التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

أبحاث في حقل ميكانيك الأجسام المتواصلة .لنسامح التصميم تفهم الفشل

2014 لنسامح التصميم

هنري بيتروكسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الهندسة

كما هو التقليد المتبع في العديد من مختبرات البحوث، كنا نجتمع في مكتنفنا بشكل منتظم لتناول القهوة، حيث يقوم طلاب الدراسات العليا والأساتذة بالاختلاط والحديث عن عملهم وأفكارهم، وكانت تعقد استراحة القهوة لمجموعة الكونكريت في غرفة مختبر مليئة بمنصّات الكيمياء والأجهزة، وهناك، ما بين أنابيب الاختبار وأجهزة الطرد، كنت أجادل زملائي دوماً حول التمايزات بين الميكانيك النظري والميكانيك التطبيقي، وكنت قد تعرّفت خلال دراستي الجامعية الأولية على تاريخ وفلسفة العلوم، واستمرّيت في القراءة عن هذه المجالات في أوقات فراغي كطالب في الدراسات العليا، وقد تشابك هذا الاهتمام بشكل جميل مع المنحى البديهي لميكانيك الأجسام المتواصلة وهو الذي جلب انتباه المشرف دون كارلسون (Don Carlson) لي، وهو مواطن من الوسط الغربي (Midwesterner)، ولد في تامبيكو (Tampico) – القرية الصغيرة في شمال غرب إلينوي (Illinois) وهي كذلك مسقط رأس رونالد ريغان – كان طالباً في إلينوي، حصل على البكلوريوس في ميكانيك الهندسة، كما كان يطلق على هذا المساق في تام، وبعد عمله المحدّد في كلية الدراسات العليا، عاد مؤخراً إلى القسم كمساعد أستاذ شاب يحمل شهادة دكتواره حديثة من جامعة براون (Brown University) حيث كانت الهندسة والرياضيات التطبيقية مترابطتان بشكل كبير.

ميكانيك الأجسام المتواصلة، كما تعلّمه دون ودرّسه لا يمكن فصله افتراضياً عن الرياضيات، وكما يستدلّ من الاسم، فميكانيك الأجسام المتواصلة يُعنى بالعلاقات البينية بين القوى، والحركات، وتغييرات شكل الأجسام المفترض أن تكون متكوّنة من أجزاء متلاصقة، عكس المنظومات الفيزيائية المتكوّنة من أجزاء منفصلة كالذرات أو كرات البليارد أو الكواكب، وطول الوقت الذي كنت فيه في كلية الدراسات العليا، كانت قمة "الموضة" في حقل ميكانيك الأجسام المتواصلة هي تبرير عقلاني لأسسه، وهذا يعني غرس مفرداته في بنية رياضية صارمة. لتوضيح الموضوع يقوم دون بكتابة فرضيّاته، والنظريات، والقضايا، والبديهيات وما شابهها على السبورة. ثم يعمل على إثباتها وكأنما نحن في درس للرياضيات، حتى يستنتج، بالبرهان الرياضي بتأكيد: "هذا المطلوب إثباته" (quod erat demonstrandum – QED). وتتم الإثباتات بمنطق رياضي بحت، ثم، ما اعتقدنا أنه الأفضل أساتذة وطلاباً نتبع الإثباتات بالحروف الإغريقية. وما كان مفقوداً في هذا المنحى، مع ذلك، كان عادة إغراء التوجّه للإثباتات التجريبية كأساس وحافز للمعالجة الرياضية.

لا أذكر أن كلمة "فشل" استخدمت كثيراً في المحاضرات، أو الأوراق أو الكتب حول ميكانيك الأجسام المتواصلة. فالنظريات الرياضية لم تفشل، حيث إنها كتبت على السبورة واستنسخت من قبل الطلاب في دفاتر ملاحظاتهم بانبهار وقرار مسبق بالصواب والاكتمال واليقين الذي كان معدياً. ما أجمل ما كان كل شيء، يسير رياضياً من الفرضية من خلال الإثبات حتى الاستنتاج، والمحاضرة، والدرس، والملاحظات كانت بعيدة تماماً عن المختبر، والاختبار وصدمة قِطع الفولاذ المتكسّرة في مسار الرافعة. وأقرب ما وصلنا إليه لمفهوم الفشل هو دحض فرضية ما من خلال مثال مضاد، والكلمات التي استخدمت في تمارين كهذه مرتبطة برموز رياضية مطابقة للرموز المستخدمة في الفيزياء والهندسة – القوة، الكتلة، التسارع، الطاقة – ولكن هذه الأسماء، بالنسبة لي على الأقل، كانت أسماء لرموز بدلاً من دلالات لمفاهيم.

عقدتنا التي حيرت بعضا منا في مجال ميكانيك الأجسام المتواصلة، ماذا سنسمّي أنفسنا. فإذا قلنا إننا ميكانيكيون وقعنا في خطأ اعتبارنا عمّالاً يدويين أو حرفيي مكائن، أو مصلحي مكائن، أو عمالاً في مسار الرافعة، وقد فضّل البعض تسمية ميكانيسيان (Mechanician)، ولكنها بدت وكأنها تسمية منمّقة ولاتينية أكثر من كلمة ميكانيكي، واقترح بعض المتحلّين بعقلية تاريخية تسميتنا هندسيون (Geometers)، إلا أن ذلك قد يشير إلى التركيز على "المكان" (Space) على حساب "الزمن". إضافة لذلك، فالكلمة مندثرة تقريباً وتجلب للذاكرة حقل الجغرافيا بدلاً من الميكانيك، وقد نسمي أنفسنا مهندسين، لكن ميكانيسيانيو الأجسام المتواصلة – مصطلح ثقيل، لكنه بديل غير غامض – يحاولون إبعاد أنفسهم باستمرار عن الهندسة، التي لديها دلالات عسيرة بذاتها مع كلمة مهندس وتسترجع صورة سائق قطار يرتدي قبعة مخطّطة بالأزرق والأبيض وكأنها صُنعت من قماش الوسائد.

ذهب بعض المهندسين النظريين – هذا المصطلح الغامض الممتع يوحي بأن الذين يعملون في التأمّلات النظرية هم مهندسون نظرياً فقط – ذهبوا بعيداً لتسمية أنفسهم علميين، وفي الحقيقة، إن المنظومة الأكاديمية ساعدت ودعمت هذا التوجّه بتصنيف العديد من الدرجات الهندسية، كدرجات بكالوريوس علوم، واعتبر مهندسون نظريون آخرون أنفسهم مهندسي بحوث، مبعدين أنفسهم بذلك عن سائقي القطارات وعن مهندسي التصاميم، ومن الواضح أنهم يربطون أنفسهم بمقدّمة البحث والتطوير، وفي نظرهم أن المؤخرة هي ربما أقرب إلى التصميم [العمل التصميمي]، ويرتبط البحث عموماً بالجهود الناجحة – أما الجهود غير الناجحة فلا تُذكر. على التطوير أن يجابه لحظة الحقيقة، حيث يتم اختبار تبعات نظرية جديدة على الواقع لبيان إمكان تحقُّقها من عدمه. فالعلميون ينجحون والمهندسون يفشلون، ولكننا كنّا نجهل ملاحظة اللورد كيلفن (Lord Kelvin) التي تقول بأن "ماكنة البخار قدّمت للعلم أكثر مما قدمه العلم لماكنة البخار".

طول الوقت الذي كنت فيه طالباً في الدراسات العليا اعتمدت على مخصّصات التدريس في المعيشة، وهذا لا يعني فقط أن انتمائي لم يكن لأية مجموعة بحثية، بل يعني أيضاً أنه لم يكن لديّ أي مكتب أساس. فأينما وُضع مكتبي وجدت نفسي في أراضٍ غريبة دخلتها بتأشيرة، ومع ذلك، عندما كان مكتبي المؤقّت في مختبر الكونكريت، كنت أنجذب طبيعياً لجيراني خلال استراحات القهوة لتبادل الحديث، ومن بين المواضيع التي كانت تناقش بين طاولات المختبر، والأجهزة الكيميائية، وغرابيل الحصى، وأجهزة الاختبار الموضوعة على الطاولة وغبار الإسمنت المنتشر في كل مكان، كانت مواضيع طبيعة القوة ووضع قوانين نيوتن، وفي أكثر الحالات كنا نتكلّم عبر، وليس مع، بعضنا الآخر. فشلنا في التخاطب. وعندما نتكلم عن الفشل، فقد كان منحصراً في السياق الشخصي للفشل في امتحان في مادة معينة، أو امتحان تأهيل، أو امتحان أولي أو نهائي. وفي الحقيقة فإن الفشل في أي من هذه الامتحانات كان أكثر ندرة من الكلام عن الفشل فيها.

موقعي في مختبر الكونكريت أتاح لي التعرّف على جانب تطبيقي آخر لـتام، والتعرّف على الهندسة مقابل الميكانيك، وبما أن البحوث الكونكريتية ذات أهمية كبيرة للمهندسين المدنيين، فإن العديد من الطلاب والأساتذة الذين لهم علاقة بالبرنامج كانوا مرتبطين بالاختصاصين. فقسم الهندسة المدنية في إلينوي كان معروفاً بشكل واسع وتقديره عالٍ، ويعود ذلك بشكل كبير للعديد من الأساتذة الألمعيين والخريجين الناجحين. والتمايزات بين الميكانيك – سواء النظري أو التطبيقي – والهندسة كانت في بعض الأحيان دقيقة، خاصة في قاعة المحاضرة، ولكنها كانت مثيرة خارج الإطار الأكاديمي. لذا، بينما يمكن لطلاب تام والهندسة المدنية استخدام نفس الكلمات عندما يدخلون في حوار فنّي، لكن اهتماماتهم كانت في النهاية بمواضيع بعيدة عن بعض البعض بشكل واسع. فقلما أطلق الميكانيك على أنفسهم لقب مهندسين، وكثيراً ما كان يُعتقد أنهم علميّون، أو على الأقل علميون في الهندسة. أما المهندسون، فعلى النقيض من ذلك، كانوا فخورين ومرتاحين من الطريقة التي يعرّفون بها.

بسبب توسّع تام، الذي برز في توظيف أساتذة جدد، أصبح المكان ضيّقاً، وطلاب دراسات عليا مثلي، ممن ليس لديهم حاجة ملحّة ليكونوا قرب أجهزة الاختبار، تمّ نفيهم إلى مبنىً عبر الشارع يطلق عليه، ربما بنحوٍ مناسب، مشغل الخشب (Woodshop)، والحقيقة أن اسمه مشتقٌّ من استخدام عملي سابق للمبنى، لكن منهج الهندسة تطوّر بعد الحرب ليكون أكثر اعتماداً على العلوم وبالتالي لم يعد ضرورياً تكريس المبنى بكامله لأجهزة النجارة لأغراض الأثاث والأشكال وبناء النماذج، وتم تحويل الجزء الأمامي من المبنى إلى صفوف للدراسة ومكاتب لطلاب الدراسات العليا،. وهناك قضيت ما تبقّى من أيامي في إلينوي، أذهب إلى مختبر تالبوت فقط كي أتفقد البريد، وأحضر الندوات، أو أستشير المشرف، أو ألتقي بأحدهم للسير عبر شارع رايت لتناول القهوة أو البيرة.

بالرغم من تعرّضي غير الرسمي لموضوع الإجهاد وبحوث الكونكريت في إلينوي، فقد بقيت متمترساً في "المخيم" النظري لعقد آخر من الزمن، أنشر نتائج المعالجات الرياضية في ما اعتقدت أنها مجلّات علمية مرموقة، بما يساهم في تكوين سيرة ذاتية محترمة لي. لكن كانت هناك إشكالية دائمة في ذهني، إذ كلّما شعرت بأني قد استوعبت علم الهندسة كلما شعرت أني بعيد عن فهمها، وهو الموضوع الذي كنت قد استُؤجرت لتدريسه في جامعة تكساس في أوستن، وما أبعدني عن برنامجي الصارم من المعادلات هو ما تعلّمته في مختبر أرغون الوطني (Argonne National Laboratory)، وعندما دُعيت هناك لأقدّم ندوة حول عملي، وجدت نفسي أمام مجموعة من الباحثين في قسم علوم المواد، وتبيّن لي سريعاً أن باستطاعتهم متابعة الرياضيات التي قدّمتها، لكنني لم أكن قادراً على الإجابة عن أسئلتهم المتجذّرة في فهم عميق للمواد في العالم الحقيقي – وكيفية فشلها. لقد أرادوا معرفة كيفية ارتباط الكميات الرياضية – التي كنت أتكلّم عنها وأتعامل معها بسهولة ظاهرة كعوامل في معادلة – مع المواد الحقيقية التي لا تتناسب صعوبة التعامل معها مع سهولة التعامل مع بنود معادلة رياضية، وبغياب المختبر والخبرة العملية، لم أستطع تقديم جواب مقنع، على الأقل جواباً مقنعاً لي.

في ذلك الوقت، كان أحد أهداف مختبر أرغون الرئيسية هو تطوير – مفاعل نووي مبرّد بسائل معدني يمكن له أن ينتج وقوداً أكثر مما يستهلك خلال عملية التشغيل، وهي بوضوح مسألة هندسية حقيقية، يعتمد حلّها على تعاون الفيزيائيين النوويين وعلماء المواد وميكانيكيّي السوائل ومهندسي الإنشاء، وعدد من الاختصاصيين الآخرين يعملون في مبانٍ متعدّدة تقع على الطريق الدائرتيّ الداخلي في موقع المختبر، وخلافاً لأجواء الجامعة، حيث تقوم مجموعات مستقلة من أساتذة وطلاب دراسات عليا بالعمل على مسائل منفصلة وقلما تفاعلوا بين بعضهم، كان العمل في المختبر ذا طبيعة هادفة، فالحاجة كانت طبيعية وملحّة لتفاعل حقيقي ما بين الاختصاصات، والنجاح والفشل هي خبرات جماعية.

لقد راقت لي فكرة العمل على مسألة مشتركة بمعيّة تخصّصات واسعة من العلميين والمهندسين، في الأقل، لأنها تعطيني فرصة الاطلاع على العلاقة ما بين العلم والهندسة، وبدا لي أن برنامج البحث والتطوير والإيضاح للمفاعل النووي هو المكان الطبيعي لتلاقي جانبي الميكانيك النظري والتطبيقي، وعندما عُرضت على وظيفة في المختبر، قبلتها فوراً، لتتاح لي الفرص لتعلّم أمور ليس في مقدور العمل في الجامعة أن يحقّقها لي في هذه المرحلة من حياتي المهنية.

كان عنوان وظيفتي الرسمي في أرغون مهندس ميكانيك، وكنت تابعاً لقسم التحليل وسلامة المفاعل، وكما فهمت، فالقسم مسؤول عن تحليل النشاط النووي الحاصل في قلب المفاعل وفهم تبعات أية عمليات غير طبيعية على السلامة – أي الفشل، في الواقع – التي يمكن أن تحدث في موقع التشغيل. (وكما في ناسا فالصناعة النووية تزخر بتعبيرات تلطيفية "للفشل"). تشمل مثل هذه الأنشطة غير الطبيعية أي شيء يمكن تخيّله، من الإزالة غير المقصودة لعصا التحكّم إلى الارتفاع المفاجئ للحرارة الذي يصاحب انقطاع سريان سائل التبريد، والسيناريو الأخير هذا يمكن له أن يحدث إذا – على سبيل المثال – حصل تشوّه في أحد أنابيب التبريد ليتطوّر إلى انشقاق يُضعِف الأنبوب إلى درجة يجعله ينكسر فجأة وبشكل كبير غير متوقّع، ويسبّب تسرباً لسائل التبريد بشكل أسرع من وتيرة ضخّه – وهو، بوضوح، حالة غير عادية خطيرة، أو حالة فشل، وأعطي اهتمام كبير، لمّا يسمّى "حادث معرقل تخيلي في قلب المفاعل" (Hypothetical Core Disruptive Accident – HCDA)، وهو السيناريو الأكثر خطورة للفشل، وكان من المتخيّل أن يحصل إذا ما حصلت سلسلة من حالات الفشل لتؤدّي إلى وقود نووي مائع يتفاعل مع سائل الصوديوم لتكوين فقاعة غازية مضرّة – بمعنى، انفجار من نوع ما ، رغم أن كلمة "انفجار" لم تستخدم. وكمفهوم، فإن HCDA باعد – مثل هذا الحادث المعرقل – ما بين النظرية والواقع لكونه بنية تخيلية وحادث في آنٍ واحد، مع نتائج حقيقية محتملة، وكان أحد الأسئلة المهمة هل أن وعاء الضغط الفولاذي الذي يحتوي قلب المفاعل سينكسر خلال حادث من هذا النوع؟ في كل ما كنت أنظر إليه حولي في أرغون كنت أرى التركيز على الفشل والمشاكل التي يطرحها.

بما أنه لا يوجد ضمن القسم من هو مختص بتحليل الأنابيب المتشقّقة والمكسورة، فقد كلفت بمهمة انتقاء وقيادة مجموعة جديدة في مجال كسور الميكانيك، وفي 1975، عندما انتقلت إلى أرغون، كان هذا مجال جديد يتضمّن مواضيع لم تكن تدرس بشكل واسع في الجامعات. لقد كان هناك اهتمام بحثي منتظم في الموضوع منذ منتصف القرن، وقد نشرت فيه بحوث نظرية في مجلة الميكانيك والفيزياء للأجسام الصلبة (Journal of Mechanics & Physics of Solids) التي بدأت عام 1952، ولكن مجلة هندسة ميكانيك الكسور (Engineering Fracture Mechanics)، وهي مجلة أكثر ميلاً للتطبيق، بدأت منذ 1969 والمجلة العالمية للكسور (International Journal of Fracture) بدأت عام 1973، وفي منتصف السبعينات من القرن الماضي، بدأت تظهر أوائل الدراسات والكتب المنهجية حول الموضوع، وبالنسبة لي، كانت جميعها مصادر لا بديل منها لمعرفة الموضوع الذي لم يذكر حتى في كلية الدراسات العليا.