
د. عبدالحميد عبدال مبتكر إلكترونيات تمتاز بالقدرة على الانحناء والتمدد والتكيف مع الجسم كأنها «جلدٌ ثانٍ»
بروفايل د. عبدالحميد عبدال
الانتساب المهني:
– قسم الهندسة الميكانيكية وهندسة الطيران والفضاء، جامعة كاليفورنيا في سان دييغو University of California San Diego (اختصارًا: الجامعة UCSD).
– قسم الهندسة الطبية الحيوية والآلات الدقيقة، جامعة عبدالله السالم Abdullah Al Salem University.
البرنامج/ الجائزة:
منحة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي (المؤسسة KFAS) الدراسية/ البرنامج الانتقالي (دكتوراه)، مُنحت في العام 2021؛ تمديد برنامج الدكتوراه حتى ربيع 2023
منح النشر:
العديد من المنشورات المعتمدة من دوريات الربع الأول Q1 بموجب «جائزة النشر العلمي» Scholarly Publication Award من المؤسسة KFAS (على سبيل المثال دورية سيل ريبورتس فيزيكال ساسينس Cell Reports Physical Science، وإيه سي إس ماتيريالز ليتيرز ACS Materials Letters، وأدفانسد هيلثكاير ماتيريالز Advanced Healthcare Materials).
أبرز محطات الباحث
يركز عمل د. عبدالحميد عبدال على التقاطع بين علوم المواد والإلكترونيات والتصميم الطبي الحيوي الذي يركز على الإنسان.
يستقصي بحثه كيفية تحويل البوليمرات الموصلة المتقدمة، والركائز Substrate المرنة، والبنى الإلكترونية القابلة للتمدد إلى أدوات من الجيل التالي لمراقبة الصحة والاكتشاف العلمي.
ساعد بفضل إسهاماته، في كلٍّ من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو وجامعة عبدالله السالم، على تطوير أجهزة وأنظمة استشعارٍ فائقة الرقة وملائمةٍ للجلد، مُصمَّمةٍ لتتكامل بسلاسةٍ مع جسم الإنسان.
وتُبرز منشوراته في دوريات الربع الأول دوره في توسيع آفاق المواد الوظيفية والتقنيات القابلة للارتداء نحو تطبيقاتٍ طبيةٍ حيويةٍ أكثر دقةً وراحةً، وأعلى كفاءةً.
له سجلٌ حافلٌ في النشر العلمي في دوريات الربعين الأول والثاني في مجالات المواد المتقدمة، والواجهات العصبية Neural interface، والهندسة الطبية الحيوية. (مثل إن بي جي فليكسابل إلكترونيكس npj Flexible Electronics، وسيل ريبورتس فيزيكال ساينس، وإيه سي إس ماتيريالز ليتيرز، وأدفانس هيلثكاير ماتيريالز).
له مساهماتٌ بحثيةٌ في الإلكترونيات القابلة للارتداء، والواجهات العصبية القابلة للزرع، وأنظمة البوليمرات الموصلة. كما أن له تعاونًا بحثيًّا مع مؤسسات مرموقة (جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، وجامعة كارنيغي ميلون CMU، وجامعة تكساس في أوستن UT Austin، وجامعة يونيفيرسيتي كوليدج لندن UCL).
المقدمة
سيُصَاب شخصٌ تقريبًا من كل 26 بالصرع Epilepsy خلال حياتهم. ومع ذلك، لن يتمكن كثيرون منهم من الحصول على العلاج المناسب لسببٍ أساسي صادم، وهو أن التشخيص يتطلب مراقبةً مكلفةً للدماغ، ومرهقةً تُبقي المرضى موصولين بأجهزةٍ في
المستشفى لأيامٍ.
في بلدٍ عالي التطور، مثل الولايات المتحدة، تتراوح تكلفة دراسةٍ لمدة أربعة أو خمسة أيام في وحدة مراقبةٍ في المستشفى بين 40 و50 ألف دولار أمريكي. ويضطر المرضى إلى وضع أقطابٍ كهربائيةٍ تُلصَق بفروات رؤوسهم؛ مما يحدّ من حركتهم. في حين يتفحص الممرضون الوصلات بصورةٍ مستمرةٍ للتأكد من ثباتها.
أما في البلدان الأقل نموًّا، فغالبًا ما تفتقر البنية التحتية إلى هذه المراقبة افتقارًا تامًّا؛ مما يترك المرضى من دون تشخيصٍ أو علاجٍ مناسبَين.
الآن، قد يكون هناك حلٌّ في الأفق؛ إذ طوَّر د.عبدالحميد عبدال الذي انضم أخيرًا إلى جامعة عبدالله السالم Abdullah Al Salem University، كونه أستاذًا مساعدًا، جهازًا قد يحدث ثورةً في كيفية رصد الأطباء نشاطَ الدماغ لدى مرضى الصرع. أُطلِق على هذا الاختراع اسم «نيورو ويفز» NeuroWeaves، وهو أحد ابتكارَين حققهما عبدال خلال بحثه للدكتوراه في الهندسة الميكانيكية بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو University of California, San Diego؛ ويهدف كلاهما إلى جعل الإلكترونيات أبعد عن الآلات، وأشبه بجزءٍ من الجسم نفسه.
وبدعمٍ وتمويلٍ من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي Kuwait Foundation for the Advancement of Sciences (اختصارًا: المؤسسة KFAS)، تمكن عبدال من ابتكار إلكترونيات تمتاز بالقدرة على الانحناء والتمدد والتكيف مع الجسم كأنها «جلدٌ ثانٍ»، ويمكنها قراءة الإشارات الكهربائية من الدماغ، أو نقل أحاسيس لمسٍ واقعية. يمكن لهذه الابتكارات مجتمعةً أن تحدث تحولًا في مجالاتٍ عدةٍ، بدءًا من تشخيص الصرع، ووصولًا إلى الجراحة الروبوتية والأطراف الاصطناعية.
يقول د. عبدال أن «الأمر لا يستغرق سوى دقائق»، مشيرًا إلى أن أي طبيبٍ، في أي مكانٍ، يمكنه إجراء هذه العملية بتخديرٍ موضعي، ومن دون الحاجة إلى تدريب خاص. بعد ذلك، يعود المريض إلى منزله واضعًا وحــدةً لاسلكيةً صغيرةً خلف الأذن. يبث السلك نشاط الدماغ باستمرار، وتسجل الوحدة من بُعد لمدة ثماني ساعات تقريبًا لكل عملية شحنٍ للبطارية.
طريقٌ أسهل للتشخيص
و
فقًا لمنظمة الصحة العالمية World Health Organization، يمكن لما يصل إلى %70 من الأشخاص المصابين بالصرع العيش من دون نوباتٍ إن شُخِّصوا وعُولجوا بالصورة الصحيحة. وسعيًا إلى تحرير المرضى من جهاز تخطيط كهربية الدماغ Electroencephalogram (اختصارًا التخطيط EEG) الذي لا يُمكن إجراؤه إلا في المستشفى، اختبر الأطباء أخيرًا زرع أقطابٍ كهربائيةٍ مباشرةً تحت فروة الرأس؛ لكن لهذه الأجهزة ما يعيبها؛ إذ على الأطباء إجراء شقٍّ في فروة الرأس، ونفقٍ تحتها بعنايةٍ، لدفع المستشعر إلى مكانه.
وذكر عبدال أن المرضى يخضعون للتخدير العام لإجراء هذه العملية، وقد يعانون بعدها صداعًا ونزفًا. إضافةً إلى ذلك، لا يمكن لكل جهاز أن يرصد إلا جزءًا صغيرًا من الدماغ.
يعتمد حل عبدال على شيءٍ مألوفٍ بصورةٍ أكبر: الخياطة الجراحية البسيطة؛ إذ طوّر أسلاكًا ذهبيةً رفيعةً جدًّا (لا يتعدى قطرها 45 مايكرومتر)؛ أي ما يعادل تقريبًا قطر شعرة الإنسان، مغلفةً ببوليمرٍ موصلٍ، وهو مادةٌ تشبه البلاستيك، لكنها تتمتع بخصائص المعدن الكهربائية ذاتها؛ مما يمكّنها من التقاط إشارات الدماغ الضعيفة.
يشبه هذا الخيط سلكًا قابلًا للانحناء، وتمكن خياطته جراحيًّا مباشرةً في فروة الرأس. وقال عبدال: «الأمر لا يستغرق سوى دقائق»، مشيرًا إلى أن أي طبيبٍ، في أي مكانٍ، يمكنه إجراء هذه العملية بتخديرٍ موضعي، ومن دون الحاجة إلى تدريبٍ خاصٍ. بعد ذلك، يعود المريض إلى منزله واضعًا وحدةً لاسلكيةً صغيرةً خلف الأذن، تشبه قوقعة الأذن الاصطناعية التي يستخدمها بعض الصم. يبث السلك نشاط الدماغ باستمرارٍ، وتسجل الوحدة لمدة ثماني ساعات تقريبًا لكل عملية شحنٍ للبطارية. كما يمكن للأطباء وضع خيوطٍ متعددةٍ في فروة الرأس، لتحديد موقع منشأ النوبات بدقة.
لن يقتصر تأثير «نيورو ويفز» على تحسين تشخيص 50 مليون شخص في جميع أنحاء العالم يعانون الصرع؛ إذ يرى عبدال أنه قد يساعد الأطباء أيضًا على دراسة حالاتٍ صحيةٍ أخرى، مثل اضطرابات النوم، والاكتئاب Depression، وداء باركنسون Parkinson’s disease، وإصابات الدماغ الرضية Traumatic brain injury. باختصار: يمكن استخدامه في أي حالةٍ يحتاج فيها الأطباء إلى نافذةٍ مستدامةٍ وغير بارزة لرصد الدماغ.
إلكترونيات مُجهَّزَة للمس
يقيس ابتكار «عبدال نيورو ويفز» الإشارات الصادرة عن الجسم، فضلًا على أن بحثه للدكتوراه يعالج المشكلة المقابلة، وهي كيفية إرسال أحاسيس اللمس مرة أخرى إلى الجلد.
تعتمد معظم الأجهزة التي تحاول إعادة خلق إحساس اللمس على محركاتٍ ميكانيكيةٍ؛ مثل اهتزاز الهاتف، أو ارتجاج أجهزة التحكم في الألعاب. وأشار عبدال إلى أن ساعات آبل Apple، على سبيل المثال، «لن تكون أبدًا أنحف مما هي عليه الآن». ويعود ذلك إلى أن كل ساعةٍ تحتوي على محرك اهتزاز، وتقليص حجمه يعني إضعاف الاهتزاز الذي ينتجه.
تمكن أيضًا محاكاة اللمس عن طريق التحفيز الكهربائي؛ لكن يغلب أن تسبب الأساليب الحالية الألم؛ فعادةً ما تُصنَع الأقطاب الكهربائية من المعدن، والذي غالبًا ما يكون صلبًا جدًّا؛ فلا يمكنه الاستقرار استقرارًا مسطحًا تمامًا على الجلد، بصورةٍ خاصةٍ حين يتحرك المستخدم. وأوضح عبدال أنه بتشكل فجواتٍ بين الجلد والقطب الكهربائي تتراكم الشحنة حتى يشعر المستخدم بصعقة كهربائية.
بفضل عمله في مختبر دارين ليبومي Darren Lipomi؛ حيث كان يعمل حينها أستاذًا في قسم هندسة النانو بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، ساعد عبدال على تطوير بوليمرٍ جديدٍ؛ هذا البوليمر موصلٌ مثل المعدن، لكنه مرنٌ وطريٌّ مثل الجلد؛ إذ يلتصق بالجسم التصاقًا تامًّا؛ مما يلغي وجود الفجوات. ويعمل هذا الملصق الذي يمكن ارتداؤه حول طرف الإصبع، أو كرقعةٍ على الساعد، عن طريق تحفيز الألياف العصبية في الجلد التي تستجيب للضغط والاهتزاز، وذلك باستخدام تياراتٍ منخفضةٍ لا تتجاوز 6 ميكرو أمبير، أي نحو واحد من مائة ألف من التيار المار في مصباحٍ كهربائي منزلي.
في استطاعة هذه التقنية أن تساعد على استعادة حاسة اللمس في الأطراف الاصطناعية لمن تعرضوا لبترٍ في الأطراف؛ مما سيمكّنهم من الشعور بالأشياء التي يمسكون بها. كما قد تُغيِّر جذريًّا كيفية قراءة المكفوفين لغة برايل؛ وبدلًا من تمرير الإصبع على لوحةٍ من الدبابيس البارزة، يمكن للقارئ الذي يرتدي رقعة البوليمر على طرف إصبعه تمريرها عبر شاشةٍ مسطحةٍ، ليشعر بكل نقطةٍ كنبضةٍ كهربائيةٍ قصيرة على جلده. كما يمكن لألعاب الواقع الافتراضي خلق أحاسيس لمسٍ واقعيةٍ تتجاوز مجرد الاهتزاز البسيط.
يرى د. عبدال أن التدريب الجراحي هو تطبيقٌ واعدٌ جدًّا في المدى القريب؛ إذ يمكن لهذه الأجـهـزة أن تمكِّن الجراحين الذين يجرون عملياتٍ عن بُعد من الإحساس بما يلمسونه؛ فيميّزون الأنسجة الطرية عن البنى الصلبة؛ مما يساعدهم على العمل بدقةٍ أعلى.
بصمة المؤسسة KFAS
أكد عبدال أن أيًّا من المشروعَين لم يكن ليرى النور لولا دعم المؤسسة KFAS؛ فعندما صار طالب دكتوراه في سنته الأولى، لم تكن هناك أي مؤسسةٍ أمريكيةٍ تموِّل أيًّا من هاتين الفكرتين. وقد أتاح له دعم المؤسسة KFAS البدءَ في أبحاثه من الصفر؛ ما أدى إلى نتائج أوليةٍ جذبت لاحقًا مزيدًا من التمويل والتعاون من جهاتٍ أمريكيةٍ.
اختبر الباحثون – بالفعل – رقع محاكاة اللمس على البشر، ويرى عبدال أن التدريب الجراحي هو تطبيقٌ واعدٌ جدًّا في المدى القريب؛ إذ يمكن لهذه الأجهزة أن تمكِّن الجراحين الذين يجرون عملياتٍ عن بُعد من الإحساس بما يلمسونه؛ فيميّزون الأنسجة الطرية عن البنى الصلبة؛ مما يساعدهم على العمل بدقةٍ أعلى.
وفي الوقت نفسه، يتجه مشروع نيورو ويفز نحو التسويق التجاري، لكن عبدال يفكر، منذ الآن، في المستقبل البعيد؛ فبدلًا من خياطة الخيط في فروة الرأس، يتوقع أنه سيمكن يومًا ما خلط الخيط بمحلول ملحي وحقنه بحقنةٍ واحدةٍ. وبذلك، فإن عملية توصيل المرضى بأجهزةٍ لرصد الدماغ (التي تستغرق حاليًا أيامًا في المستشفى) لن تستغرق حينها سوى ثوانٍ معدودة.