Oloomفيزياء

هل نعيش داخل محاكاة؟ تجربة جديدة تحاول كشف ما يجري

هل عالمنا مجرد محاكاة للواقع؟ سؤال راود الفلاسفة والعلماء - على حدّ سواء - منذ قرون، وحالياً، يقترب هذا السؤال القديم من منعطف جديد. بعدما توصل فريق من الفيزيائيين إلى مؤشرات تستحق الاهتمام، وصمموا تجربة مبتكرة قد تزيح الستار عما خفي.

بقلم  ميريام فرانكل

كان توماس أندرسون، المعروف باسم نيو، يصعد السلم عندما رأى قطة سوداء تنفض فراءها، ثم تمر أمام المدخل. ثم بدا المشهد كأنه يتكرر أمام عينيه. ظن أنها مجرد لحظة مستعادة، سبق أن رآها (Déjà vu)، لكن رفاقه أصروا على أنه يعيش داخل برنامج حاسوبي، وأن ما شاهده لم يكن سوى خلل في النظام.

يعود هذا المشهد إلى فيلم ماتريكس The Matrix الذي عُرض في العام 1999، لكنه يعكس هاجساً بشرياً أقدم بكثير، يتمثل في احتمال أننا نعيش داخل واقع محاكى. هذه الفكرة مقلقة ومحيرة وجذابة، في آن، لصعوبة دحضها؛ فإذا كنا منغمسين في عالم مصطنع، فكيف لنا أن نعرف؟

بعض الفيزيائيين يأخذون هذا الاحتمال على محمل الجد. يقول ملفين فوبسون Melvin Vopson، من جامعة بورتسموث University of Portsmouth في المملكة المتحدة، وهو من المهتمين منذ زمن بفرضية المحاكاة Simulation hypothesis: «الكون بأكمله ربما يعمل مثل حاسوب عملاق». وهو على اقتناع بأن هناك بالفعل دلائل مهمة تشير إلى صحة ذلك، بل واقترح تجربة قد تمكننا من الكشف عن الحقيقة.

تعود فكرة العيش في واقع زائف إلى الفيلسوف اليوناني القديم أفلاطون؛ ففي «أسطورة الكهف»، تخيل أفلاطون أناساً محبوسين في كهف لا يرون إلا ظلال الأشياء التي تمر خارجه. وفكر أفلاطون أن السجناء لن يرغبوا في الهروب؛ لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء خارج الكهف، ولا يدركون أنهم عالقون فيه.

في العام 2003، نشر الفيلسوف نيك بوستروم Nick Bostrom بحثاً جادل فيه بأن احتمال أننا نعيش في محاكاة أكبر من احتمال عيشنا في واقع حقيقي. وقد تبنى هذا الرأي إيلون ماسك Elon Musk وآخرون. ومع ذلك، يجدر الانتباه إلى خلفيات من يطرحون مثل هذه الفرضيات. يقول عالم الفيزياء الفلكية فرانكو فازا Franco Vazza، من جامعة بولونيا University of Bologna في إيطاليا، والذي نشر في 2025 بحثاً يقترح أن احتمال عيشنا في محاكاة شبه معدوم، إن «معظم هذه الأفكار تأتي من عالم التكنولوجيا… فمن مصلحتهم القول إننا قادرون على بناء واقع اصطناعي يمثل هذا التعقيد».

ومع ذلك، هناك أسباب تدعو إلى التفكير في فرضية المحاكاة. ميكانيكا الكم مثلاً تخبرنا بأن الجسيمات توجد في حالة تراكب Superposition، أي في سحابة من الاحتمالات غير المحددة، قبل أن نقيسها. وهو سلوك مازال يحيرنا منذ قرن. لكن لو كان الكون محاكاة، فقد يبدو الأمر منطقياً؛ ففي ألعاب الحاسوب لا تظهر الأشياء إلا عندما يقترب اللاعب منها، فهل يكون الأمر مشابهاً في حالة الجسيمات غير المرصودة؟

ولكن يقول فازا إن هذا يظل مجرد دليل ظرفي في أحسن الأحوال: «الأمر يبدو مبالغاً فيه بعض الشيء».

لكن السؤال يبقى: هل يمكن ابتكار اختبار حقيقي يتيح لنا معرفة أين نحن؟

هنا يدخل فوبسون إلى المشهد. ينطلق فوبسون من فرضية مفادها أنه إذا كان الكون محاكاة، فهو مكوَّن – في جوهره – من المعلومات. ولهذا الافتراض تبعات مهمة. لنأخذ مثلاً مبدأ التكافؤ بين الكتلة والطاقة الذي كرّسته معادلة ألبرت آينشتاين الشهيرة E = mc². في العام 2019، ذهب فوبسون خطوة أبعد من ذلك، واقترح أن هذا التكافؤ يمتد ليشمل المعلومات أيضاً. وبناءً على هذا المبدأ حسب مقدار المعلومات المتوقع لكل جسيم أولي، أي كمية البيانات اللازمة لتمثيل جسيم واحد داخل كوننا المحاكى.

لكن كيف يمكن تحديد مقدار المعلومات التي يحتويها الجسيم؟ في العام 2022 اقترح فوبسون تجربة تقوم على استخدام زوج جسيم – ضديد جسيم Particle-antiparticle pair، مثل إلكترون وبوزيترون، وتركهما يفني كلٌّ منهما الآخر. هذه عملية معروفة جيداً تنتج طاقة على هيئة فوتونات. ويرجح فوبسون أن عملية الفناء هذه لا تنتج الطاقة فقط، بل تمحو أيضاً المعلومات التي كانت مخزنة في الجسيمين الأصليين، وأن هذا المحو يخلّف أثراً يمكن رصده؛ فإذا أسفرت هذه التصادمات عن نطاق الترددات الذي تنبأ به، فسيعد ذلك في نظره دليلاً على أن الكون مكوَّن بالفعل من وحدات أو بتات معلوماتية.

 

اختبار فرضية المحاكاة

حاول فوبسون جمع التمويل اللازم لتجربته عبر منصات التمويل الجماعي، لكنه لم ينجح في ذلك بعد. ومع ذلك، واصل العمل، وطوّر طريقة جديدة لاختبار فرضية المحاكاة. تقوم هذه المقاربة على القانون الثاني للديناميكا الحرارية، وهو قانون راسخ في الفيزياء ينص على أن الإنتروبيا Entropy [وهي مقياس لمدى تشتت الطاقة، أو تعدد الحالات الممكنة داخل نظام ما]، تزداد دائماً في الأنظمة المغلقة. وهذا ما يفسر ذوبان مكعبات الثلج، وانخفاض حرارة كوب الشاي مع الوقت.

يقول فوبسون إنه إذا كان الكون مجرد معلومات مخزنة في قرص صلب في فضاء غريب، فيجب أن تنطبق هذه المبادئ على المعلومات ذاتها؛ لذلك اقترح في العام 2022، ما سماه القانون الثاني لديناميكا المعلومات Second law of infodynamics الذي ينص على أن متوسط كمية المعلومات التي يمكن أن يحتويها أي نظام يجب أن يبقى ثابتاً أو يتناقص، بما يوازن الارتفاع في الإنتروبيا الفيزيائية. ويقول فوبسون: «المعلومات لا يمكنها أن تكتب نفسها، لكنها تستطيع حذف نفسها… مع مرور الوقت، تتدهور الملفات المخزنة على ذاكرة فلاش، وقد يختفي بعضها، لكنك لن تجد مستنداً أو كتاباً أو صورة تظهر تلقائياً على مفتاح ذاكرة فارغ».

يقول فوبسون إن قانونه ينسجم مع ما نراه في الطبيعة، ولو جزئياً، مستنداً إلى دراساته عن تغيّر المعلومات في الجينومات الفيروسية Viral genomes عبر الزمن. لكنه طرح فكرته الأهم عندما طبق قانونه على الكون بأكمله. عند هذه النقطة ينهار القانون؛ لأن الجاذبية رتّبت المادة، عبر بلايين السنين، في أنماط تحمل معلومات: النجوم والكواكب والمجرات والشبكة الكونية. ما الذي يعنيه ذلك؟ يقول فوبسون إن الجاذبية لا بد من أن تكون آلية تمنع إنتروبيا المعلومات في الكون من تشكيل فقاعة بلا حدود. ويرى أن هذا – بالضبط – ما قد يسعى إليه من يصمم عالماً مُحاكى: طريقة تحول دون تضخم حجم البرنامج. ويضيف: «الجاذبية ليست قوة، بل آلية ضغط تقلل إنتروبيا المعلومات عبر تجميع المادة».

يقول فازا: «إني أقدّر استخدام نظرية المعلومات لتقديم رؤية مختلفة للفيزياء»، لكنه لا يرى أن عمل فوبسون يدعم – في نهاية الأمر – فرضية المحاكاة. ووفق حساباته، تتطلب محاكاة كوننا طاقة هائلة إلى حد الاستحالة.

مع ذلك، قد تكون هناك طرق أخرى لرصد الخلل في المصفوفة؛ ففي العام 2007، اقترح عالم الكونيات الراحل جون بارو John Barrow أن أي محاكاة ستراكم أخطاء حسابية صغيرة يحتاج المبرمج إلى إصلاحها؛ فهل يمكن أن نلاحظ مثل هذه التدخلات؟ واقترح بارو أن إحدى العلامات الدقيقة تتمثل في تغيّر ثوابت الطبيعة. ومن اللافت أن أحد أكثر النقاشات احتداماً في الفيزياء يدور حالياً حول أدلة تشير إلى تباطؤ معدل تمدد الكون خلال الثلاثة بلايين سنة الماضية. هل يبدو ذلك مريباً؟

ربما. لكن عالم الحاسوب رومان يامبولسكي Roman Yampolskiy، من جامعة لويفيل University of Louisville في كنتاكي، يرى أن المدى الزمني هائل، ولا يمكن أن يكون نتيجة التدخل لإصلاح خلل، ويقول إن التغير «لا بد من أن يكون فجائياً».

إذا كنا نعيش فعلاً في محاكاة، فالسؤال الذي لا مفر منه هو: هل يمكننا الخروج منها؟ تناول يامبولسكي هذا السؤال في العام 2023، في ورقة بحثية اقترح فيها أن أحد الاحتمالات قد يكون أن نبني محاكاة خاصة بنا، ثم نطلب من خوارزمية ذكاء اصطناعي أن تحاول الخروج منها. لعلنا نستطيع عندها نسخ استراتيجية الذكاء الاصطناعي للإفلات، أو يمكننا محاولة لفت انتباه من هم خارج البرنامج، ربما عبر الحديث المتكرر عن المحاكاة. ويقول: «الخيار الأمثل هو الحصول على مساعدة للهرب، أي أن يمدنا أحد من الخارج بالمعلومات».

لكن من يشغّل المحاكاة لن يرغب في تسهيل هروبنا. وربما لا نملك القدرات التي تمكننا من البقاء على قيد الحياة خارج حدود عالمنا المحوسب. وكل ذلك يتركنا أمام سؤال محيّر: إذا كنا نعيش في محاكاة، فهل نرغب حقاً في معرفة الحقيقة؟

© 2026, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى