
أقوى مجهر في العالم
بقلم: سكوت داتفيلد
على مدار أكثر من 400 سنة، ظل الناس يُحدقون عبر عدسات المجاهر. ومع ذلك، هناك نوع من المجاهر لا يحتاج إلى الضوء أو العدسات الزجاجية لإنتاج بعض أدق الصور المقربة التي أُنشئت على الإطلاق. فبدلًا من استخدام الضوء المرئي كما تفعل المجاهر الضوئية التقليدية المستخدمة في الفصول الدراسية، يستخدم هذا المجهر شعاعًا من الإلكترونات المركّزة. تُطلق هذه الإلكترونات من بندقية للإلكترونات، وتسير داخل المجهر باتجاه العينة المثبّتة على منصة في الأسفل. عندما تصطدم الإلكترونات بالعينة، فإنها ترتد وتتبعثر، مما يحفِّز الذرات داخل العينة على إطلاق إلكترونات أخرى. تُلتقط هذه الإلكترونات المتبعثرة بواسطة مجس خاص، ثم تُحوَّل رقميًا إلى صورة يمكن لأعيننا رؤيتها.

على الرغم من أن هذا يبدو كأنه طريقة أكثر تطورًا لرؤية الأشياء نفسها التي قد تراها تحت المجهر الضوئي التقليدي، إلا أن هناك ميزة كبيرة لاستخدام المجهر الإلكتروني – وهي درجة التكبير. فالمجهر الضوئي يمكنه الوصول إلى تكبير حتى 2,000 مرة لحجم العينة الأصلي قبل أن تصبح الصور ضبابية جدًا. أما المجهر الإلكتروني فيمكن أن تصل مستويات التكبير فيه إلى مليوني ضعف حجم العينة الأصلي. ويرجع ذلك إلى أن الإلكترونات تمتلك طولًا موجيًا أقصر بكثير من الضوء المرئي، مما ينتج عنه صور أكثر دقة وتفاصيل أعلى بكثير. يتيح هذا المستوى من التكبير للباحثين دراسة الأنسجة والخلايا بتفاصيل مذهلة، إضافةً إلى استكشاف التركيب الكيميائي وحتى أحجام الجزيئات.
لكن هناك ثمنًا لهذا المستوى العالي من التكبير: إذ يجب أن تكون العينة تحت المجهر الإلكتروني غيرَ حيّة أو ميتة. فالعينة المتحرّكة تُربك تدفّق شعاع الإلكترونات بشكل غير مقصود، مما يُنتج صورةً غير دقيقة. فضلًا عن أن شعاع الإلكترونات يعرِّض العينة الحيّة لمستويات عالية من الإشعاع.
الرؤية عبْر المجهر الإلكتروني الماسح
كيف يصوِّر المجهر الإلكتروني الماسح الأشياء
![]()
1 مدفع الإلكترونات Electron Gun
تطلق الإلكترونات السالبة الشحنة من مسدس الإلكترونات الموجود في الجزء العلوي من المجهر، والذي يحتوي على كاثود سالب الشحنة.
2 شعاع الإلكترونات Electron Beam
يتحرك شعاع الإلكترونات عبر المجهر بسرعة تبلغ نحو %70 من سرعة الضوء.
3 الأنود Anode
يضمّن أنود موجب الشحنة لجذب الإلكترونات سالبة الشحنة عبر المجهر.
4 عدسة مغناطيسية Magnetic Lens
بدلًا من العدسات البصرية، يُمرَّر تيار كهربائي عبر مغناطيسات كهربائية بشكل حلقة دائرية لتوليد مجال مغناطيسي. عندما تمر الإلكترونات عبر مركز هذا المجال المغناطيسي، يركّز الشعاع.
5 كاشف الإلكترونات المرتدة Back-Scattered Electron Detector
عندما تصطدم الإلكترونات بالنواة الموجبة الشحنة لذرات العينة، تنحرف الإلكترونات.
6 كاشف الإلكترونات الثانوية Secondary Electron Detector
تستطيع الإلكترونات العالية الطاقة الموجودة في الشعاع المركَّز أن تطرد الإلكترونات الأضعف الموجودة في ذرات العينة.
7 العينة Specimen
يمكن رؤية أي شيء، بَدءًا من المعادن وحتى فكوك النمل باستخدام المجهر الإلكتروني الماسح، ما دام الشيءُ لا يتحرك.
8 المنصة Stage
تُشحَن المنصة بدورها بشحنة موجبة لجذب الإلكترونات.

أن نفحص… أو لا؟
هناك نوعان رئيسيان من المجاهر الإلكترونية، هما المجهر الإلكتروني النافذ Transmission Electron Microscopes (اختصارًا: المجهر Tem) والمجهر الإلكتروني الماسح Scanning Electron Microscopes (اختصارًا: المجهر Sem). وعلى الرغم من أن كليهما يستخدم التصوير المعتمد على الإلكترونات، إلا أن طريقة عملهما تختلف قليلًا. فالمجهر الإلكتروني النافذ (Tem) يُسقط شعاعًا مكبّرًا من الإلكترونات يمر عبر العينة باتجاه مجموعة من العدسات الموجودة أسفلها، مما يُكوِّن صورة للعينة في أثناء مروره. ثم يُستخدَم مجس كاميرا متخصص موجَّه نحو العدسة لالتقاط الصورة. أما المجهر الإلكتروني الماسح (Sem)، فيعمل بطريقة أشبه بطابعة الليزر؛ حيث يُركِّز شعاع الإلكترونات بدقة كبيرة ويُحرِّك فوق العينة على شكل خطوط، وتلتقط الإلكترونات المتبعثرة صفًا بعد صف، تمامًا كما تعمل الطابعة.
وحوش صغيرة تحت المجهر
تكشف المجاهر الإلكترونية الماسحة تفاصيلَ مذهلة عن جيراننا البريين
لقطة جمال الفراشة
لو كان في إمكان الفراشات التقاط صور سيلفي، لكانت هذه الصورة المقربة هي ما ستراه. تحت المجهر الإلكتروني الماسح، يستطيع العلماء دراسة تشريح الحيوانات بدقة غير مسبوقة. فمثلًا، تكشف هذه الصورة لفراشة ترس السلحفاة Tortoiseshell Butterfly عن الحراشف حول الوجه والشعيرات الدقيقة التي تغطي جسدها. يمكنك أيضًا رؤية أجزاء التغذية الملتفة، أو ما يُعرف بــ «الخرطوم» Proboscis، والذي يُفرَد ليصل إلى النباتات ويرتشف الرحيق.
صورة مقربة للسلطعون
تعرَّف على سلطعون الطين Mud Crab . وكما يوحي الاسم، تستمتع هذه القشريات بقضاء وقتها مغطاةً بالرواسب الموحلة لمستنقعات المنغروف Mangrove Swamps والسباخ المالحة Salt Marshes حول سواحل أمريكا الشمالية والجنوبية. تتغذى هذه السلطعونات على المحار الصلب القشرة والرخويات الصغيرة مثل البريقوق Periwinkles، مستخدمة مخالبها وفكوكها الشبيهة بالفكَّين (كما يظهر في وسط هذه الصورة) لكسر أصداف فرائسها.
مخالب من الكيراتين
تحت المجهر الإلكتروني الماسح، يمكنك رؤية الطبقات العديدة التي تُكوِّن مخالب السقنق Skink. ومثل شعر الإنسان وأظافره، فإن الحراشف الخضراء حول أصابع السقنق، أما مخالبه الداكنة التي تبدو متقشرة فتتكون من بروتين صلب يُعرف بالكيراتين Keratin. يَستخدم السقنق مخالبه في عديد من المهام؛ فلأنه من عشاق الحياة بين الأعشاب الكثيفة، فهو يحفر جحورًا للعيش فيها ووضع بيوضه. كما إنه متسلق بارع ويعتمد على مخالبه لتسلُّق الصخور والنباتات.
ديدان لزجة
تعيش في رواسب البيئات البحرية ديدان صغيرة تُعرَف باسم «الديدان الخيطية» Gastrotrichs، التي يبلغ طولها نحو 1.5 ملم. وتُعرَف أيضًا باسم «ذات الظهور المشعرة» Hairybacks بسبب البنى الشبيهة بالشعر التي تُسمى الأهداب Cilia (وتُرى باللون البني) والتي تغطي ظهورها. تساعد هذه الأهداب الدودة على الانزلاق عبْر الرواسب، حيث تتغذى على البكتيريا والطحالب في أثناء حركتها. أما البروز الطويل في نهاية جسمها (ويُرى باللون الأحمر) فهو غُدة تُفرز مادة لاصقة تساعدها على التمسك بالرواسب، وتفرز إنزيمًا مصممًا لإذابتها.
لا فقاري
تحمل أنثى القنفذ الأوروبي European hedgehog جنينها مدة 5 أسابيع فقط قبل الولادة. وتلد عادة 4 أو 5 صغار في كل مرة. تُظهر هذه الصورة المأخوذة بالمجهر الإلكتروني الماسح جنينًا في إحدى مراحل الحمل، داخل رحم أمه، قبل أن تتطور أشواكه. يمكن رؤية براعم الأشواك Spine Buds على طول ظهره، حيث تبدأ النتوءات الشوكية في الظهور على صغار القنافذ بعد الولادة بفترة قصيرة.
عيون مألوفة
هذه هي العين النامية لجنين سمكة الزرد Zebrafish. صدِّق أو لا تصدِّق، يستخدم العلماء سمكة الزرد لفهم مزيد عن عين الإنسان. فالعينان تتشاركان في بعض السمات الأساسية، مثل الطبقة الشفافة المعروفة بالقرنية Cornea، والعدسة، والمجس الضوئي الخلوي المعروف بشبكية العين Retina. لكن عين سمكة الزرد تتطور بسرعة أكبر بكثير من عيوننا؛ فبعد 12 ساعة فقط من الإخصاب، تكون الأجنة قد طوّرت هذا التركيب البصري المبكر.
أسد النمل مقابل النملة
كما هو الكائن الفضائي بالنسبة إلى المفترس، فإن أسد النمل Antlion هو أسوأ كابوس للنملة. ويُعرف عاميًا باسم «حشرة الخربشة» Doodlebug، وهذه اللافقاريات ليست سوى الطور اليرقي لليعسوب أو الرعاش Damsefly. خلال هذه المرحلة، يتخذ أسد النمل شكل مفترس يحفر فخاخًا في الرمال، وينتظر مرور نملة غافلة. وعندما تخطئ النملة في خطوتها، يمسك بها أسد النمل بفكه الكبير، ويحقنُها بسم يشل حركتها، ثم يفرز إنزيمات هاضمة لتحويلها إلى «عصير النمل».
دورة حياة السمندل
بعد ما يصل إلى 60 يومًا من النمو داخل بيضة هلامية، تخرج إلى العالم يرقة السمندل Salamander ، مثل هذه. يمكن ملاحظة أن الذراعين الأماميتين لهذه اليرقة الشبيهة بالشرغوف قد بدأتا في النمو. وخلال الأشهر التي يستغرقها تشكُّل أطرافها، ستستخدم ذيلها للبحث عن اللافقاريات المائية كي تتغذى عليها، كما تتنفس عبر خياشيمها الكبيرة (التي تظهر باللون البني).