
بقلم ماثيو سباركس
يُقال إن فلاديمير لينين Vladimir Lenin حذر من أن الفاصل بين أي مجتمع والفوضى هو ثلاث وجبات كافية لسد الجوع. لكن في عالمنا المعاصر، لا يفصلنا عن الانهيار سوى إشارة واي فاي؛ فكل جانب من جوانب حياتنا يعتمد على الحواسيب والإنترنت، وعندما تتعطل هذه الأنظمة، يحدث ذلك بسرعة كفيلة بنشر الفوضى.
لقد تجلّى هذا بوضوح خلال انقطاع التيار الكهربائي في إسبانيا والبرتغال مطلع 2025؛ عندها انطفأت إشارات المرور، وازدحمت الطرق، وعجزت خدمات الطوارئ عن تلقي المكالمات، وتوقفت الحركة التجارية تماماً. حتى شبكات الاتصالات في المغرب وغرينلاند تأثرت لأنها تعتمد على خوادم موجودة في إسبانيا.
قد يظن البعض أن الحكومات حول العالم لديها خطط محكمة للتعامل مع انقطاعات الإنترنت الكارثية، لكن يبدو أن الأمر ليس كذلك، تقول فاليري أورورا Valerie Aurora، وهي من أبرز الشخصيات في عالم التكنولوجيا، وتُعرف بمساهماتها في نظام التشغيل مفتوح المصدر لينكس Linux. وقد دفعت المخاوف من غياب مثل هذه الخطط أورورا ونحو اثني عشر خبيراً في الأمن السيبراني، ومخترقين للشبكة (هاكرز)، وهواة الاتصال عبر الراديو، ومحامين إلى الاجتماع في مقهى يعود إلى القرن الخامس عشر، في ساحة نيوماركت Nieuwmarkt في العاصمة الهولندية أمستردام، في ظهيرة يوم أحد مشرق. ذهبت للقائهم من دون أن أعرف ما الذي ينتظرني.
ما وجدته هو مجموعة من المتطوعين المتفانين الذين يضعون خططهم الخاصة لإعادة تشغيل الإنترنت في حال وقوع كارثة. كان أعضاء نادي صمود الإنترنت Internet Resiliency Club (اختصاراً: نادي IRC)، وهو النادي الوحيد من نوعه في العالم، يستمتعون بشرب القهوة وتناول الكعك، فيما يختبرون التقنيات القادرة على إعادة الاتصال بالشبكة.
تقول أورورا: «ما يؤرقني هو أن يحدث عطل ما ولا أتمكن من التواصل مع أحد. أريد أن أكون جزءًا من الجهود التي يمكن أن تُعيد تشغيل ما انقطع».
الإنترنت قد تكون أعقد آلة ابتكرتها البشرية وأهمها وأكثرها هشاشة على الإطلاق. فعلى مدى العقود الماضية صارت عنصراً أساسياً في كل جانب من جوانب حياتنا تقريباً: من الخدمات المصرفية العالمية، إلى الجيوش، وشبكات الهاتف، وحتى مرافق المياه والكهرباء. لكن هذه الأداة الرائعة تواجه تهديدات متزايدة؛ فالتغير المناخي قد يتسبب في فيضانات تعطل شبكات الكهرباء ومراكز البيانات. كما أن التوترات السياسية والحروب يمكن أن تؤدي – لدى اندلاعها – إلى تنفيذ هجمات تُلحق الضرر بالبنية التحتية المادية، وتقطع خطوط الاتصال. وفي الوقت نفسه، يشن المخترقون (الهاكرز) هجمات إلكترونية يومياً. وحتى لو تجنبنا كل هذه المخاطر، يبقى تهديد العواصف الشمسية القوية قائماً، مثل عاصفة كارينغتون Carrington التي صعقت أسلاك التلغراف وأصابت المشغلين بالصدمة في العام 1859.
يقول تراميل هدسون Trammell Hudson، وهو يعلن عن نفسه بأنه مخترق للشبكة، وكذلك مطور برامج وعضو في نادي IRC: «لو حدث شيء مثل هذا اليوم، فقد يؤدي إلى تعطيل الإنترنت بالكامل. الشمس تمتلك طاقة تفوق كل تصور».
لكن، تقول أورورا إنه لا توجد – على ما يبدو – خطة رسمية لإصلاح الإنترنت إذا تعرضت لضرر بالغ: «وإن وجدت مثل هذه الخطة، فإنه يجري التكتّم تماماً بشأنها وحجبها عن كل من ينبغي أن يعرف بها أو ينفذها».
هنا يأتي دور متطوعي نادي صمود الإنترنت الذين تعلموا من شجاعة زملائهم في أوكرانيا، ومن الحيل التي لجأوا إليها للحفاظ على الأنظمة متصلة في مواجهة الهجمات السيبرانية الآتية من روسيا والقصف الروسي. وبناءً على تلك التجارب، يعمل نحو 150 متطوعاً على وضع خطط يعتقدون أنها قد تساعد على استعادة الإنترنت إذا انهارت.
ولكن، مع هدف بهذا القدر من الطموح، قد يجوز لنا أن نتساءل: من أين يمكن أن يبدأوا. وقد اكتشفت، عندما التقيت ببعض متطوعي نادي IRC في أمستردام، أن البداية تكون بالتفكير على نطاق ضيق. مع أن الإنترنت شبكة عالمية، إلا أن قدرتها على ربط الشركات والأفراد داخل المدينة نفسها لا تقل أهمية عن ذلك، ولهذا يركز النادي – في الوقت الراهن – على إنشاء خدمة محلية يمكنها إعادة ربط أمستردام بالشبكة، لا سيما تمكين شركات المرافق والخدمات الحيوية الأخرى من استئناف عملها.
ويستلزم ذلك تغييراً في طريقة التفكير، يقترح جو أبلي Joe Abley، أحد متطوعي النادي. يعمل أبلي في إحدى شركات التكنولوجيا الكبرى، ويتصدى يومياً لهجمات إلكترونية واسعة النطاق. ويقول إن نجاحه في ذلك لا يتحقق إلا بفضل قدرته على التواصل والتنسيق بسرعة وسهولة مع مهندسي البرمجيات في شركات مختلفة، بل وحتى في دول أخرى؛ فالبريد الإلكتروني ومكالمات الفيديو والرسائل الفورية أدوات أساسية تتيح هذا النوع من التعاون، وهي الوسيلة الطبيعية التي قد تعتمد عليها أورورا وفريق المتطوعين في أمستردام للعمل معاً لإعادة الإنترنت. لكن، بطبيعة الحال، تعتمد هذه الأدوات جميعاً على الإنترنت ذاتها، ومن ثم فهي لن تكون متاحة في مثل هذا السيناريو.
تقول أورورا: «إنها معضلة البداية. كيف يمكن استعادة الاتصال عندما يكون معدوماً، وكل من يستطيع إصلاحه ليست لديه خطة، ولا يعرف أين يجتمع بالآخرين، ولا إلى أين يتوجه؟».
من الواضح أن فريق النادي سيضطر إلى الاعتماد على أدوات مختلفة، لكن حتى هذه الأدوات قد تكون عديمة الجدوى من دون خطة مُفصلة. مثلاً، تحدثت أورورا مع خبراء حاسوب عقب انقطاع التيار الكهربائي الواسع في إسبانيا والبرتغال، وتبين أن بعضهم كان لديه هاتف يعمل عبر الأقمار الاصطناعية، وهي وسيلة ممتازة للتواصل عبر مسافات طويلة في غياب الإنترنت أو شبكة كهرباء فعالة. غير أن المتخصصين في إسبانيا لم تكن لديهم نسخ ورقية بأسماء وأرقام الأشخاص الذين يحتاجون إلى التواصل معهم لمعرفة كيف يمكن استعادة التيار، وبالطبع، لم يكن في إمكانهم البحث عنها على أجهزة الحاسوب. وهكذا أصبحت هواتفهم الفضائية عديمة الفائدة تقريباً.
تحرص أورورا وفريقها على التعلم من أمثلة كهذه؛ فهم يعملون على حل منخفض التكلفة لمشكلة الاتصالات، ويضعون خطة عملية لتطبيقه. وقد أُتيحت لي فرصة الاطلاع على جزء من هذا التقدم، عندما أخرج عدد من أعضاء الفريق أجهزة إلكترونية صغيرة ووضعوها على طاولة المقهى. كان بعضها عبارة عن لوحات دوائر مطبوعة مكشوفة مع رقائق وهوائيات ظاهرة، بينما وضع بعضها الآخر داخل أغلفة أنيقة مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. قد لا تبدو هذه الأجهزة لافتة للنظر، لكن متطوعي النادي يعتقدون أنها ستكون حاسمة إذا انهارت الإنترنت.
تنتمي هذه الأجهزة إلى مشروع تطوعي آخر يُدعى ميشتاستيك Meshtastic، وقد صُمِّمت لمساعدة الناس على التواصل في الحالات التي تنعدم فيها خدمات الإنترنت التقليدية، ولهذا جذبت اهتمام متطوعي النادي. تستخدم تقنية ميشتاستيك أجزاء غير مرخصة من طيف الترددات الراديوية لإرسال رسائل نصية قصيرة ومقتطفات من البيانات. وبالطبع، لا يمكن استخدامها لإجراء مكالمات عبر تطبيق زووم Zoom، لكنها قد تكون كافية في حالات الطوارئ لنقل المعلومات الأساسية. ومع أن مدى كل جهاز محدود، فإن وجود عدد كافٍ منها يسمح بربطها معاً لتشكيل شبكة مترابطة تمتد عبر مدينة بأكملها، وهو ما يُعرف باسم شبكة «مِش» Mesh. يمكن لأجهزة الراديو هذه بث الرسائل واستقبالها وإعادة بثها، ما يتيح انتقال المعلومات من طرف الشبكة إلى طرفها الآخر.
ما يميز هذه الأجهزة هو أنها تستهلك قدراً ضئيلاً جداً من الطاقة، بحيث يمكن تشغيلها باستمرار باستخدام ألواح شمسية صغيرة، ما يجعلها قادرة على دعم شبكات محلية صغيرة، حتى في حال انهيار شبكة الكهرباء.
نظرياً، تبدو أجهزة راديو ميشتاستيك مثالية، لكن متطوعي نادي IRC يحتاجون إلى إثباتات عملية، ولذلك يختبرون التقنية حالياً تحت الضغط لمعرفة إذا كانت تلبي توقعاتهم على أرض الواقع.
![]()
يشغّل أحدهم جهازاً، فتظهر سلسلة من رسائل «هل تسمعني؟» من هواة آخرين في أمستردام يستخدمون التقنية لأغراضهم الخاصة. وفي لحظة ما، تظهر رسالة تسأل عن حفلات الأسبوع في المدينة.
ومع أن الأمر يبدو واعداً، لم يحسم متطوعو النادي بعد ما إذا كانت أجهزة ميشتاستيك ستكون جزءاً من خططهم؛ فهذه الأجهزة تبدو، وهي كذلك، معقدة الاستخدام حتى لأشخاص ملمّين بالتكنولوجيا. يقول هدسون: «هذه الأجهزة للهواة المتحمسين والمخترقين. ليست سلعة جاهزة للاستخدام بمجرد إخراجها من العلبة».
ويشير المتطوعون أيضاً إلى حدود التقنية؛ فبعض المصنعين يدّعون أن مدى الجهاز يصل إلى 10 كيلومترات، لكن اختبارات النادي تُظهر أن المدى في المدن ذات المباني الشاهقة، وحيث الإشارات كثيفة، لا يتجاوز بضع مئات من الأمتار. وهذا يعني أنه لتغطية مدينة مثل أمستردام، يجب تثبيت مئات الأجهزة على واجهات المباني. والحصول على تصاريح لذلك سيكون صعباً، خصوصاً أن المدينة تضم عدداً كبيراً من المباني التاريخية الخاضعة لقوانين حماية صارمة.
هذا هو العالم الذي نعيش فيه… الأمن السيبراني كارثة مكتملة الأوصاف.
يبدي هدسون حرصاً على مواصلة التجارب على تقنية ميشتاستيك، عبر تجربة طرق مختلفة لنقل البيانات، ربما بالتضحية بالسعة لمصلحة السرعة أو العكس، بحثاً عن أكثر وسائل الاتصال موثوقية.
ومع أخذ المفاضلة بين الموثوقية وسهولة الاستخدام في الاعتبار، يختبر متطوعون آخرون في النادي مدى قدرتهم على التنسيق والعمل معاً باستخدام أجهزة ميشتاستيك فقط. وقد يشمل أحد الاختبارات البسيطة مطالبة بضع عشرات من المتطوعين بمغادرة منازلهم من دون هواتفهم، وترتيب نزهة مرتجلة باستخدام أجهزة الراديو وحدها لاختيار الموقع، وتحديد من يجلب الطعام والشراب.
يقول جو أبلي: «لا قيمة لأي نظام احتياطي ما لم يُختبر. إذا كنا نعتمد على هذه الأجهزة للتواصل، وتدربنا عليها، ولم نترك الأمر للحظة الأخيرة، فسيكون ذلك رائعاً».
يعرف أبلي متطوعين يتبرعون بوقتهم في أوكرانيا لمحاولة إبقاء الشبكات عاملة. ويعتمد الجيش الأوكراني اعتماداً كبيراً على منظومة أقمار ستارلينك Starlink التابعة لإيلون ماسك Elon Musk، لكن المخاوف من احتمال حدوث أعطال كارثية تجعل الحلول المستقلة ضرورية، مع أن الحرب المستمرة تجعل التخطيط والاختبار على الأرض أمراً بالغ الصعوبة.
مع ذلك، ينبغي أن يكون في وسع الآخرين حول العالم الاستفادة من تجارب متطوعي نادي IRC في أمستردام. وتأمل أورورا أن تشجع جهودهم خبراء في أماكن أخرى على تشكيل مجموعات محلية مماثلة. فكلما ازداد عدد هذه المجموعات، صار من الأسهل إعادة تشغيل الشبكات المحلية وربطها ببعضها، وهو ما يتيح لعدد أكبر من الخبراء التعاون لإعادة تشغيل مزيد من خدمات الإنترنت.
يبقى السؤال الكبير: هل ستستخدم خطط النادي يوماً ما؟ يقر أعضاء المجموعة بأن الحكومات ربما تعمل على وضع خطط خاصة بها، وتحجبها بسبب ما قد تحتويه من معلومات حساسة عُرضة للاستغلال من جهات خبيثة. وربما يفسر هذا عدم تلقي مجلة نيو ساينتست New Scientist أي رد بعد تواصلها مع مقر الاتصالات الحكومية البريطانية Government Communications Headquarters للاستفسار عن خطط الصمود، هذا مع أن الهيئة أوصت الشركات في المملكة المتحدة بالاحتفاظ بنسخ ورقية من خططها للتعامل مع الهجمات الإلكترونية. لكن أورورا تشكك في وجود مثل هذه الخطط أصلاً، خاصة أن إعدادها مكلف.
وترى أورورا أن الإنترنت تزداد هشاشة؛ لا سيما بعد أن قررت إدارة الرئيس دونالد ترامب، في العام 2025، تفكيك وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأمريكية Cybersecurity and Infrastructure Security Agency التي كانت تدير برامج لمراقبة محاولات الاختراق الأجنبية للبنية التحتية الحيوية، مثل أنظمة التصويت وشبكات الكهرباء.
وحتى الجهود الرامية إلى تعزيز مرونة الإنترنت تواجه مقاومة. تقول أورورا إنها حضرت اجتماعاً ضم مسؤولين حكوميين ومصنعي أجهزة صلبة لمناقشة قانون الاتحاد الأوروبي للمرونة السيبرانية Cyber Resilience Act الذي دخل حيز التنفيذ في 2025، بهدف تحسين أمن الإنترنت في أوروبا.
وتروي أن موظفاً في إحدى شركات تصنيع الأجهزة كان يعترض على بند يقترح حظر بيع الأجهزة التي تحتوي على ثغرات أمنية معروفة. كان يريد إضافة مهرب قانوني يحظر فقط الأجهزة المدرجة على أنها معرضة للاختراق في قواعد بيانات الاتحاد الأوروبي؛ ما يعني أنه سيظل ممكناً بيع الأجهزة التي حددها خبراء في أماكن أخرى على أنها ضعيفة، لكنها لم تُدرج بعد في القوائم الأوروبية. تقول أورورا: «هذا هو العالم الذي نعيش فيه. الأمن السيبراني كارثة مكتملة الأوصاف».
هذا الاقتناع هو ما يشحذ همم متطوعي نادي IRC، وما يدفعهم إلى الاجتماع في أوقات فراغهم للاضطلاع بمهمة يعتقدون أن السلطات إما غير راغبة في القيام بها، وإما عاجزة عنها. وعلى الرغم من جسامة التحدي الذي يواجههم، فإنهم يرفضون التسليم باستحالته. وإذا ما مُنيت الإنترنت يومًا بضرر بالغ، فقد نكتشف جميعًا حينها إنهم كانوا على صواب.
© 2026, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC