Oloomفيزياء

فهم جديد للعلاقة السببية قد يسهم في معالجة خلل جوهري في نظرية الكم

تعجز نظرية الكم عن تفسير كيف ينبثق الواقع الذي نعيشه من عالم الجسيمات. وقد يسهم منظور جديد للعلاقة السببية في ميكانيكا الكم في سد هذه الفجوة.

بقلم  كلاران غيليغن-لي

ذا ركل أحدهم الكرة فستتدحرج على الأرض تماماً مثلما تدور الأرض حول الشمس بفعل الجاذبية. إن العلاقة بين السبب والنتيجة أساسية لفهمنا العالم، أو على الأقل، هي كذلك في العالم الذي نراه، والذي تحكمه الفيزياء الكلاسيكية.

لكن كل شيء يصير أكثر غموضا في العالم الخفي للذرات والجسيمات دون الذرية، والذي تصفه نظرية الكم Quantum Theory. وبصفتي فيزيائيا متخصصا في الفيزياء الأساسية، أطور خوارزميات لاستخلاص العلاقة بين السبب والنتيجة من الارتباطات، تكون لدي اقتناع، منذ فترة طويلة، بأن مبدأ السببية يمكن أن يساعدنا على حل اللغز الكامن في صميم ميكانيكا الكم Quantum Mechanics، وهي الفكرة المحيرة التي تقول إن الأنظمة الكمومية، مثل الإلكترونات، تبقى في حالة من عدم اليقين إلى أن يتولى مراقب قياسها.

لهذا يثير اهتمامي طرح جديد يسعى إلى تخليص نظرية الكم مما يُعرف بمشكلة المراقب Observer Problem. وبالاستناد إلى أفكار مستقاة من التفسيرات القائمة والنماذج الحديثة للسببية الكمومية Quantum Causality، يستخدم هذا الطرح الرياضيات الدقيقة للعلاقة بين السبب والنتيجة؛ ليظهر كيف يمكن للتفاعلات بين الأنظمة الكمومية، وداخلها، أن تحدد أياً من الاحتمالات العديدة لتغيرها بمرور الوقت يتحقق بالفعل، من دون أي إشارة إلى القوة الغامضة للمراقبين.

وخلاصة القول، إنها إعادة نظر جذرية هادئة في مفهوم الواقع؛ ففي هذا التصور تُعد السببية الكمومية هي الجانب الأهم في الواقع الذي ينبثق منه الكون. ومن اللافت أن هذه الرؤية تبدو قادرة على حل عدة مفارقات كمومية دفعة واحدة. ولعل أبرز مؤشر على أنها تسير في الاتجاه الصحيح هو أنها قد تفتح أيضاً طريقاً معقولاً نحو الهدف المنشود في الفيزياء: نظرية توحد ميكانيكا الكم مع نظرية النسبية العامة General Relativity لـ ألبرت آينشتاين Albert Einstein.

 

نظرية مُحيِّرة

لا شك في أن ميكانيكا الكم هي إحدى أنجح النظريات العلمية؛ فهي تصف السلوك غير البدهي للجسيمات دون الذرية بدقة مذهلة، وتتنبأ بنتائج عدد لا يُحصى من التجارب بدقة متناهية؛ لكنها – في الوقت نفسه – مصدر دائم للحيرة؛ إذ قاومت، منذ نشأتها، كل المحاولات لفهم ما تعنيه فيما يتعلق بتصورنا للواقع.

تتلخص المشكلة في غموض مفهوم القياس Measurement الذي يُمثل جوهر النظرية؛ فإلى
أن نقيس جسيماً، تُوصف خصائصه وفقاً لمعادلة شرودنغر Schrödinger Equation ودالتها الموجية Wave Function الشهيرة التي تُصور تلك الخصائص كجملة ضبابية من الاحتمالات الممكنة. وهذا يتيح لنا حساب فرص ظهور أيٍّ منها عند قياس الجسم؛ لكنه لا يخبرنا بنتيجة القياس نفسها؛ فإلى أن نجري القياس، لا نملك سوى الاحتمالات.

 

الوضع الحالي لميكانيكا الكم هو أنها تنبئ بدقة عالية لكنها توفر تفسيرا منتهى الرداءة

 

والنتيجة أن المراقب الذي يُجري القياس يصير عنصراً حاسماً. لكن المشكلة المقلقة هي أنه ليس واضحاً على الإطلاق ما الذي يعتبر مراقباً؛ فغياب تعريف دقيق يجعل نظرية الكم عاجزة عن الإجابة عن السؤال الجوهري: كيف ولماذا ينبثق العالم الذي نراه، حيث تمتلك الجسيمات خصائص محددة، من الضباب الكمّي Quantum Fog.

لهذا السبب، يرى كثير من الفيزيائيين أن نظرية الكم، بصيغتها الشائعة، غير مرضية على الإطلاق. يقول نيك أورمرود Nick Ormrod، من معهد بيريميتر للفيزياء النظرية Perimeter Institute for Theoretical Physics في مدينة واترلو بكندا: «الوضع الحالي لميكانيكا الكم هو أنها نظرية تتنبأ بدقة عالية لكنها توفر تفسيراً بمنتهى الرداءة». ويضيف إنه لا يمكننا الاكتفاء بعبارة «لأننا نقيسه»، خاصة أن كثيرين يظنون أن غموض نظرية الكم هو أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الفيزيائيين يجدون صعوبة في تطبيقها في سياقات لا يوجد فيها مراقبون، مثل الكون المبكر جداً أو نسيج الزمكان Space-Time.

ما نحتاج إليه إذن هو تفسير يلغي الحاجة إلى المراقبين. لدينا – في الواقع – عدة تفسيرات مطروحة (انظر: معنى نظرية الكم). وعلى الرغم من عدم كمالها، تساءل أورمرود وزميله جوناثان باريت Jonathan Barrett، من جامعة أكسفورد University of Oxford إن كان في الإمكان تحسين اثنين منها لبناء رؤية لنظرية الكم، أكثر تماسكا واستقلالية عن المراقب.

 

تواريخ متسقة

أول هذه المقترحات هو تفسير التواريخ المتسقة Consistent Histories Interpretation الذي طوّر في ثمانينيات القرن العشرين؛ فبدلا من التعامل مع القياس كعملية خاصة، يركز هذا التفسير على جميع الطرق التي يمكن أن يُتطوَّر بها نظام كمي بشكل معقول بمرور الوقت، أي ما يحدث بين القياسات. ويحدد تسلسلات الخصائص التي يمكن أن يمتلكها النظام، مثل مجموعة من الجسيمات، في أوقات مختلفة، والمعروفة باسم التواريخ Histories، ويُسنِد إليها احتمالات طالما أنها متسقة داخلياً، أي يمكن حسابها وفقاً لقواعد المنطق والاحتمالات الكلاسيكية. والأهم والمدهش في الأمر، أنه يمكن نمذجة جميع الظواهر الكمومية بهذه الطريقة، ومن ثم فلا حاجة إلى القياس أو المراقبين.

من هذا المنظور، يُعد القياس مجرد وسيلة للوصول إلى التاريخ، مما يزيل ظاهرياً قدرته الغامضة على اختيار نتيجة من عدم اليقين الكمومي Quantum Uncertainty. لكن ثمة مشكلة: لا يوجد تاريخ واحد متسق يمكن أن يتبعه النظام الكمومي، بل تواريخ عديدة. ولا يتضمن هذا الإطار أي شيء يخبرنا أيها يمثل الخصائص التي كان يمتلكها النظام فعلاً في أي وقت محدد، ما يعني أنه لا يفسر سبب رؤيتنا للعالم كما هو. يقول أورمرود: «علينا – ببساطة – اختيار التاريخ الصحيح، ويبدو هذا الاختيار مرتجلاً بعض الشيء».

أما التفسير الثاني، المعروف باسم ميكانيكا الكم العلائقية Relational Quantum Mechanics، والذي طُوِّر في التسعينيات، فهو أبسط في التعبير عنه: خصائص النظام الكمومي لا توجد إلا عند نقطة تفاعله مع نظام آخر مماثل. هذا يعني أن أي نظام فيزيائي يمكن أن يعمل مراقباً، والأهم من ذلك، أن الواقع ليس مطلقاً، بل هو نسبي للمراقب، سواء أكان بشراً أم جسيمات. لنأخذ غروب الشمس مثالاً: لا معنى للحديث عنه إلا إذا اعتبرناه ظاهرة يشاهدها شخص ما من موقع محدد على سطح الأرض. وبهذا المعنى، يعد غروب الشمس أمراً نسبياً. في التفسير العلائقي لميكانيكا الكم، يجب النظر إلى كل جانب من جوانب الواقع من منظور مماثل.

تكمن مشكلة هذا المنظور، وفق أورمرود، في افتقاره إلى الإطار الرياضي الدقيق اللازم لدراسته دراسة وافية. وأنا أتفق معه في ذلك. لا يوجد حاليا أي إطار معتمد يقدم تعريفًا واضحًا للمفاهيم الغامضة، مثل: «التفاعل» و«النسبي». ولذلك ليس من الواضح تماما ما تخبرنا به ميكانيكا الكم العلائقية عن الواقع، أو كيف يمكن أن تغير طريقة تعاملنا مع الجهود المبذولة لبناء نظرية متماسكة للجاذبية الكمومية Quantum Gravity.

وهنا يبرز مفهوم السببية. لكن، قد يبدو غريباً تطبيق المفاهيم الكلاسيكية بشأن الكيفية التي تؤثر وفقها الأشياء بعضها في بعض على عالم الكم الذي لا يخضع للقواعد نفسها. لكن من وجهة نظري، ونظر فيزيائيين آخرين، كان الأمر منطقياً على الدوام، نظراً إلى ما يتمتع به الاستدلال السببي Causal Reasoning من قدرة تفسيرية استثنائية. يقول روبن لورنز Robin Lorenz، الباحث في السببية والحوسبة الكمومية Quantum Computing، من مركز كوانتينيوم Quantinuum: «لا يمكننا ممارسة الفيزياء من دون استخدام مبدأ السبب والنتيجة… السببية هي أساس العلوم». إضافة إلى ذلك، وهذا أمر بالغ الأهمية، أننا اليوم نمتلك فهما أفضل لآليات عمل السبب والنتيجة في النظام الكمومي.

 

 

أدرك أورمرود وباريت أنه يمكننا الجمع بين الرؤى القيمة المستمدة من تفسير التواريخ المتسقة وميكانيكا الكم العلائقية، ثم التغلب على عيوبها من خلال دعمها بنمذجات حديثة للسببية الكمومية، ورفع تلك البنى السببية إلى مرتبة أساسية.

يتطلب فهم جاذبية هذا النموذج بعض المهارات الرياضية المتقدمة. ولتوضيح جوهره، يقترح أورمرود التفكير في شبكة عنكبوت. لا يبدأ العنكبوت في وضع مجموعة من النقاط ثم يربطها بخيوط بل يبدأ بالخيوط نفسها، واضعًا إياها واحدًا تلو الآخر، وعند لقائها أو تفاعلها تتشكل النقاط. يكمن جوهر الأمر في أن النقاط في شبكة العنكبوت ليست أساسية، بل هي نتاج ثانوي لطريقة نسج الخيوط. يقول أورمرود: «لا توجد النقاط إلا بفضل قطع الخيوط، فهي تنبثق من الخيوط. والخيوط هي في الواقع العنصر الأساسي من الناحية المفاهيمية».

وبالمثل، يقترح أورمرود وباريت أن السببية هي «الخيط» الأساسي الذي ينبثق منه الواقع الكمومي. خصائص الجسيمات هي النقاط، أو المواضع التي تتفاعل فيها التأثيرات السببية. لكن البنية السببية، أي الخيوط، تأتي أولًا؛ فخصائص النظام الكمومي، أي ما يمكن أن نسميه الواقع، تنبثق من السببية، لا من عملية القياس الغامضة وغير المحددة.

 

مفارقة صديق ويغنر

على أي حال، ثمة أسباب تدعو إلى الاعتقاد أن هذا التفسير الجديد، وهو جديد تماماً لدرجة أنه لم يطلق عليه اسم بعد، قد يوصل إلى شيء مهم. أحد هذه الأسباب هو قدرته على حل معضلة محيرة سلطت الأضوء في السنوات الأخيرة على مشكلة المراقب؛ فقد طُوِّرت هذه المفارقة في البداية كتجربة فكرية، ثم أُعيدت صياغتها باستخدام الجسيمات في المختبر، لتُظهر (وفق مفارقة صديق ويغنر (Wigner’s Friend Paradox) أن مراقبين اثنين – ويغنر يراقب صديقه من الخارج وهو يجري قياسات على نظام كمومي في المختبر – يمكن أن يختبرا تجربتين مناقضتين للواقع. ويعني هذا أن نظرية الكم تصر على أنه لا وجود لواقع موضوعي مستقل عن المراقب، وهذا يجعل التفسير التقليدي إشكالياً إلى حد كبير.

في إطار أورمرود وباريت، يتلاشى تناقض صديق ويغنر. يكمن جوهر الأمر في أن مفهوم «النتيجة الحتمية» Definitive Outcome مرتبط بالبنية السببية، لا بالملاحظة. داخل المختبر، ينغمس الصديق في فقاعة سببية واحدة: يؤثر الجسيم في الجهاز الذي يؤثر بدوره في تجربته الحسية. ضمن هذه الفقاعة السببية، تكون النتيجة حتمية.

أما من الخارج، فيكون ويغنر في فقاعة سببية مختلفة. ما نستنتجه من منظور أورمرود وباريت لنظرية الكم هو أنه في هذا السيناريو يمارس قياس الصديق تأثيراً كمومياً في نتيجة ويغنر، ما يمنعها من أن تكون جزءاً من التاريخ المتسق في فقاعته السببية. أما فيما يتعلق بالفقاعة التي تشمل نتيجة ويغنر، فلا يحصل الصديق على أي نتيجة قياس على الإطلاق.

بمعنى آخر، كلا المنظورين صحيحان، لكنهما نسبيان لفقاعتهما السببية. لا يوجد تناقض؛ لأن «اليقين» ليس حقيقة مطلقة عن العالم، بل حقيقة علائقية عن البنى السببية. بجعل السببية لا الملاحظة، الأساس، تتجاوز هذا الإطار ببراعة الحاجة إلى تفضيل وجهة نظر واحدة. ويقول أورمرود إنها «كانت لحظة مذهلة» عندما أدركا أن إطارهما قد حل هذه المفارقة.

السبب الآخر لأخذ هذا التفسير الجديد على محمل الجد يتعلق بإمكان تطبيقه على أسئلة جوهرية عن الكون.

 

معنى نظرية الكم

أعمق مشكلة في نظرية الكم هي أنها تصف واقعا يبدو فيه أن لا شيء ثابتًا قبل أن نقيسه مع أن الواقع الذي نعيشه يتكون من أشياء ذات خصائص مُحدَّدة. كيف ولماذا تنشأ الأخيرة من الأولى يُعرف بمشكلة القياس، وبينما قد توفر السببية حلًا جديدًا يستحق الاهتمام (انظر المقال الرئيسي)، فهي ليست الحل الوحيد المطروح. فيما يلي بعض البدائل الرئيسية:

لدينا تفسير كوبنهاغن Copenhagen Interpretation الذي يقول ببساطة إن نظرية الكم لا تقدم لنا أي معلومات عما تفعله الجسيمات قبل أن نقيسها. ويعني ذلك أن الفيزيائيين ينبغي ألا يقلقوا بشأن المعنى الميتافيزيقي لنظرية الكم، ولهذا السبب وصف الفيزيائي ديفيد ميرمین David Mermin ذلك ذات مرة بأنه نهج «اصمت واحسب». إذا بدا ذلك محافظًا، فهناك تفسير العوالم المتعددة Many-Worlds Interpretation على الطرف الآخر من الطيف. هذه الفكرة، التي صاغها الفيزيائي هيو إيفريت Hugh Everett في أواخر خمسينيات القرن الماضي، تقول إن جميع النتائج الممكنة للقياس تتحقق بالفعل، ولكن في عوالم أخرى. إن الإيحاء بأن الواقع يتفرع باستمرار يبدو للبعض غريباً إلى درجة يصعب معها تقبله.

ظل الفيزيائيون يظنون فترة طويلة أن نظرية الكم تبدو غريبة فقط لأنها غير مكتملة. تقول نظريات المتغيرات الخفية Hidden-Variable Theories التي تأتي في أشكال عديدة، إن هناك جزءاً مفقوداً من اللغز يمكن أن يفسر كيف ولماذا نحصل على النتائج التي نحصل عليها. ومع ذلك، فقد استُبعدت العديد من هذه الفرضيات من خلال التجارب.

أما النهج الأحدث والمختلف جذريًا فهو البايزية الكمومية Quantum Bayesianism، المعروفة أيضا باسم كيوبيزم QBism. يؤكد هذا النهج أن نظرية الكم لا تتعلق بالواقع بمعناه الموضوعي، بل بمعرفتنا الذاتية به فقط. فعندما نجري قياسًا، نقوم بتحديث معرفتنا بجسيم كمومي، لذا يبدو منطقيًا تمامًا أن يكون تعريفه ضبابيًا قبل أن ننظر إليه. يرى البعض أن ما يُعيب هذا الطرح هو أنه يتخلى عن أي أمل في القدرة على وصف العالم الكمومي قبل أن نرصده.

 

تكمن الفكرة في أن السببية قد تكون أكثر جوهرية من الكيانات التي ترتبط بها، وهو ما يؤدي دوراً أيضاً في فهمنا النسبية العامة التي تصور الجاذبية على أنها نتيجة لتشويه الكتلة للزمكان. هناك اكتشاف كلاسيكي من سبعينيات القرن الماضي يُظهر أنه إذا عرفنا البنية السببية للزمكان، أي تقريباً أي النقاط التي يمكن أن تؤثر بعضها في بعض، فيمكننا إعادة بناء هندسته ومسافاته، وحتى تدفق الزمن. يقول أورمرود: «تؤدي السببية دوراً بالغ الأهمية في تشكيل بنية الزمكان».

 

كيف ينشأ الزمكان؟
هذا يعني أنه يمكن أن نعدَّ الزمكان نفسه ناشئاً عن نظام سببي. انطلاقاً من هذا، ولفترة طويلة، تكهن الفيزيائيون الساعون إلى التوفيق بين نظرية الكم والنسبية العامة لتكوين نظرية كمية للجاذبية بأن أعمق طبقة في الكون قد تكون شبكة سببية Causal Network تنبثق منها كلٌّ من الهندسة والمادة. إذا صح هذا، فإن تفسير أورمرود وباريت سيكتسب دلالة أكبر؛ فمن منظور الكم، يُظهران كيف تنشأ خصائص النظام الكمّي بشكل طبيعي من البنية السببية. ومن منظور النسبية، تُشكل البنية السببية أساساً لهندسة الزمكان. وبالنظر إلى كليهما، يزداد وقع هذا الاقتراح عمقاً: ماذا لو كانت السببية هي الجذر المشترك لكلا ركيزتي الفيزياء الحديثة، والأساس الذي يوحدهما؟
اتخذت محاولات أخرى لتوحيد ميكانيكا الكم والنسبية العامة مسارات مختلفة تماماً. مثلاً، تتخيل نظرية الأوتار String Theory اللبنات الأساسية على أنها أوتار مهتزة في أبعاد أعلى. إنها فكرة جريئة ألهمت عقوداً من البحث، لكنها لم تقدم بعد نظرية كاملة قابلة للاختبار. ما يجعل النهج السببي جذاباً هو بساطته. فبدلاً من ابتكار كيانات جديدة غريبة، يتساءل ما إذا كانت فكرة السبب والنتيجة المألوفة هي الأساس المفقود. إذا كان الزمكان وخصائص الأنظمة الكمومية ينبثقان من السببية، فربما يكون وضع نظرية قابلة للتطبيق للجاذبية الكمومية أقل ارتباطاً باكتشاف مكونات جديدة وأكثر ارتباطاً بإعادة ترتيب المكونات الموجودة لدينا. يقول أورمرود: «يبدو مثيراً للاهتمام أن لدينا قصتي نشأة متشابهتين في النظريتين اللتين نحاول توحيدهما».

في الوقت الحالي، مازال هذا مجرد تكهن مبني على معلومات. لكن ما لدينا مع تفسير أورمرود وباريت الجديد هو الخطوط العريضة لإطار عمل يقدم إجابة جريئة لأعظم لغز في نظرية الكم: ليس فقط كيف تتنبأ النظرية بالنتائج، بل لماذا تحدث تلك النتائج. من جهتي، هذا وحده أمر رائع؛ لأننا إذا أخذنا على محمل الجد فكرة أن السببية، بدلاً من الملاحظة، هي أساس الواقع، والصخرة التي ينبثق منها العالم الذي نراه؛ فقد نكون في النهاية أقرب إلى فهم عالم الكم بشروطه الخاصة.

© 2026, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى