والتكنولوجيا لا يُحكم عليهما من خلال النتيجة النهائية كالألعاب الرياضية. فالإعداد لإطلاق مركبة فضائية وإطلاقها يشتمل على عدد من فرق العمل الذين من المتوقع أن يعملوا بالتناغم، لا بالتنافس، مع بعضهم الآخر. فهدف فرق العمل واحد، وهو إكمال المهمة بنجاح تام، ومن ذلك يتم استخلاص معدل النجاح، والمنافس – إن صح التعبير – لا يكون فريقاً آخر أو مجموعة من الفرق – ولو أن الاتحاد السوفييتي كان المنافس في التسابق إلى القمر – لكن الطبيعة وقوانينها ، والتي كتب عنها الشاعر ألكسندر بوب (Alexander Pope) في القرن الثامن عشر في رثاء إسحق نيوتن:

الطبيعة وقوانينها تسكن مختفية في الظلام

قال الرب، ليكن نيوتن! فكان النور.

مهما كان التعظيم، فنيوتن أدرك أنه جزء من فريق، مكوّن، ربما، من بعض المعاصرين، والأهم، من زملاء سابقين في الفكر والروح تفكّروا في نفس أسرار الكون، كما حاله، وكما كتب نيوتن في رسالة إلى عالِم معاصر له، روبرت هوك (Robert Hooke): "إن رأيت أبعد، فبسبب الوقوف على أكتاف عمالقة"، وجميعنا نقف على أكتاف عمالقة سبقونا في بحثنا لما يمكن أن يتحقّق ما بعد الأفق، وفي الهندسة، فالكأس المقدّسة هو التصميم الأمثل، شيء ما يعمل دائماً كما مقصود له بالضبط، ولا يحتاج إلى أي تحسين، وبالطبع لو استطعنا الوصول لذلك، فالتصميم الأمثل لا يمكن أن يفشل.

بالنسبة لنيوتن فكل شيء قد يكون خفيف الوزن [ضوءاً] ولكنه ثقيل أيضاً. فصراع مركبة الفضاء ضد الجاذبية واضح في الثواني البطيئة الأولى المؤلمة للإقلاع في كل عملية إطلاق من كايب كانافرال (Cape Canaveral)، وبالطبع، فبعد التغلّب عليها تصبح الجاذبية حليفاً لتحافظ على المركبة في مدار منخفض حتى لو أرادت أن تنطلق تتبع سرعتها على خط المماس. عندما بزغ عصر الفضاء في النصف الثاني من القرن العشرين، كان يعتقد أن القوانين الفيزيائية الضرورية لتصميم وإطلاق المركبات الفضائية إلى درجة ما مكتملة الوضوح تقريباً، ولولا ذلك لكانت الرحلات البشرية في مدار الأرض وما بعدها أكثر خطورة، إن لم تكن مجرّد أحلام وهمية. فالبراعة أن تستغل القوانين بشكل مناسب. فمعرفة قوانين الطبيعة غير كافٍ لوحده لتكوين فريق للتسابق ضدّها. إن تصميم مركبة فضائية يحتاج عبقرية هندسية ليس فقط لتجعلها تقلع بنجاح، بل لجعلها تدور حول الأرض، ثم تعود لتدخل الغلاف الجوي، وتهبط على الأرض بأمانٍ أيضاً. يحتاج النجاح إلى تكامل كميات كبيرة من المعرفة المتخصّصة والإنجاز، لفرق من مهندسين يعملون في التفاصيل الدقيقة للصواريخ والاحتراق والهياكل وديناميكية الهواء والسلامة والنقل الحراري والسيطرة الحاسوبية ومجموعة كبيرة أخرى من التخصصات، وعلى كل فرد من أفراد كل فريق أن يساهم في الجهد الكلي، وأن يكون هناك قبولاً للأخذ والعطاء بين أعضاء الفريق للتأكد من عدم وجود أي تناقض بين هدف واحد [جزئي] وآخر.

من المتوقّع أن يكون عمل كل مهندس في أي مشروع، كبير أو صغير، متجانساً وشفافاً ليستطيع مهندس آخر تدقيقه – من خلال متابعة افتراضاته ومنطقه وحساباته – لتفادي الأغلاط غير المقصودة المحتملة. فهذه هي خلاصة لعبة الفريق، التي هي الأخذ والعطاء في المفاهيم والحسابات بين مهندسين يعملون معاً على مشروع لإنجاحه، وبطبيعة الحال، تحدث أحياناً هفوات في المنطق، وقد تقترف أخطاء، أو قد لا تكتشف أخطاء، ينتج بسببها تصميم معيب قد يقود، أو قد لا يقود، إلى فشل مباشر. فعلى سبيل المثال، إذا كان المشروع لبناية فإن التصميم الضعيف لعارضة أو عمود قد يظهر عند البناء. فقد يتقوّس بشكل ظاهري ويبدو غير مقبول لمهندس الموقع ونظرته الخبيرة، والتي قد تتطلّب من المصمم الرجوع إلى لوحة الرسم ليتدارك الخطأ. للأسف، لا يمكن تدارك جميع الأخطاء في مرحلة التصميم المكتبي أو عند موقع البناء، والأخطاء التي لا تكتشف في مرحلة التصميم في المكتب أو في الموقع قد تقود في الحقيقة إلى حالات من الفشل.

تعتبر طوابق مواقف السيارات هياكل مألوفة قد تفشل هنا وهناك، وتُعزى حالات كهذه إلى حالات غير اعتيادية في التصميم أو البناء، وحالات الانهيار قد لا تحدث لو كانت الهياكل والأمور المحيطة بها مستنسخة من حالات سابقة ناجحة اختُبرت عبر زمن طويل، ولكن استنساخ نجاح مكرّر ليس ضماناً ضد حالات فشل مستقبلية، والواقع أن النجاح المديد، سواء في برنامج مركبة فضائية أو في تصميم وإنشاء مواقف للسيارات، قد يقود إلى التهاون أو التغيير، وكلتا الحالتين قد تقودان إلى فشل، وكما عبّر عنها أحد المهندسين: "كل نجاح يزرع بذوراً للفشل، والنجاح يصيبك بالثقة الزائدة". وعندما نكون واثقين أكثر مما يجب، متهاونين ومقتنعين أننا قمنا بكل شيء بشكل صحيح لأننا لم نواجه بعد فشلاً، قد نميل لأن نكون غافلين ومهملين، ونبدأ بالمجازفة والاعتماد على الحظ، كما حصل في اطلاق المركبات الفضائية التي كان فيها حلقات – أو (O-rings) مستهلكة. أو عندما نحقّق سلسلة من مشاريع ناجحة لبناء مواقف سيارات، فنبدأ بالتفكير في جعل هذه المشاريع أكثر تنافسية من خلال تصميم عارضات أخفّ مما يجب أو إحداث طريقة تكنولوجية في البناء [ قد] تبدو أكثر كفاءة. فأخطاء الهياكل إن كانت مخفية عن النظر، تظهر للعيان بوضوح عند الانهيار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق