HIWعلوم

ما تحفيز الدماغ العميق؟

يعمل هذا الجهاز الذكي كجهاز تنظيم ضربات القلب للدماغ

بقلم: إيلسا هارفي

يحتوي الدماغ البشري في المتوسط على نحو 86 بليون عصبون Neuron، حيث يطلق العصبون الواحد إشارات بمعدل يقارب 0.16 مرة في الثانية. وهذا يجعل الدماغ عضوًا شديد النشاط، وهو أمر ضروري للحفاظ على التواصل العصبي الذي يدعم جميع العمليات الحيوية في الجسم. والدماغ لا يستريح عندما تستريح أنت، إذ يجب أن تعمل شبكته بدقة لكي يؤدي الجسم وظائفه بشكل صحيح. لكن لدى بعض الأشخاص، تعمل العصبونات في الدماغ بمعدلات غير منتظمة، فتطلق إشارات كهربائية أو نبضات عصبية بشكل مفرط.

مرض باركنسون Parkinson’s disease هو حالة تُطلِق فيها العصبونات إشارات بمعدلات متزايدة وباندفاعات غير منضبطة، مما يؤدي بمرور الوقت إلى موت الخلايا العصبية المسؤولة عن إنتاج الدوبامين Dopamine في الدماغ. يُعَدّ الدوبامين عنصرًا أساسيًا للتحكم في حركات الجسم، ولذلك قد يظهر لدى مرضى باركنسون رجفان في اليدين أو الذراعين، وصعوبة في الحركة السريعة، وضعف في التنسيق الحركي، وتيبس في العضلات. ويمكن لتحفيز الدماغ العميق Deep brain stimulation (اختصارًا: التحفيز DBS) أن يسهم في علاج هذه الأعراض، إذ يُستخدم كإجراء جراحي عصبي يعتمد على نبضات كهربائية لمعادلة النشاط غير الطبيعي في الدماغ. وعلى غرار منظم ضربات القلب Pacemaker الذي يعيد الإيقاع المنتظم للقلب، يرسِل جهاز تحفيز الدماغ العميق إشارات كهربائية إلى الدماغ بطريقة محكومة. يُزرع الجهاز تحت جلد الصدر ويتصل عبر سلك بقطب كهربائي مدمج داخل الدماغ.

هل كنت تعلم؟ بحلول العام 2050، سيصل عدد المصابين بمرض باركنسون حول العالم إلى نحو 25 مليون شخص وفق التقديرات.
تُزرع أقطاب كهربائية، كالظاهرة في مركز هذه الصورة، داخل الدماغ

ابتكرت تقنية تحفيز الدماغ العميق أساسًا لعلاج مرض باركنسون، لكن يمكن استخدامها في عديد من الحالات الأخرى الناتجة عن نشاط عصبي غير منتظم. تُجرى حاليًا أبحاث إضافية لمعرفة الحالات التي قد تستفيد من هذه التقنية، إذ يمكن استخدامها لإعادة موازنة الانفعالات في الدماغ والمساهمة في التحكم في الإدمان، كما تُدرس إمكانية توظيفها في تحسين أعراض مرض ألزهايمر Alzheimer’s disease. وعلى الرغم من أن تحفيز الدماغ العميق قد يُحدث تحولًا كبيرًا في حياة المرضى، فإنه ينطوي أيضًا على بعض المخاطر. فالتدخل في الخلايا الدماغية قد تترتب عليه تأثيرات غير متوقعة، مثل ارتباك مؤقت أو دائم، أو صداع، أو تغيرات في الرؤية أو الكلام. وعلى الرغم من ندرة هذه الآثار، فإن هذا الإجراء يُلجَأ إليه عادة كخيار أخير للمرضى الذين لا تستجيب حالاتهم المُنهِكة للعلاج الدوائي.

إرسال الإشارات

كيف يمكن للأسلاك المزروعة داخل الجسم الحفاظُ على الوظائف المثلى للدماغ

1 قطب كهربائي Electrode

يزرع سلك رفيع معزول عميقًا في الدماغ لتوصيل النبضات الكهربائية إلى منطقة محددة.

2 المنطقة المستهدفة Target Area

إحدى المناطق المستهدفة الشائعة في الدماغ هي النواة تحت المهاد Subthalamic Nucleus، وفي مرض باركنسون، تصبح هذه المنطقة مفرطة النشاط بسبب انخفاض مستويات الدوبامين.

3 سلك التمديد Extension Wire

يقع هذا الكبل المرن تحت الجلد، ويربط بين مولد النبضات وقطب الدماغ.

4 مولد النبضات Pulse Generator

يزرع جهاز صغير يعمل بالبطارية أسفل عظمة الترقوة، ويولد إشارات كهربائية لتصحيح الإشارات المضطربة في الدماغ.

5 مسار التحفيز Stimulation Pathway

يُرسَل التيار الكهربائي من المولّد إلى القطب المزروع في الدماغ، ويمكن لمتخصصي الرعاية الصحية تعديل هذه الإشارات باستخدام جهاز تحكم خارجي.

6 طاقة قابلة لإعادة الشحن Rechargeable Power

تُشحن بطارية الجهاز لاسلكيًا عبر وضع جهاز الشحن على الجسم فوق المُحفِّز.

هل كنتَ تعلم؟ لا يحتوي الدماغ على مستقبلات للألم

5 حقائق عن الحالات المعالَجة بتحفيز الدماغ العميق

1 الرعاش الأساسي

حالة تصيب الجهاز العصبي وتسبب انقباضاتٍ عضلية لا إرادية. ترسل الأقطاب الكهربائية نبضات خفيفة إلى المنطقة المتأثرة لتعطيل الإشارات الدماغية الشاذة.

2 متلازمة ميغ

تؤثر متلازمة ميغ في ملامح الوجه وتسبب تشنجات متكررة حول العين والفك. تظهر نتائج علاج هذه الحالة عادة بشكل تدريجي خلال الأشهر التالية للجراحة.

3 الصرَع

لعلاج هذه الحالة الدماغية المزمنة، بما في ذلك الاختلاجات غير المتوقعة الناتجة عن نشاط كهربائي غير منتظم، تستهدف النواة الأمامية Anterior nucleus، التي تقع في المهاد وتعمل على تنظيم النشاط الكهربائي بين المناطق التي تُسبب الاختلاجات.

4 متلازمة توريت

تسبب هذه الحالة صدور حركات لا إرادية وأصوات تلقائية. يمكن لتحفيز الدماغ العميق تحسين وظائف الدارات الحركية والحوفية Limbic لتقليل هذه التشنجات.

5 اضطراب الوسواس القهري

أحد الأعراض الرئيسية لاضطراب الوسواس القهري هو الأفكار التسلطية الناتجة عن مسارات عصبية مفرطة النشاط. يمكن لتحفيز الدماغ العميق محاولة تنظيم هذا النشاط، إلا أن النتائج الملحوظة قد تستغرق عدة أشهر لكي تظهر.

مريض يرتدي إطارًا تجسيميًا بينما يقوم الجرّاح بإدخال قطب كهربائي إلى الدماغ

علامَ تنطوي الجراحة؟

تتضمن الجراحة اللازمة لتركيب أجهزة تحفيز الدماغ عنصرين أساسيين: أولًا زرع الأقطاب الكهربائية Electrodes داخل الدماغ، وثانيًا إدخال مولد النبض Pulse generator وسلك تحت الجلد. وقبل ذلك، يخضع المريض للتصوير الدماغي لتحديد الموضع الدقيق الذي سيُزرع فيه القطب الكهربائي، وذلك باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي Magnetic resonance imaging (اختصارًا: التصوير MRI). قبيل الجراحة، يُثَبَّت إطار صلب يُسمى الإطار التجسيمي Stereotactic frame على الرأس لإبقائه ثابتًا وضمان دقة إدخال الأقطاب الكهربائية، وغالبًا ما تُزرع الأقطاب بينما يكون المريض مستيقظًا وواعيًا لتحليل نشاط الدماغ في أثناء العملية. ويُستخدم مخدر موضعي لتخدير رأس المريض حتى لا يشعر بالألم في أثناء الجراحة، علمًا بأن الدماغ نفسه لا يشعر بالألم.

في المرحلة الثانية من الجراحة، يُزرع مولّد النبض تحت جلد الصدر. ويُستخدم التخدير العام في هذه الخطوة، بحيث يكون المريض نائمًا. وفي هذه الأثناء، يوجِّه الجرّاح الأسلاك عبر الجسم لربط القطب الكهربائي في الدماغ بالمولّد. ولا يشغّل الجهاز مباشرة بعد الزرع؛ فبعد تعافي المريض من الجراحة، يُفعَّل الجهاز ويعمل الأطباء على ضبط الإعدادات المثلى للتحكم في أعراض المريض.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى