الفيزياء

أبحاث العالم “لودج” المتعددة حول الموجات اللاسلكية والأثير

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الثاني

صبري الدمرداش

KFAS

الموجات اللاسلكية والأثير ابحاث العالم لودج الفيزياء

البحث في الموجات اللاسلكية

كانت مباحث لودج في البرق والصواعق هي المدخل لبحثه في الموجات اللاسلكية. ولودج هو الذي اكتشف استعمال " الرابط " Coherer وهو جزء كان لا بد منه في آلة تلتقط الموجات اللاسلكية.

فقد لاحظ في عام 1889 التصاق الدقائق أو تجمعها بفعل الكهرباء. وإنه إذا انقطع التيار تفرّقت الدقائق.

وكان برانلي الفرنسي قد لاحظ هذه الظاهرة وصنع آلة دعيت "رابطاً " أو "مجمِّعاً" ، ولكنه لم يفطن إلى فائدتها ، فاستعملها لودج عام 1894 في تبين الموجات اللاسلكية المنطلقة في الفضاء من أثرها في برادة الرابط بعد ما حسَّنه حتى صار أكثر دقة وأكثر حساسية.

وبعد ذلك بعام نجح ماركوني في تجاربه اللاسلكية الأولى . وتعاون بعدها مع لودج في تحسين بعض الأجهزة اللاسلكية .

 

ولما خطب لودج مبيِّناً طرفاً من نصيبه في المباحث اللاسلكة الأولى قال: "… ودفعاً لأية مظنَّة أصرِّح أنه لولا همة السنيور ماركوني ما صار التلغراف اللاسلكي وسيلة تجارية ولا كانت محطاته قد انتشرت في كل مكان من الكرة الأرضية، ولا كان له الشأن الذي له الآن … ولما تمكن السنيور ماركوني في بعض تجاربه من نقل حرف S بتلغراف مورس من إيرلندا إلى أميركا نُصِّب عَلَماً في تاريخ البشر."

حقاً إن لودج ليعتبر أحد العلماء الذين قامت على مباحثهم المستنبطات اللاسلكية الحديثة. وإنه ندُ هرتز وممهِّد السبيل لماركوني.

 

كُنه الأثير

ماذا يملأ الفضاء؟ وماذا يربط بين الشموس في رحاب الكون؟ وبين الذرات وأجزاء الذرات؟ إن كل شيء مؤلَّف من أجزاء منفصلٌ بعضها عن بعض .

أنظر إلى القبة السماوية في ليلة صافية الأديم ترى النجوم وقد انتثرت في كل نواحيها فاصلةً بينها رحابٌ شاسعة. فإذا أطلقت صاروخاً في الفضاء كان احتمال إصابتك أحد الكواكب به جد عسير ، يكاد ليشبه احتمال إصابتك طائراً إذا أطلقت بندقيتك عفواً في الهواء ! فالرحاب الفاصلة بين الكواكب والنجوم والمجموعات الشمسية والمجرات جد عظيمة .

ولكن ما قولك في ورق هذا المؤلِّف؟ وزجاج ذلك المصباح ؟ وخشب تلك المسطرة ؟ أليس الورق والزجاج والخشب مواد متَّصلة الأجزاء؟ كلا.

فهي في تركيبها الأساسي مؤلَّفة من ذرات عناصر، والذرات مركَّبة من إلكترونات وبروتونات. والإلكترونات والبروتونات شحنات كهربائية غاية في الدقة، ونسبة بعد الإلكترون عن نواته لتكاد تشبه نسبة بعد أحد الكواكب عن الشمس . فالذرَّة في معظمها فراغ. وفي فسحة هذا الفراغ نثرةٌ من الكهرباء هنا ونثرةٌ هناك.

 

فالإنفصال آية الطبيعة في المواد، كل المواد ، كبيرها وصغيرها على السواء. ولو لم يكن في الكون إلاّ المادة ، لكان الكون في أغلبه خُواء .

ولكننا نعلم أن النجوم ليست بمعزل عن بعضها البعض، فهي تنتظم في مجموعات شمسيةٍ هنا ومجموعات ثنائية هناك وعناقيد نجمية هنالك . فثمة رابط بينها ندعوه الجاذبية، نؤمن به ولا نعلم حقيقته . إذن فالفضاء بينها يستحيل أن يكون فراغاً.

وما يصح على النجوم يصح على ما سواها من مواد. فالجزيئات والذرات والألكترونات والبروتونات تتجمَّع وتتلاصق . ومهما تبلغ الفُسحات بينها فيُعقل أن تكون مملوءة بشيء يربط بينها .

ويجب أن يكون هذا الشيء متصلاً . قد نختلف في تسميته : ندعوه آناً بالأثير ، وحيناً الفضاء المطلق، وتارةً المتصل الزمكاني Space-time Continuum. ولكننا لا ريب محتاجون إلى "شيء" يتسم بتلك الصفة الأساسية، صفة الاتصال، والتي لا نعرف بغيرها سبيلاً إلى فهم الكون فهما متسقاً .

 

… هكذا يفكر لودج. وللأثير – كما يستطرد عالمنا – صفاتٌ أخر : فهو لا يُرى ولا يُشم ولا يُسمع ولا يُلمس وإن كان بالإمكان تمويجه.

فالإنسان يستطيع أن يحس ببعض تموجاته . إذ هو ينقل الضوء ولا يعيقه عن المرور كما تعيقه المادة. فله إذن وظيفتان : الأولى أن يكون رابطاً بين دقائق المادة، والثانية أن يكون وسطاً لنقل موجات الطاقة.

ثم أن الأثير لا يتحوَّل ولا ينحل، شديد الصلابة ، شديد المرونة، إذ المادة تتحرّك فيه ولا تعاني أدنى معارضة أو مقاومة من احتكاكٍ أو لزوجة! . فالأثير ليس مادة بالذات ، ومع ذلك فهو مادي ! .

 

وهو أداة الاتصال الكبرى ، وقد يكون أكثر من ذلك، لأن من دونه لا يكون للعالم المادي وجود. وإذا كان في الإمكان وجود المادة من دونه فهي أشلاء.

إنه الصلة بين كل ما هو مادي ، ومع ذلك قد يُنكر الناس وجوده، لأنهم لا يشعرون به بحواسهم إلا حين يتموَّج فيبصرونه. فلسفةٌ في فلسفة، وعبورٌ – على جسر الأثير – من العلم إلى الفلسفة .

وبعدما عبر لودج بالأثير من العلم إلى الفلسفة، حلَّق به في عالم الأرواح، إذ كان يؤمن ببقاء الشخصية وإمكانية مخاطبة الأرواح ! إذ الشخصية، عنده، تبقى بعد إنحلال الجسم المادي ويدوم تأثيرها في الأثير الذي يملأ رحاب الكون! .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق