بقلم: أليكس ديل
عندما نفكِّر في «تلوّث الهواء» Air pollution، غالبًا ما تتبادر إلى الذهن صور الضباب الدخاني، مثل السحابة الكثيفة التي كثيرًا ما تخيِّم فوق بكين. فكثافة الجسيمات الخطرة في هواء العاصمة الصينية مرتفعة إلى درجة أنه في فبراير 2014، وبعد أيام من الطقس الساكن من دون رياح، اضطرت الحكومة إلى إصدار إنذار تلوُّث برتقالي، وهو ثاني أعلى مستوى إنذار ممكن. نُصح السكان بارتداء كمامات الوجه، وطُلب من المدارس تقليص الأنشطة الخارجية، كما أُمِرت المصانع بخفض إنتاجها. قد يكون من السهل أن نُبعد أنفسنا عن مثل هذه السيناريوهات الكابوسية عندما نكون في الجانب الآخر من العالم، لكن ربما ينبغي لنا ألا نطمئن كثيرًا؛ إذ يتفق خبراء تلوُّث الهواء على أن صفاء السماء لا يعني بالضرورة أن الهواء صحي.
الدكتورة ميشيل بيل Michelle Bell هي أستاذة كرسي ماري إي. بينشوت للصحة البيئية في جامعة ييل، وتركِّز أبحاثها على دراسة العلاقة بين تلوّث الهواء وصحة الإنسان. وتوضح بيل قائلة: «على الرغم من أن بعض ملوِّثات الهواء يمكن رؤيتها، فإن مدى الرؤية لا ينبغي تفسيره على أنه مرادف لجودة الهواء. تظهر الآثار الصحية لهذه الملوِّثات في مناطق حضرية خارج المدن العملاقة التي تتناولها وسائل الإعلام. ففي الولايات المتحدة وحدها، يعيش أكثر من 100 مليون شخص في مناطق تتجاوز المعايير الصحية للتلوُّث بالأوزون». إن العبء الصحي الناتج عن ملوِّثات الهواء كبير. فقد اكتشفت الوكالة الدولية لبحوث السرطان International Agency for Research on Cancer وجود ارتباط واضح بين تلوُّث الهواء وسرطان الرئة، وربما سرطان المثانة أيضًا. وإضافة إلى ذلك، خلال بحثها في الضباب الدخاني العظيم الذي ضرب لندن في العام 1952، والذي نجم عن ظروف مشابهة لتلك التي أصابت بكين أخيرًا، اكتشفت بيل أن آلاف الوفيات التي نُسبت سابقًا إلى الإنفلونزا كانت على الأرجح نتيجة أمراض تنفسية وقلبية وعائية تسببت فيها الملوِّثات. تقول بيل: «نحن اليوم نعرف عن تأثير تلوُّث الهواء في الصحة أكثر بكثير مما كنا نعرفه في العام 1952». كما يقدَّر مشروع العبء العالمي للأمراض أن تلوُّث الهواء يُعَد من بين الأسباب العشرة الأولى للوفاة في كلٍّ من الدول المتقدمة والنامية. وعلى الرغم من وجود بعض الإجراءات التي يمكن اتخاذها للحد من تلوُّث الهواء، فإن هذه إحدى الحالات التي تكون فيها الوقاية خيرًا من العلاج. إذ تضطلع الوكالة الأوروبية للبيئة بتتبّع الانبعاثات في كل دولة أوروبية بعناية، وقد انخفضت مستويات الانبعاثات الإجمالية منذ العام 1990، مما أسهم في تحسُّن جودة الهواء في أنحاء المنطقة. لكن التركيزات لا تزال مرتفعة أكثر من اللازم، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن خفض الانبعاثات لا يؤدي دائمًا إلى انخفاض مماثل في تركيزات التلوّث في الغلاف الجوي، وذلك بسبب تعقيد مزيج الملوِّثات في هوائنا. إن تحسين فَهمنا للعلاقة بين الانبعاثات وجودة الهواء أمر حيوي إذا أردنا ألّا تصبح المشاهد التي شوهدت في بكين واقعًا معتادًا.
المصادر البشرية لتلوث الهواء
تتكوَّن الملوِّثات الموجودة في هوائنا من مزيج معقَّد من المواد الكيميائية والغازات والجسيمات المحمولة جوًا، التي تصل إلى الغلاف الجوي نتيجة لمجموعة واسعة من الأنشطة البشرية والطبيعية. وتشمل المصادر الطبيعية رذاذ ملح البحر والغبار الذي تحمله الرياح، غير أن بعض أكثر الملوّثات ضررًا ناتج عن وسائل النقل والصناعة
![]()
1 التبخُّر Evaporation
تجفّ بعض البحيرات، مثل بحيرة سالتون في كاليفورنيا، بسبب تغيُّر المناخ. ومع تبخُّر مياه البحيرة، تنكشف سموم مثل الزنك والرصاص والمبيدات الحشرية المرتبطة بالرواسب. ويمكن للرياح بعد ذلك أن تحمل هذه الرواسب إلى الغلاف الجوي.
2 التلوث الداخلي Indoor Pollution
في المنازل سيئة التهوية، تُشكِّل مواد التنظيف الكيميائية والعفن والبكتيريا وأول أكسيد الكربون المنبعث من المرائب المتصلة مخاطر صحية كبيرة. وفي الوقت نفسه، يمكن لغاز الرادون الموجود طبيعيًا أن يتسرَّب عبر أساسات المباني.
3 الزراعة Agriculture
تُعَد الزراعة والحراجة من أبرز أسباب تلوُّث الهواء. ووفقًا للبيانات الحكومية، تتحمَّل الزراعة مسؤولية نحو %46 من انبعاثات الميثان في المملكة المتحدة، ويأتي معظمها من الماشية والروث. يؤدي العلف الرخيص إلى تفاقم المشكلة لأنه يسبِّب عسر هضم للحيوانات. وعندما يتحلَّل الروث، يلوِّث الهواء بمجموعة من الغازات، من بينها ثاني أكسيد الكربون وكبريتيد الهيدروجين.
4 حركة المرور Traffic
يُعَد النقل البري أحد الأسباب الرئيسية للتلوُّث، إذ تنتج عملية احتراق الوقود عديدًا من الملوِّثات الضارة كنواتج ثانوية، بما في ذلك أكاسيد النتروجين وأول أكسيد الكربون والهيدروكربونات. يمكن لأكاسيد النتروجين أن تؤثر في الكبد والرئتين والطحال والدم، في حين يُعَد أول أكسيد الكربون غازًا سامًا يرتبط بأمراض القلب وتلف الجهاز العصبي.
5 مكبات النفايات Landfills
تُنتج النفايات الملقاة في مكبّات النفايات كميات كبيرة من غاز الميثان عند تحلُّلها بفعل الميكروبات. وإلى جانب كونه غازًا دفيئًا، فإن الميثان قابل للاشتعال، كما يمكنه إزاحة الأكسجين في البيئات المغلقة.
6 الصناعة Industry
يؤدي احتراق الوقود المحتوي على الكبريت، مثل الفحم والزيوت الثقيلة، إلى إنتاج أكاسيد الكبريت التي تُقيِّد تدفُّق الهواء إلى الرئتين. كما تُنتج صناعات الحديد والصلب جسيمات الرصاص التي قد تؤثر في التطوُّر العقلي لدى الأطفال الصغار إذا وُجدت في الهواء بكميات كافية. تنتج مصافي النفط كميات كبيرة من الهيدروكربونات.
بالأرقام
90,000
حالة وفاة مبكرة تقع في الولايات المتحدة سنويًا بسبب تلوث الهواء الناجم عن النفط والغاز.
96%
من سكان المناطق الحضرية في أوروبا يتعرَّضون لتركيزات من الأوزون القريب من سطح الأرض تتجاوز إرشادات منظمة الصحة العالمية.
%94
من سكان المناطق الحضرية في أوروبا يتعرّضون لتركيزات من الجسيمات العالقة تتجاوز إرشادات منظمة الصحة العالمية.
تأثير التلوث في صحتنا وفي البيئة
يُعَد غلافُنا الجوي نظامًا غازيًا دقيق التوازن يدعم الحياة على كوكب الأرض. ولا يقتصر إدخال الملوِّثات الضارة إليه على جعلنا نلهث طلبًا للهواء، بل يُلحق أضرارًا بكوكبنا بطرق أخرى أيضًا
![]()
1 استنفاد الأوزون Ozone Depletion
طبقة الأوزون هي حزام من غاز الأوزون الموجود طبيعيًا يعمل درعًا واقيةً لنا، إذ يمتص الأشعة فوق البنفسجية الضارة الآتية من الشمس. وكانت مركَّبات الكلوروفلوروكربون Chlorofluorocarbons (اختصارًا: المركبات CFCs)، التي استُخدمت في بخّاخات الرذاذ حتى العام 1996، مسؤولة عن تآكل هذه الطبقة الواقية. فعلى الارتفاعات العالية، تفكك الأشعة فوق البنفسجية هذه المركَّبات إلى مواد مختلفة، من بينها الكلور. يتفاعل الكلور بعد ذلك مع جزيئات الأوزون ويدمّرها. وعلى الرغم من أن كمية الكلور في غلافنا الجوي آخذة في الانخفاض حاليًا، فقد يستغرق الأمر نصف قرن إضافيًّا قبل أن تعود إلى مستواها الطبيعي.
2 المطر الحمضي Acid Rain
يمكن لبعض الملوِّثات الحمضية أن تتفاعل مع قطيرات الماء في غلافنا الجوي، مُشكِّلة سحبًا محمَّلة بهطْل مطري حمضي يُلحِق أضرارًا بالنباتات والمباني على حدٍّ سواء. وبهذه الطريقة، قد تعاني مناطق بعيدة عن مصدر التلوُّث من الآثار الضارة لتلوُّث الهواء الصادر عن منطقة أخرى.
3 الأوزون القريب من سطح الأرض Low-Level Ozone
على الرغم من أن طبقة الأوزون جزء مهم من غلافنا الجوي، فإن وجود الأوزون (O₃) في الهواء الذي نتنفسه ليس أمرًا مرغوبًا فيه، إذ يمكن أن يسبِّب الأزيز وضيق التنفُّس والتهاب المسالك الهوائية. لا تُضيف أنشطتنا الأوزون مباشرة إلى الغلاف الجوي، بل تتفاعل أكاسيد النتروجين الناتجة عن احتراق الوقود الأحفوري مع ضوء الشمس لتكوين الأوزون عند المستويات القريبةمن سطح الأرض، حيث يشكِّل خطرًا على الصحة.
4 تأثير الدفيئة Greenhouse Effect
تُبقي غازات الدفيئة الموجودة طبيعيًا، مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان، كوكبنا دافئًا بما يكفي لدعم الحياة عبْر احتجاز الإشعاع الشمسي في الغلاف الجوي. يؤدي تلوّث الهواء إلى رفع تركيز هذه الغازات، مما يزيد من شدة هذا التأثير ويسهم في تغيُّر مناخنا.
5 المواد الجسيمية Particulate Matter
تُعرَف أيضًا باسم PM، وهي مزيج من جسيمات دقيقة وقطيرات سائلة تبقى معلَّقة في غلافنا الجوي. وعند استنشاقها، تُلحِق أضرارًا بالقلب والرئتين. تقول بيل: «نعلم أن الجسيمات الضئيلة الحجم، مثل تلك الموجودة في الدخان، تبدو شديدة الضرر بشكل خاص. وهذا منطقي، إذ إن هذه الجسيمات تتغلغل عميقًا داخل الجهاز التنفسي».
6 الإثراء الغذائي Eutrophication
هي العملية التي يُغنَى فيها نظام إيكولوجي، مثل بحيرة أو بركة، بالمغذِّيات الكيميائية كالنترات بمرور الزمن. يؤدي ذلك إلى فرط نمو الطحالب، ما يترك المسطح المائي في النهاية بلا حياة. يسهم تلوُّث الهواء في زيادة مستويات النتروجين في الهطل المطري، ولذلك فإن سقوط الأمطار يمكن أن يرفع من مستويات الإثراء الغذائي.
أكثر الدول تلوثًا في العالم بالجسيمات الدقيقة، مَقيسةً بالميكروغرام لكل متر مكعب من الهواء:
252,000
وفاة ناجمة عن سرطان الرئة تحدث سنويًا بسبب تلوث الهواء العالمي
أعلى عشرة
الأماكن الأكثر تلوثًا في بريطانيا على مؤشر جودة الهواء