التاريخ

أبرز ما جاء في مؤتمر “كارلسر”

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الأول

صبري الدمرداش

KFAS

مؤتمر كارلسر التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

تحديد المصطلحات

في سبتمبر عام 1860 عقد مؤتمرٌ في مدينة كارلسر بألمانيا، حضره أعظم الكيميائيين في ذلك العهد من كلٍ من إنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا بغية الخروج من هذا الاضطراب في علم الكيمياء. وكان من بين هؤلاء العلماء كيميائي إيطالي نابه يدعى كانيزارو.

وكان في مقدمة القضايا المطروحة على مائدة البحث في المؤتمر القضية التالية: هل يصح أن نفرق بين الذرة Atom  والجزيء Molecule؟ هل تختلف الذرات كلية عن الجزيئات؟ وماذا عن ذرة دالتون المركبة Compound Atom؟ أنقبلها أم نلغيها؟

وهنا نهض العالم الفرنسي كيكوله (شكل رقم 55) قائلاً: أقبل التفريق بين الذرة والجزيء ولكن يتحفظ. واشترك في المناقشة علماء آخرون، فزاد البحث إشكالا وإبهاماً بدلاً من أن يُفضي النقاش إلى جلاءٍ ووضوح.

وهنا نهض إيطالي ملتحٍ ليشارك في الجدل. فكنت ترى في عيني كانيزارو ألَقَةَ الجندي الباسل وهو يستقبل الميدان. ولما جاء دوره، ألقى خطبة ضافية نقض فيها رأي كيكوله وغيره من العلماء مبيِّناً لهم قيمة (النظرية الجزيئية) التي قال بها أفوجادرو.

كانت كلمة جزيء قد استُعلمت في القرن السابع عشر مرادفةً لكلمة ذرة كما استعملها الأقدمون. فكان العلماء يقولون ذرة هيدروجين (وهو عنصر) وذرة ماء (وهو مركب) من غير تفريق بينهما بل ومن غير فهم للفرق بينهما. ثم تقدَّموا خطوة ففرَّقوا بين ذرة بسيطة من الأكسجين وذرة مركبة من الماء، حتى أن دالتون نفسه استعمل (الذرة) و (الجزيء) باعتبارهما مترادفين لشيءٍ واحد!.

ولكن أفوجادرو كان من العلماء أصحاب البصيرة النافذة حيث رأى أن الجزيء ما هو بذرة واحدة بل ذرتان-أو أكثر من ذرتين- اتحدتا معاً كيميائياً.

لذا فالجزيء من عنصر غازي أكبر من ذرة من العنصر نفسه. وكان كانيزارو قد توفر على مباحث مواطنه واقتنع بصحة نظريته، فلما أُتيحت له الفرصة، طلع على مؤتمر الكيميائيين ببيانٍ وافٍ جلَّ فيه نظرية الجزيئات وجلَّاها.

 

…ولا بد للحق أن ينتصر

كان كانيزارو يعلم أنه لا بد من الكفاح لتشق جزيئات أفوجادرو طريقها إلى المقام العالي قرب ذرات دالتون.

فدوَّى صوته في ردهة المؤتمر قوياً صافياً وكأنه استمد تأثيره من اقتناعه بصحة النظرية التي آمن بها من ناحية ومن جزعه لإهمالها وإعراض العلماء عنها من ناحيةٍ أخرى.

بل كأنه تذكر أن الرجل وقد طواه الثرى لا لسان له إلا لسان ذلك الثائر، فختم بيانه عن جزيئات أفوجادرو بقوله: إن صاحب نظرية الجزيئات جدير بأن يكون خلفاً لأساطين العلم الذين أنجبتهم إيطاليا- جاليليو وتوريشلِّي وفولتا وسبلانزاني.

ولكن المؤتمر لم يأخذ بأقواله، وتلا ذلك يومٌ آخر من النقاش تضاربت فيه الآراء وتناقضت الرؤى. وانفض المؤتمر من غير قرارٍ اتخذ، وعاد الكيميائيون من حيث أتوا.

بيد أن المؤتمر لم يمُنَ بالإخفاق الكلي. ذلك أن كانيزارو كان قد أعد رسالة عنوانها (ملخص برنامج في فلسفة الكيمياء). وكان الملخص مبنياً على نظرية أفوجادرو. فلما أذن المؤتمر بالانقضاض وزَّع كانيزارو نسخاً من هذه الرسالة على أعضائه. فلم يُعرها أحد التفاتاً، ولكن صاحبها كان على يقينٍ من أن بعض المؤتمرين سيرى الحقيقة يوماً على ضوئها. وقد كان.

فكان أحد الكيميائيين، وهو لوثار ماير، شريك مندلييف في ابتداع الجدول الدوري، قد وضع نسخته في جيبه. فلما قفل عائداً إلى منزله وقرأها بعناية قال : (وكأن غشاوةً بعد قراءتها قد سقطت عن عيني، فزال الريب وحل محله الشعور بالسلام الناشئ عن الفهم والوضوح).

وبعد سنواتٍ أربع أدمج ماير نظرية أفوجادرو في كتابه (النظريات الحديثة في الكيمياء). وفي عام 1891 منحت الجمعية الملكية بلندن مدلاة كوبلي لكانيزارو على تلك الرسالة التي هي بمثابة الانتصار للحق، لنظرية أفوجادرو.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق