
بقلم: سكوت داتفيلد
وجبة أحادية المعدة
ينتمي البشر، إلى جانب الغالبية العظمى من أنواع الثدييات والطيور الأخرى، إلى فئة الهضم أحادي المعدة. يعني ذلك ببساطةٍ أننا ورفاقَنا من الحيوانات نمتلك معدة ذات حجرة واحدة ضمن جهازنا الهضمي. تكون معدة الإنسان عادة بحجم قبضة اليد تقريبًا، وهي كيس واحد من السوائل الهاضمة الممتلئة بمزيج متنوع من المركبات الكيميائية والإنزيمات الأكّالة التي تعمل على تفكيك الطعام. تتميز البيئة داخل المعدة بحموضة شديدة، إذ يتراوح الأس الهيدروجيني pH فيها بين 1.5 و2.5. ويُعرَف الحمض السائد في المعدة باسم حمض الهيدروكلوريك Hydrochloric acid، وهو يُفرَز من خلايا متخصصة تُسمّى الخلايا الجدارية Parietal cells.
أما معظم الإنزيمات الهاضمة لدينا فتُنتَج وتُفرَز من البنكرياس. والإنزيمات هي جزيئات بروتينية تتمثل وظيفتها في تكسير الكربوهيدرات والدهون والبروتينات الأخرى. وقد صُمِّم كل إنزيم لتفكيك جزيئات محددة؛ فمثلًا، يكسر إنزيم الليباز Lipase الدهون، بينما يتولى إنزيم البروتياز Protease تكسير البروتينات. وبعد ذلك تنتقل محتويات المعدة المهضومة، المعروفة باسم الكيموس Chyme، إلى الأمعاء الدقيقة، حيث يُمتَص مزيد من الماء والمغذيات إلى مجرى الدم. وبعد المرور عبر الأمعاء الغليظة، تُضغَط المواد غير القابلة للهضم ومخلَّفات الطعام لتكوِّن البراز في المستقيم، قبل أن تُطرح خارج الجسم عبر الشرج.

تناول الطعام من دون معدة
لا يبدو أن كثيرًا من الأمور منطقية عندما يتـعلَّق الحديث بخُلْد الماء ذي المنقار البطّي. أهو بطّة مكسوّة بالفرو أم قندس ذو منقار؟ يُعَد هذا الحيوان واحدًا من اثنين فقط من الثدييات التي تضع البيض، كما يمتلك مهاميز سامة في كاحليه ويستخدم مجسات كهربائية للإحساس بالمجالات الكهربائية بطريقة مشابهة لأسماك القرش. وقد أُشير أيضًا إلى أن هذه الكائنات الغريبة تعيش حياتها من دون معدة عاملة. غير أن ذلك ليس دقيقًا تمامًا؛ فخُلْد الماء يمتلك معدة بالفعل، لكنها لا تحتوي على حمض، ولا يمكنها إفراز إنزيمات هاضمة. وبدلًا من ذلك، تُفرِز معدته مادةً غنية بالمخاط تعمل على تزييت الأمعاء والمساعدة على امتصاص المغذيات.

الميثان يوميً
رعي المجترات
طورت الحيوانات المجترة Ruminants، مثل الأبقار، جهازًا هضميًا يتيح لها استخلاص المغذيات من الأعلاف الليفية الخشنة كالعشب والتبن. وكما هي الحال لدى الحيوانات أحادية المعدة، تبدأ عملية الهضم في الفم، حيث تُفرَز بعض الإنزيمات الهاضمة من الغدد اللعابية Salivary glands لتفكيك جزيئات معيَّنة مثل الدهون والنشويات. غير أنّ الطعام، عند مروره عبر المريء، يصل إلى معدة كبيرة مكوَّنة من 4 حجرات مختلفة.
تستقبل كل حجرة الطعام في مرحلة مختلفة من مراحل الهضم؛ فبعضها يستخدم القوة العضلية لتفتيت المادة الغذائية، بينما تُغمَر حجرات أخرى

بسوائل هاضمة لاستخلاص المغذيات والماء. ومن السمات المميّزة للمجترّات قدرتها على «الاجترار» Ruminate، وهي عملية تتضمن إرجاع الطعام نصف المهضوم إلى الفم لمضغه مرة أخرى، فيما يُعرَف عادة بـ«مضغ المجترّ». وتساعد عملية البلع الثانية هذه على تكسير الغذاء صعب الهضم بصورة أفضل واستخلاص مغذِّياته بكفاءة أعلى. وهناك مجموعة محدودة من الحيوانات التي تأكل وتجترّ الطعام على نحو يشبه المجترّات، لكنها لا تمتلك حجرة الكرش في معدتها ذات الحجرات الثلاث، ومن بينها الجِمال والألبكة Alpacas. وتُعرَف هذه الحيوانات باسم المجترّات الكاذبة Pseudo-ruminants.

هضم لمدة 30 يومًا
لا تُعرَف حيوانات الكسلان Sloths بسرعتها؛ فهذه الثدييات البطيئة التي تعيش على الأشجار تقضي وقتها في قضم أوراق النباتات ببطء، وأحيانًا بعض الثمار. لكن البطء لا يقتصر على نمط حياتها فحسب، بل يشمل أيضًا عملية الهضم لديها، التي تُعَد بطيئة وممتدة زمنيًا. إذ يُهضَم النظام الغذائي منخفض السعرات الحرارية القائم على الأوراق عبْر معدة مكوَّنة من 4 حجرات، على غرار معدة الأبقار. لكن حيوانات الكسلان لا تحتاج إلى اجترار الطعام لمضغه مرة أخرى. قد تستغرق الرحلة التي تقطعها الورقة داخل الجهاز الهضمي للكسلان ما يصل إلى 30 يومًا. ونحو مرة واحدة أسبوعيًا، تنزل حيوانات الكسلان من قمم الأشجار لتتبرز على أرض الغابة، وخلال هذه العملية قد تطرح ما يقارب %30 من وزن أجسامها.
مضغ اللقمة المجترة
يتحرك بعض الطعام ذهابًا وإيابًا داخل الجهاز الهضمي للمجترات
![]()
1 المضغ Mastication
تمضغ الأبقار أو تطحن العشب الليفي لمدة قد تصل إلى 8 ساعات يوميًا، حيث يُمزَج الطعام باللعاب الغني بالميكروبات.
2 الكرش Rumen
في الحجرة الأولى من المعدة، يُخمَّر الطعام بمساعدة الميكروبات. تُطلِق نواتج هذه العملية، وهي غازا الميثان وثاني أكسيد الكربون، عبر التجشؤ.
3 الشبكية Reticulum
تنتقل قطع الطعام الكبيرة إلى الحجرة الثانية، التي تتميز ببنية تشبه قرص العسل. يُطوى الطعام داخل هذه الحجرة في كتل تُعرَف باسم اللُّقمة Cud.
4 الاجترار Regurgitation
تُعاد اللقمة من الشبكية إلى الفم لمرحلة ثانية من المضغ والهضم الفموي.
5 أم التلافيف Omasum
الحجرة الثالثة من المعدة كُروية الشكل وتحتوي على عديد من الطيات العضلية. تستقبل اللقمة بعد إعادة مضغها وتُفككها أكثر لاستخلاص المغذيات والماء.
6 المنفحة Abomasum
تُعَد هذه الحجرة الأكثر شبهًا بمعدة الحيوانات أحادية المعدة، وهي مملوءة بحمض الهيدروكلوريك والإنزيمات الهاضمة.
داخل المعى الخلفي
كيف تُجري بعض الحيوانات معظم عملية الهضم في الأمعاء الغليظة
![]()
1 المضغ Chewing
يُقدر أن الخيول تنتج نحو 12 لترًا من اللعاب يوميًا للمساعدة على تليين الطعام قبل مروره عبر الجهاز الهضمي.
2 المعدة Stomach
عندما يصل الطعام الممضوغ إلى المعدة، تبدأ الإنزيمات والأحماض في هضم السكريات والنشويات.
3 الأمعاء الدقيقة Small Intestine
لا يستغرق مرور الطعام عبر الأمعاء الدقيقة سوى نحو 45 دقيقة، حيث يُمتص جزء من الدهون والنشويات والبروتينات المستخلَصة.
4 الأمعاء الغليظة Large Intestine
تُعد هذه المرحلة من الهضم في المعى الخلفي مماثلة لوظيفة كرش البقرة، إذ يتمثل دورها في احتجاز الطعام وتخميره عدة ساعات.
5 الفطريات Fungi
تَستخدم الفطريات المتخصصة بنى تُسمّى الخيوط الفطرية Hyphae لاختراق الجدران الخلوية للمادة النباتية وتفكيكها.
6 الإنزيمات Enzymes
تُفرز الفطريات مجموعة من الإنزيمات التي تعمل على تفكيك المادة النباتية كيميائيًا، وهضمها، وتحويلها إلى كربوهيدرات وسكريات قابلة للامتصاص.
7 البكتيريا Bacteria
على غرار الفطريات، يمكن للبكتيريا تحويل الكربوهيدرات إلى فيتامينات وأحماض دهنية.

محبو التخمُّر
تخضع الحيوانات أحادية المعدة، بما في ذلك البشر، لقدر محدود من التخمُّر الميكروبي الذي يحدث في المعى الخلفي Hindgut، والذي يشمل الأعور والأمعاء الغليظة. ويعود ذلك إلى حدٍّ كبير إلى أن أنظمتنا الغذائية أغنى بالمغذيات وأسهل هضمًا. أمّا لدى المجترّات التي تتغذَّى على أطعمة غنية بالألياف العشبية، فيحدث التخمُّر في المعى الأمامي Foregut داخل الكرش. لكن ماذا عن الحيوانات غير المجترّة التي تشترك مع المجترّات في نوع الغذاء نفسه من دون امتلاك البنية الهضمية ذاتها؟ تُعرَف هذه الحيوانات، مثل الخيول والفيلة ووحيد القرن، عادة باسم مخمَّرات المعى الخلفي Hindgut fermenters.
على الرغم من امتلاك هذه الحيوانات جهازًا هضميًا أحادي المعدة، فإن المعى الخلفي لديها يكون أكبر نسبيًا بكثير مقارنة بما لدى البشر، إذ يشكِّل المعى الخلفي نحو %62 من جهازها الهضمي. يُعَد هذا الجزء، ولا سيما الأعور Caecum، الغني بالميكروبات، مركزًا رئيسيًا لعمليات التخمُّر. حيث تُخمَّر الكربوهيدرات المعقَّدة والألياف الموجودة في المادة النباتية وتُفكَّك بواسطة أعداد هائلة من الفطريات والبكتيريا المقيمة في المعى الخلفي. وتحوِّل هذه الميكروبات تلك المركَّبات إلى فيتامينات وأحماض دهنية وأحماض أمينية أساسية، وهي ضرورية لإمداد الجسم بالطاقة.

فطور الطيور
على الرغم من أن الغالبية العظمى من الطيور تتسم بهضمٍ أحادي المعدة، فإن رحلة الطعام من النقرة Peck إلى الفضلات تتخللها محطات إضافية. من أبرز سمات الطيور المنقار Beak؛ فعلى الرغم من كونه أداةً فعّالة لالتقاط الثمار والبذور، فإن غياب الأسنان يجعل مضغ الطعام أمرًا صعبًا. وبدلًا من ذلك، طوّرت عديد من الأنواع عضوين إضافيين يساعدان على تخزين الوجبات وتفكيكها ميكانيكيًا. أولهما الحوصلة Crop، وهي بنية تشبه الكيس تقع في المريء وتمتلئ بالطعام ليترطّب بمرور الوقت قبل انتقاله إلى مرحلة الهضم بالإنزيمات في المعدة. ثم تأتي القانصة Gizzard، وهي عضو عضلي تملؤه الطيور بالحصى والحجارة الصغيرة لتعمل بمنزلة «أسنان» تطحن الطعام في الداخل. أمّا الطيور اللاحمة التي تبتلع فرائسها كاملة، مثل البوم، فتتجمع في قانصتها المواد غير القابلة للهضم، كالعظام والفراء، إلى أن يُهضم اللحم المغذِّي بالكامل وينتقل

إلى الأمعاء الدقيقة. وبعد ذلك تُسعَل البقايا غير القابلة للهضم، والتي تتكوَّن أساسًا من العظام والفراء، وتُقذَف خارج الجسم على هيئة كُريات.
على الرغم من أن جميع الطيور تمتلك قانصة حصوية، فإنه ليس كل أصدقائنا ذوي الريش لديهم حوصلة. فطيور الطوقان Toucans، مثلًا، تفتقر إلى الحوصلة. لا تخزِّن هذه الطيور الطعامَ لاستخدامه لاحقًا، بل تبتلع الثمار كاملة. غير أن ذلك يعني مرور الطعام عبر جهازها الهضمي بسرعة أكبر وكفاءة أقل، مما يضطر هذه الطيور كبيرة المناقير إلى البحث عن الغذاء بشكل متكرر.
”ليس كل أصدقائنا ذوي الريش لديهم حوصلة“
بمساعدة الحجارة
تُسهم بضع خطوات إضافية ضمن عملية الهضم في مساعدة الطيور على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من وجباتها
![]()
1 الحوصلة Crop
يمكن أن يبقى الطعام في حوصلة الطائر عدة ساعات قبل الانتقال إلى المرحلة التالية من عملية الهضم.
2 المعدة الغُدّية Proventriculus
تمتلك الطيور معدة «حقيقية» غُدية تُسمّى المعدة الغدية Proventriculus، وهي الموضع الذي تُفرَز فيه الإنزيمات الهاضمة.
3 القانصة Gizzard
تجمع الطيور الحجارة داخل القانصة للمساعدة على طحن الطعام ميكانيكيًا.
4 أحجار جديدة New Stones
عندما تصبح الحجارة ملساء وغير فعّالة، إمّا أن تتقيأها الطيور إلى الخارج وإما أن تمُرّ عبر جهازها الهضمي مع البراز، ثم تُعيد ملء القانصة بحجارة جديدة.
5 الأمعاء Intestines
يُفكَّك الطعام في هذه المرحلة، حيث يُمتص الماء والمغذيات في الأمعاء الدقيقة والغليظة.
6 المَذْرَق Cloaca
على خلاف الشرج، الذي يُستخدَم حصريًا للتخلُّص من الفضلات الهضمية، يُعَد مذرق Cloaca الطائر فتحة تُخرج البول والبيض أيضًا.

طيور بحمض البطارية
داخل المملكة الحيوانية قلّةٌ من الكائنات تضاهي قدرات الهضم لدى نسر الأرقب Turkey vulture. تُشاهَد هذه الجوارح الكبيرة وهي تحلِّق في سماء جنوب كندا، حيث تتغذّى على عظام وبقايا الحيوانات المتحللة التي نفقت طبيعيًا أو قتلتها مفترسات أخرى. ولتفكيك العظام التي تبتلعها، تمتلئ معدة هذه الطيور بحمض مَعِدِي تزيد قوته بنحو 100 مرة على حمض معدة الإنسان، وهو مماثل في شدته لحمض بطارية السيارة. ولا يقتصر استخدام نسور الأرقب لهذا الحمض على الهضم فحسب، بل يمكنها أيضًا قذفه باتجاه المفترسات لمسافة تصل إلى 3م في هجمة تقيُّؤ دفاعي.
معِدة مريضة
كيف تتناول نجوم البحر طعامها خارج أجسامها قبل إعادة البقايا إلى الداخل
![]()
1 المعدة البوابية Pyloric Stomach
على خلاف المعدة القلبية، تبقى المعدة البوابية داخل جسم نجم البحر لتواصل هضم المغذيات التي تعيدها المعدة القلبية معها.
2 المعدة القلبية Cardiac Stomach
تُقذَف المعدة القلبية خارج فم نجم البحر وتُحيط بالفريسة، ما يسمح لنجوم البحر بالتعامل مع طعام يفوق حجم أفواهها بكثير.
3 الأعور المستقيمي Rectal Caecum
يُستخدم هذا الجيب الصغير لاحتجاز الفضلات غير المهضومة بين الأمعاء والشرج.
4 الأعور البوابي Pyloric Caecum
تمتد غدد هضمية بطول أذرع نجم البحر، والتي تُفرز الإنزيمات الهاضمة وتمتص المغذيات المتاحة.
5 الفم Mouth
تفتقر أفواه نجوم البحر إلى أي نوع من الأسنان، غير أن بعض الأنواع تمتلك أشواكًا قُرب الفم تساعد على عملية الهضم.
”تُخرج جزءًا من معدتها لتلتف حول وجبتها“

الهضم خارج الجسم
بالنسبة إلى اللافقاريات Invertebrates في العالم، تتسم عملية الهضم بكونها متنوعة وأحيانًا مُحيِّرة. فقد طوَّرت الحشرات، مثلًا، جهازًا هضميًا على هيئة أنبوب واحد يُسمَّى القناة الهضمية Alimentary canal، التي تصل بين الفم والشرج. ينتقل الطعام عبر هذه القناة ويتعرَّض للأحماض والإنزيمات الهاضمة. أمّا العنكبيّات Arachnids فتُفضِّل أن تبدأ عملية الهضم حتى قبل أن يدخل الطعام أفواهها. وتُعرف هذه العملية باسم الهضم خارج الفم Extra-oral digestion، إذ تحقن العناكب والعقارب إنزيمات هاضمة من غدد قريبة من الفم أو عبر أنيابها على الفريسة أو بداخلها. تعمل هذه الإنزيمات على تفكيك الوجبة إلى مغذيات داخل جسم الفريسة، محوِّلة إياها

إلى حساء سائل تشربه لاحقًا.
تأخذ نجوم البحر Starfish هذه العملية خطوةً أبعد؛ فهي لا تكتفي بقذف الإنزيمات على فرائسها، بل تخرج أيضًا جزءًا من معدتها لتلتف حول الطعام. وباستخدام أقدامها الأنبوبية، تُمسك نجوم البحر فرائسها، مثل الرخويات والأسماك الصغيرة، وتقرِّبها من فم يقع في منتصف أجسامها. ثم تُقذَف المعدة خارج الجسم لتغلف الطعام وتبدأ هضمه. وعندما تنتهي مرحلة التفكيك الأولى، تُسحَب المعدة مرة أخرى إلى داخل الجسم لتتولى معدة ثانية مواصلة تفكيك المواد واستخلاص المغذيات.