إسلاميات

الغزوات التي خاضها الرسول “عليه الصلاة والسلام” وأهم الأحداث التي جرت خلالها

2002 موسوعة الكويت العلمية الجزء الثالث عشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

غزوات الرسول إسلاميات المخطوطات والكتب النادرة

عندما قامت الدولة الإسلامية، التي أنشأها النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – في المدينة المنورة حتى ظهر لما الكثير من الخصوم في الداخل والخارج منهم قريش في مكة والقبائل العربية الأخرى في شبه الجزيرة العربية والغساسنة والروم على الحدود الشمالية للدولة الإسلامية.

أما خصومها من الداخل فقد كانوا من اليهود والمنافقين، وقد صممت قريش على تحدي الدولة الإسلامية وانتهاك سيادة أراضيها، لذا وجب على النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – أن يحافظ على سيادتها وقد أذن الله سبحانه وتعالى لرسوله الكريم بالجهاد لرد العدوان بقوله تعالى(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج 39).

 

غزوة بدر الكبرى:

تعتبر غزوة بدر أول مراحل الكفاح والمعركة الفاصلة في تاريخ الإسلام ضد الشرك. وحدثت في 17 رمضان في السنة الثانية للهجرة، حيث بلغ النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – أن (أبا سفيان بن حرب) قد خرج من مكة إلى الشام في تجارة كبيرة.

فخرج الرسول – صلى الله عليه وسلم – من المدينة يريد الاستيلاء عليها، فقسم جيشيه إلى كتيبتين حيث أعطى الأولى إلى المهاجرين بقيادة علي بن أبي طالب والثانية إلى الأنصار بزعامة سعد بن معاذ بينما ظلت القيادة العليا إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وكان جيش المدينة يتألف من 317 رجلا منهم 231 من الأنصار و86 من المهاجرين.

وقد أمر الرسول بقطع الأجراس من أعناق الإبل وذلك من أجل إخفاء تحركات الجيش وحتى لا تحدث أصوات عالية عند سير الجمال.

 

أما أبو سفيان المسؤول الأول عن جيش قريش فقد كان في غاية الحيطة والحذر حيث كان يعلم أن طريق مكة محفوف بالمخاطر لذا نشر عيونه وجواسيسه في كل مكان.

كما قرر إبلاغ قادة قريش بالأمر حيث جهزت جيشا قويا يضم جميع زعماء قريش ما عدا أبي لهب الذي تأخر لمرضه وقد بلغ عدده حوالي 1300 مقاتل وقد تحرك بسرعة نحو الشمال نحو بدر.

وهنا علم أبو سفيان بتحركات جيش المسلمين وغير اتجاه القافلة نحو الساحل، كما أرسل أحد رجاله إلى قريش يخبرهم بنجاة القافلة ونصحهم بالعودة إلى مكة، غير أن أبا جهل رفض ذلك.

 

وعندما علم الرسول – صلى الله عليه وسلم – بتحرك جيش قريش بث الحماس في نفوس المسلمين قائلا: «والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجلا صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة».

وهنا ظهر نموذج الإيمان الصادق والرغبة في الاستشهاد، عندما التقى الطرفان عند (عين بدر) واتسع نطاق المعركة بعد أن مالت جموع المسلمين المنظمة على جموع المشركين التي ضعفت نتيجة لتكرار الهجمات الفاشلة.

وعندما اشتد لهيب المعركة اقتحمها النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – بنفسه ومعه حرس قيادته يندفعون نحو عدوهم يدمرون كل قوة تقف في طريقهم.

 

وعندما اقتربت المعركة من نهايتها وركب المسلمون ظهور المشركين يأسرون ويقتلون وصاح النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – وهو يرى صرح الطغيان يتهدم [شاهت الوجوه]، وعن سهل بن حنيف قال: رأيتنا يوم بدر وأن أحد يشير بسيفه إلى رأس مشرك على جسده قبل أن يصل إليه.

وبعد قتال مرير دب الضعف في صفوف المشركين وظهر الهلع في نفوس قريش وقد أثبت أبو جهل أنه مثال للعناد والمكابرة حيث استمر يقاتل حتى خر صريعا يتخبط في دمه.

كما قتل العديد من رجالات قريش البارزين بلغ عددهم 70 قتيلا وأسر عددا منهم أشهرهم العباس بن عبد المطلب عم النبي محمد – صلى الله عليه وسلم.

 

كما خسر المسلمون في معركة بدر 14 رجلا منهم 6 من المهاجرين و8 من الأنصار وقد أشار القرآن الكريم إلى غزوة بدر في سورة الأنفال متحدثا عن النصر المبين الذي حققه المسلمون في المعركة.

وقد تبين أن يهود (بني قينقاع) كانوا أول من نقض العهد بينهم وبين المسلمين حيث تحرشوا بامرأة مسلمة وأهانوا كرامتها فاستنجدت بالرجال المسلمين وانقض أحدهم على الرجل اليهودي بدافع من النخوة والشهامة فقتله فبلغ الرسول – صلى الله عليه وسلم – الخبر فخرج إليهم وحاصرهم خمس عشرة ليلة حيث انصاعوا لأمره ووقفوا بين يديه أذلاء صاغرين.

 

غزوة أحد:

سميت غزوة أحد لأنها وقعت في جبل أحد قرب المدينة وفيها يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم -: «أحد جبل يحبنا ونحبه» ولها أسباب عديدة أهمها ثأر المشركين لقتلى بدر وهم أشراف قريش وسادتها.

وحدثت في شوال سنة ثلاث للهجرة حيث اتفقت قريش وأتباعها من بني تهامة وأهل كنانة وخرجت في جيش بلغ عدده حوالي 3 آلاف مقاتل.

ولما سمع الرسول – صلى الله عليه وسلم – بخروجهم خرج إليهم في ألف من أصحابه وانطلق خارج المدينة وعندما أصبح في مكان يقال له (الشواظ) بين أحد والمدينة أن رجع (عبد الله بن أبي بن سلول) رأس المنافقين هو وأصحابه وهم يمثلون ثلث الجيش.

 

وقد عسكر جيش المسلمين عند جبل أحد واختار خمسين من الرماة للوقوف على قمة الجبل وأمرهم بعدم ترك أماكنهم إلا بعد موافقته، كما أعطى اللواء إلى (مصعب بن عمير).

وقد حث الرسول – صلى الله عليه وسلم – أصحابه على القتال وبث فيهم روح الحماس وعندما التقى الطرفان أبلى المسلمون بلاءا حسنا وقاتلوا قتالا عنيفا طمعا في الشهادة منهم (حمزة عم الرسول الذي توسط أرض المعركة وزين صدره بريشة النعام ومصعب بن عمير الذي قاتل دون رسول الله حتى قتل… وغيرهم).

وقد ظهر النصر لجيش المسلمين في أول الأمر وحدثت الهزيمة بين صفوف قريش والمشركين الذين هربوا من أرض المعركة.

 

وشرع المسلمون يأخذون الغنائم والرماة الخمسون على الجبل ينظرون ما يفعل أصحابهم ورغبوا في الحصول على نصيب من الغنائم على الرغم من تحذير زعيمهم وانطلقوا يأخذون الغنائم، فنظر خالد بن الوليد إلى قمة الجبل.

وقد خلت من الرماة فكر بالخيل وتبعه (عكرمة بن أبي جهل) فحملوا على من بقى من الرماة حتى قتلوهم وتفرق المسلمون في كل جهة مما أصابهم بالدهشة والقلق على حياة الرسول وذلك بسبب مخالفة الرماة لأوامر الرسول حيث أنزل الله عز وجل قوله: ( حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) (آل عمران 152).

وقد أسفرت الغزوة عن استشهاد أكثر من سبعين شهيدا من المسلمين على رأسهم حمزة عم الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وقد عمل الرسول – صلى الله عليه وسلم – على معالجة هذا الموقف وجعل مسؤولية الهزيمة مشتركة ورد إلى المسلمين روحهم المعنوية بأن خرج فيهم ثاني يوم أحد وطارد قريش حتى يمنعها من الرجوع إلى المدينة.

 

وقد أثبت لقريش والقبائل العربية الأخرى أن قوة المسلمين لا تزال سليمة وكذلك نزل القرآن الكريم مواسيا للمسلمين مذكرا لهم بأن الحرب سجال.

وبعد انتهاء المعركة أخرج يهود بني النضير من المدينة لأنهم أظهروا القول السيء في المسلمين ودبروا مؤامرة لقتل الرسول – صلى الله عليه وسلم – واتفقوا مع المنافقين لإحداث ثورة بالمدينة حيث رحلوا إلى خيبر تاركين أرضهم ونخيلهم فوزعها الرسول – صلى الله عليه وسلم – على المهاجرين فتحسنت أحوال المسلمين الاقتصادية.

 

غزوة الأحزاب (الخندق):

سميت غزوة الأحزاب لأن بعض قبائل اليهود تحزبوا مع بعض قبائل العرب ضد المسلمين، كما سميت بغزوة الخندق لأن المسلمين حفروا خندقا كبيرا حول المدينة المنورة حال دون دخول جيش الأحزاب وقد حدثت في شهر شوال سنة خمس للهجرة.

ومن أسبابها أن المسلمين أثبتوا جدارتهم بإقامة دولتهم وحماية دينهم وأصبح لهم قوة كبيرة بعد أن خاضوا عدة معارك ضد المشركين وانتصروا فيها انتصارا ساحقا، الأمر الذي أقلق اليهود والمشركين وحعلهم يتآمرون على المسلمين فاتفقوا على خروجهم من المدينة حتى يقضوا على الدولة الإسلامية.

فلما سمع النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – بقدومهم جمع أصحابه وشاورهم في الأمر فأشار عليه (سلمان الفارسي) فشاهد المسلمين يحضرون تملأهم الشجاعة والحماس لنصرة دينهم وعقيدتهم.

 

وقد خرج النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – فشاهد المسلمين يحفرون الخندق في يوم بارد وقد ألم بهم الجوع والتعب فقال: «اللهم إن العيش عيش الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرين» فأجابوه قائلين:

نحن الذين بايعوا محمد

                                               على الجهاد ما بقينا أبدا

 

وقد عسكرت الجيوش الإسلامية وعددها ثلاثة آلاف مقاتل مقابل الخندق وفي الميعاد المقرر خرجت جيوش الأحزاب لمهاجمة المدينة في عشرة آلاف مقاتل مسلحين بأفضل سلاح والعتاد وأعطيت القيادة العليا للجيش لأبي سفيان وحين وصلت الجيوش لم تستطع تخطي الخندق فعسكرت أمامه وأخذت تتراشق بالسهام مع المسلمين وحاول المشركون اقتحام الخندق لمدة شهر ولكن فشلوا.

وفي ذلك الوقت اتصل اليهود ببني النضير بإخوانهم يهود بني قريظة وهي القبيلة اليهودية التي كانت باقية في المدينة وتسكن في الجنوب الشرقي منها وتحمي هذا المدخل لذا لم يخندق الرسول – صلى الله عليه وسلم – في هذه الجهة معتمدا على قوة حصون اليهود.

 

غير أن يهود بني قريظة نقضوا عهدهم مع النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – ووافقوا أن يفتحوا الطريق أمام جيش الأحزاب ليهاجموا المسلمين من الخلف.

واستعد هؤلاء للهجوم ووزعوا قواتهم على مدخل المدينة واشتد الأمر على المسلمين، ولكن النبي محمدا – صلى الله عليه وسلم – استطاع بالسياسة والحيلة أن يفرق جيش الأحزاب فيما عرف بخطة (نعيم بن مسعود) وهو رجل حديث الإسلام ولم يعلم قومه بإسلامه.

حيث أخذ يشكك قريش في اليهود ويشكك القبائل الأخرى في قريش، وبهذا تفرقت كلمة الأحزاب ثم أرسل الله عليهم ريحا عاصفة في ليلة باردة فامتلأت قلوبهم رعبا وخوفا حيث قال تعالى(وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) (الأحزاب 25).

 

ومن أهم أحداث غزوة الأحزاب رجوع جيش المشركين مهزومين مندحرين، ورجع المسلمون منتصرين رافعين راية الإسلام، كما أمر النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – بعد رحيل جيش الأحزاب.

بمحاصرة يهود بني قريظة وطلبوا أن يحكم فيهم (سعد بن معاذ) زعيم الأوس حيث طلب منهم أن يحافظوا على عهدهم مع الرسول – صلى الله عليه وسلم – فرفضوا وأهانوا سعد بن معاذ وتطاولوا على المسلمين.

وبذلك ارتكبوا جريمة الخيانة العظمى بالاتصال بالعدو وتحريض الدول الإسلامية للدمار وبذلك تخلصت الدول الإسلامية من هذا العنصر الخائن الذي يعيش داخلها وتحسنت أحوالها الاقتصادية بعد أن وضع المسلمون أيديهم على أراضي اليهود في المدينة.

 

غزوة خيبر:

عقد المسلمون (صلح الحديبة) مع قريش في السنة السادسة للهجرة، وقد أتاح هذا الصلح للمسلمين أن يأمنوا جانب قريش ويتفرغوا للقضاء على قوة اليهود الذين تجمعوا في خيبر وأخذوا يستعدون لغزو المدينة.

وكانت خيبر مدينة ذات حصون قوية وأهلها ذو خبرة حربية كبيرة فحرص الرسول – صلى الله عليه وسلم – أن يكون معه فئة من الرجال المسلمين الذين بعدت نفوسهم عن التفكير في عرض الدنيا من الذين حضروا الحديبية وبايعوه على الموت عندما تحدتهم قريش في (بيعة الرضوان).

 

عندها انطلق النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – في ألف وأربعمئة من أصحابه واستطاع أن يفاجئ اليهود قبل أن يحسوا بقدومه وأسرع بحصار خيبر حيث دار قتال مرير أثبت فيه المسلمون اخلاصهم وكفاءتهم وأجبروا اليهود على التسليم.

حيث قضى المسلمون على قوتهم نهائيا في شبه الجزيرة العربية وإبقائهم في أرضهم أن يقاسموا المسلمين محصولهم، ثم سلمت المدن اليهودية للمسلمين ومنها: فدك وتيماء ودومة الجندل.

 

غزوة مؤتة:

ويقال لها غزوة جيش الأمراء وحدثت في جمادى الأولى سنة ثماني للهجرة، وأهم أسبابها أن النبي محمدا – صلى الله عليه وسلم – أراد أن يبعث جيشا إلى مؤتة وهي قرية في أرض البلقاء في الشام ويحكمها ملك (بصرى) الغساني واسمه (شرحبيل بن عمرو الجذامي) وهو حليف الروم حيث أخذوا يتحرشون بالمسلمين ويثيرون قبائل الشمال عليهم.

لذا أراد النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – أن يؤدب هؤلاء المعتدين ويشعرهم بقوة المسلمين حيث أرسل إليهم قوة مكونة من ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة (زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة الأنصاري) رضي الله عنهم جميعا إضافة إلى خالد بن الوليد الذي خرج متطوعا بعد

أن أسلم وهناك التقى المسلمون بقوات كبيرة للروم والغساسنة بلغ عددها مئة ألف بقيادة (هرقل) ثم انضمت إليهم قوات من (لخم وجذام وبهراء وعلى) في مائة ألف أيضا وعسكروا في البلقاء بينما نزل المسلمين عند قرية مؤتة على الحدود بين الشام والحجاز.

 

واشتبك المسلمون في القتال مع عدوهم يتفوق عليهم في العدد والعتاد وقتل القواد الثلاثة وتسلم القيادة خالد بن الوليد الذي استطاع بمهارة أن يقاتل الروم ثم ينسحب بالجيش سليما.

واعتبر النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – هذا الانسحاب الناجح نصرا وسمى لذلك خالد بن الوليد (سيف الله).

 

فتح مكة:

حدث فتح مكة سنة ثمان للهجرة، ومن أسبابه أنه عندما تراجع الجيش الإسلامي في مؤتة دون أن يحقق انتصارا، اعتبرت قريش وحلفاؤها من بني بكر أن قوة المسلمين قد ضعفت وأن الفرصة مواتية لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل صلح الحديبية.

فهاجم بنو بكر قبيلة خزاعة حليفة المسلمين وساعدهم النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – لنصرهم بحكم الحلف السابق ووجد النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – أن الفرصة مؤاتية لفتح مكة فجهز جيشا عدته عشرة آلاف مقاتل من المهاجرين والأنصار متجها إلى مكة.

وفي الطريق التقى النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – بأبي سفيان الذي أخذ الأمان من المسلمين لقريش وأعلن إسلامه وعاد إلى مكة ينادي قريش «إن من دخل البيت الحرام فهو آمن ومن أغلق بابه عليه فهو آمن ومن دخل بيت أبو سفيان فهو آمن».

 

وهنا دخل الجيش الإسلامي مكة دون قتال ما عدا جماعة صغيرة من الشباب المتحمس الذين هاجموا الجيش الإسلامي ثم هزمهم المسلمون سريعا، وبدخول الجيش الإسلامي مكة سقط معقل المقاومة الأكبر.

وعفا النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – عن قريش عفوا تاما بعد أن دخلوا الإسلام جميعا وحطم الأصنام في الكعبة وبذلك انتهى عهد الوثنية في شبه الجزيرة العربية.

 

غزوة حنين:

حدثت في شهر شوال في السنة الثامنة للهجرة ومن أسبابها أنه بعد انتصار المسلمين عند فتح مكة ودخول الناس دين الله أفواجا خشيت بعض القبائل العربية على وجودها ومنها قبيلتا (ثقيف وهوازن) اللتان أيقنتا أن الضربة القادمة سيوجهها الرسول الأعظم – صلى الله عليه وسلم – إليهما وذلك لارتباط الطائف بمكة حيث تعتبر مصيفا لسادات قريش.

لذا استعدت لقتال المسلمين بقيادة (مالك بن عوف)، فلما علم الرسول – صلى الله عليه وسلم – بخروجهم أعد لهم جيشا من المسلمين بقدر حوالي اثني عـشر ألفا من المهاجرين والأنصار وألفان من مسلمي مكة بعد الفتح ولما رأى المسلمون هذا العدد الهائل قالوا: «لن نغلب اليوم من قلة».

وبعد أن وصلت جموع المسلمين إلى وادي حنين وهو (واد منحدر من أودية تهامة) في الصباح الباكر حيث يختلط ضوء الصبح بالظلام حتى فاجأتهم كمائن هوازن وأحدثت الارتباك في صفوف جيش المسلمين.

 

حيث انقضوا وانهزموا وهنا أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم – عمه العباس بن عبد المطلب أن ينادي المسلمين من المهاجرين والأنصار فسمعه القوم وكر عدد منهم إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – حيث استقبلوا هوازن بالقتال واشتد ساعدهم وأيدهم الله بالملائكة ثم هرب المشركون وتفرقوا في الأرض وأنزل الله نصره على عباده المؤمنين بعد أن ذاقوا مرارة الهزيمة على يد قبيلة هوازن التي قدمت إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وأعلنت إسلامها.

وقد ذكر القرآن الكريم هذه الحادثة بقوله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَسورة التوبة – ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) (التوبة 25 – 26).

 

غزوة تبوك:

حدثت في السنة التاسعة للهجرة وسببها أنه بدخول القبائل العربية في الإسلام أصبحت شبه الجزيرة العربية كلها تحت سيطرة الدول الإسلامية ولم يخرج عن نفوذها من قبائل العرب إلا ما كان تحت سيطرة الفرس في العراق والروم في الشام وكانت الغساسنة والروم هم الذين يناوشون المسلمين.

فأمر الرسول – صلى الله عليه وسلم – أصحابه بالتجهيز لقتالهم وكانت سنة مجدبة والناس لا يملكون شيئا من المال والطرق بعيدة والسفر شاق والوقت صيف وقد سمي هذا الجيش بـ(جيش العسرة) ولكن الرسول – صلى الله عليه وسلم – وقف أمام أصحابه يحثهم على الإنفاق في سبيل الله فانفق عثمان بن عفان الشيء الكثير قدر حوالي ألف دينار.

فقال الرسول – صلى الله عليه وسلم -: «اللهم ارض عن عثمان بن عفان فإني راض عنه»، وهنا أعد الرسول – صلى الله عليه وسلم – جيشا يقدر بحوالي ألف مقاتل قاده بنفسه وجعل سيدنا – عليا – رضي الله عنه على المدينة وأمره بالإقامة في أهله.

 

وهنا بدأ المنافقون يبثون الدعاية الكاذبة للإساءة إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم – ولكنه تابع سفره نحو الشمال تحت حر الشمس وتوهجها وقد تركه بعض أصحابه ورجعوا إلى المدينة ومنهم (أبو ختيميه) وحين وصل الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلى تبوك على حدود الحجاز الشمالية صالح بعض زعماء النصارى وأدوا إليه الجزية وكتب لهم كتابا أمنهم فيه على أنفسهم وتجارتهم.

وأقام الرسول – صلى الله عليه وسلم – في تبوك عدة أيام لم يلق الروم ولم يحارب أحدا ثم قفل راجعا إلى المدينة بعد أن صالح مدن الحدود الشمالية ومنها: آيله – أذرح – دومة – الجندل.

وبعدها أعلن النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – بيان براعة في السنة التاسعة للهجرة وحج حجة الوداع في نهاية العام العاشر للهجرة وبعدها لحق بالرفيق الأعلى في ربيع الأول من العام الحادي عشر للهجرة بعد أن أدى رسالة ربه وتم على يده توحيد شبه الجزيرة العربية ولأول مرة في تاريخها تحت ظل دين ودولة.