العلوم الإنسانية والإجتماعية

أسباب الحاجة إلى محو الأمية العلمية

1998 تقرير1996 عن العلم في العالم

KFAS

محو الأمية العلمية العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

ثمة حاجة عالمية إلى محو الأمية العلمية. وسأعمل على تعزيز هذا الادعاء ببراهين تنطلق من وجود حاجتين متزايدتي الإلحاح تجابهان الدول في عصرنا هذا؛ أولاهما الحاجة إلى قوة عاملة مدربة تقنيًا، والأخرى وجوب قيام المواطنين بكافة فئاتهم بتقييم وعود حكوماتهم وإنجازاتها، والادعاءات التي يسوقها المعلنون من مروّجي السلع الاستهلاكية.

لقد كتب حديثاً (بِل كلينتون)، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية: "إن التقانة، وهي محرك التنمية الاقتصادية، توجِد فرصًا للعمل وتنشئ صناعات جديدة وترتقي بمستوانا المعيشي.

وإن العلم هو وقود لمحرك التقانة" ولا يتسع المقام هنا لمناقشة صحة ذلك، وبالتحديد فيما يتعلق بالتسلسل التالي للعوامل السببية السالفة الذكر: علم -> تقانة -> نمو اقتصادي؛ إلا أنني مع ذلك، سأشير -تأييدًا لهذه السببية- إلى وجود تلازم وثيق بين حجم ما تستثمره أي دولة في البحث والتطوير ضمن إطار العلم والتقانة (وهو ما يقاس عادة بالنسبة المستثمَرة في البحث والتطوير من الناتج المحلي الإجمالي)، وبين مستوى المعيشة وغيرها من الوسائل المتبعة في الدولة لقياس الرفاهية الاقتصادية.

وما أود إقامته من حجة هنا، هو أن القطاع الإنتاجي لاقتصاد أية دولة صناعية يتطلب قوة عاملة تمتلك ألفباء المعرفة العلمية، ومن ثم فإن الرفاهية الاقتصادية لأي دولة تعتمد على ارتفاع مستويات الألفبائية العلمية والتقانية فيها.

وإذا كانت الفتوحات العلمية والهندسية تشكل أساس الإنتاجية الصناعية، فإن التطور الصناعي والاقتصادي هما نتاج مباشر لتطويع الأفكار العلمية، مثل استنباط مواد وسيرورات تصنيعية مستجدة، والارتقاء بالإنتاجية وأداء العاملين، وضبط نوعية المنتجات، واجتذاب المستهلك والتسويق.

 

إلا أنه من المؤكد أيضًا أن التنمية الاقتصادية تعتمد على العلماء والمهندسين كمكتشفين ومخترعين، وعلى من يقومون بتطوير ما يكون قد تم ابتكاره. غير أن التطبيق الناجح لهذه الابتكارات يعتمد على وجود كوادر من العاملين المتعلمين ذوي المهارة في تشغيل الآلات والحواسيب ومراكز التحكم ومعالجة المعلومات الكمية والمواد.

وثمة حاجة في الصناعة الحديثة إلى عمال قادرين على استيعاب تعليمات معقدة من الناحية التقانية لتشغيل المعدات والقيام بالاتصال والتعاون فيما بينهم، وذلك لإنجاز مهام هي أبعد ما تكون عن التكرار. كما أن هذه الحاجة تمتد –حالها في ذلك حال الفوائد التي تجني من محو الأمية العلمية– لما بعد القطاع الصناعي إلى غيره من قطاعات النشاط الاقتصادي مثل الزراعة.

وتعزي الزيادة الكبيرة في الإنتاجية الزراعية في بلدان مثل الولايات المتحدة الأمريكية خلال العقود القليلة الماضية، إلى استحداث وتطبيق ممارسات زراعية عصرية، واستخدام ميكنة كفؤة تحتاج إلى مشغّلين حاذقين.

وألفباء المعرفة العلمية ضرورية أيضًا لخوض معترك الحياة السياسية والعامة للدولة بشكل واعٍ. وثمة نسبة كبيرة ومتزايدة من القرارات على أعلى المستويات الحكومية، والتي يتطلب اتخاذها الإلمام بمعلومات تخض قضايا تقانية وعلمية، مثال ذلك: هل سيجري تطوير شبكة من الطرق العامة، وأين سيكون ذلك، وكيف؟ كيف يمكن حسم المفاضلة بين إنشاء محطات لتوليد الطاقة تعمل بالوقود وأخرى بالطاقة المائية، وأخرى نووية؟

 

كيف يمكن حماية وتحسين مصادر المياه ونوعية الهواء؟ واستكشاف الموارد المعدنية والبحرية، وحماية الأحراج والسواحل والأنهار واستخدامها تجارياً؟. وهذه بعض من قرارات سياسية عديدة، لا يمكن اتخاذها بحصافة إلا بناء على معرفة علمية وتقانية.

ويحتاج صانعو القرارات إلى مستشاري سياسات مؤهلين علمياً وتقانياً من أجل موافاة المسؤولين الحكوميين بالرأي السديد حول مثل هذه القضايا.

غير أنه يتعين أيضًا على صانعي القرار أنفسهم أن يكونوا ممتلكين لألفباء المعرفة العلمية وذلك من أجل تفسير وتقييم مشورة الخبراء واستخدامها بشكل مناسب في اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسات وتنفيذها من خلال السيرورة السياسية.

فالمشرِّعون والمسؤولون الحكوميون المنتخبون بطريقة ديموقراطية هم ممثلو الشعب، ويتعين عليهم تحمل المسؤولية، بدلاً من تفويض أمرها إلى الخبراء بكل بساطة.

ويمكن تمثيل مشاركة الكيان السياسي للأمة في سيرورة اتخاذ القرار القائم على العلم والتقانة، في صورة هرم (الشكل 1) يوجد في قمته المسؤولون الحكوميون (من السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية) المكلفون باتخاذ وتنفيذ القرارات السياسية، يليهم مباشرة مستشارو السياسات، والتقاني للقضايا المطروحة وعواقبها على الاقتصاد والصحة العامة.

أما في المستوى الثالث فنجد العلميين والمهندسين والتقنيين الذين يجسّدون الخبرة التقانية للكيان السياسي للأمة، وهم الذين يقومون ببدء تشغيل آلة الصناعة والتقانة بابتكارهم اختراعات جديدة وتطويرهم تقانات مستجدة وارتقائهم بالعمليات التصنيعية، وما شابه ذلك.

 

وفي قاعدة الهرم، توجد القوة العاملة، وهي الأغلبية العظمى من المنخرطين في القطاع الإنتاجي للاقتصاد.

ويتحتم على هؤلاء أن يكونوا ممتلكين لألفباء المعرفة العلمية، وذلك –كما ذكرنا سابقًا– من أجل الوفاء بحاجات الصناعة والتجارة في عصرنا هذا. ومن منظور الممارسة السياسية ومزاولة الحريات والصلاحيات الديموقراطية، تتجلى ضرورة إدراج الجمهور بكل فئاته ضمن القاعدة العريضة للهرم العلمي.

إذ إن المواطنين كافة يشاركون –أو يتعين عليهم المشاركة– في انتخاب المسؤولين الحكوميين، وهم عادة يختارون استناداً إلى أدائهم أو من منطلق الوعود المنضوبة تحت برنامجهم السياسي. وللعلم والتقانة مردودات تجارية واستراتيجية وديموقراطية وأخرى متعلقة بالصحة العامة.

وهي ليست مردودات هامشية التأثير إذ يمتد أثرها لينفذ إلى لب ما أسلفناه من مقومات أساسية للسيرورة السياسية.

وتتطلب الديموقراطية القائمة على المشاركة أن يكون الناخبون –أي الجمهور بفئاته كافة- ممتلكين لألفباء المعرفة العلمية بالقدر الذي يجعل تأييدهم أو عدم تأييدهم لمقترحات المسؤولين وقراراتهم، وموافقتهم أو عدم موافقتهم على انتخاب هؤلاء المسؤولين قائمة على إدراك مناسب لما تنطوي عليه هذه الاقتراحات من نتائج.

ولا يمكن قيام ديموقراطية مبنية على المشاركة إذا كان فهم المقومات الفنية للقرارات السياسية المنطوية على نواتج اقتصادية هامة والمؤثرة في الرفاهية الحالية والمستقبلية للأمة، مقصورًا على نسبة ضئيلة من الشعب.

 

ويمكن للمواطنين، بل يجب عليهم، متابعة الحجج والحجج المضادة التي يسوقها خبراء لهم وجهات نظر متعارضة. فالجمهور الذي يفتقر تمامًا إلى المعرفة بالقضايا الفنية المطروحة للبحث، إنما يعرِّض السيرورة الديمقراطية إلى الاستغلال من قبل أرباب المصالح الخاصة والديماغوجيين، أو حتى من قبل المحتالين (أمثال من يمارسون علوماً زائفة، كالتنجيم وعلم النفس الروحاني، تحت ستار العلم).

ولا يحتاج الأمر إلى تزويد الجمهور بالنوعية نفسها من المعرفة العلمية المتوافرة في فصول تدريس العلوم والكتب المدرسية. إلا أن الجمهور يجب أن يكون قادراً، بحد أدني، على تقييم سلامة الحجج التي يسوقها الخبراء وإدراك ما قد تنطوي عليه من تبعات اقتصادية أو بيئية أو صحية.

 

إن رسم السياسات يبدأ انطلاقًا من تكهنات مطَّلعة حول ما يمكن أن يأتي به المستقبل إلى الكيان السياسي للأمة نتيجة لتدخلات الحكومة. فالجمهور الذي يمتلك المعرفة العلمية يكون معداً لتقييم الخطط والوعود أو البرامج السياسية الجارية قياسًا على اتجاهاتها ونتائجها السابقة.

وغالبًا ما تكون ألفباء المعرفة العلمية كفيلة بتبصير المرء بحقيقة الوعود الجوفاء ببرامج مجانية التكلفة تخص الخدمة الاجتماعية، والقرارات غير المسؤولة التي تنال في الواقع من سلامة البيئة، أو الإعلانات المضللة عن سلع استهلاكية.

وبالنسبة إلى القضايا المعقدة، يجب أن يكون الجمهور قادراً، كحد أدنى، على تقييم سلامة الحجج التي تقوم عليها تحاليل المعقبين السياسيين والنقاد الاجتماعيين ووسائل الإعلام المسؤولة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق