شرح فيزياء الكم
ألْقِ نظرة متعمقة على النظريات المذهلة والتجارب المجنونة والتطبيقات العملية لما قد يكون أغرب الموضوعات العلمية على الإطلاق
بقلم: أندرو ماي
اكتسبت نظرية الكم Quantum theory، التي طُرحت في أوائل القرن العشرين، سحرًا وجاذبية غريبة لا مثيل لها في أي فرع آخر من فروع الفيزياء. تستشهد بها الأفلام وألعاب الفيديو والقصص المصورة بانتظام لتفسير الأدوات المستحيلة والقوى العظمى، في حين استولى الصوفيون المتمرسون وخبراء الصحة على مصطلحاتها لغاياتهم الخاصة. لكن من الأهمية بمكان التمييز بين العلم والعلوم الزائفة وفصل الحقيقة عن الخيال. وعلى الرغم من أن هذا قد يبدو مفاجئًا، فإن فيزياء الكم الحقيقية عقلانية ومتزنة وواضحة المعالم مثل أي مجال علمي آخر. والفرق هو أنها تتعامل مع ظواهر لا تتجلى إلا على مقاييس دون ذرية ضئيلة تقع خارج نطاق حياتنا اليومية العادية، والتي كثيرًا ما تتحدى جميع أفكارنا عن «الحس السليم».
على مدى الصفحات القليلة التالية، سنكشف غموض بعض أكثر زوايا نظرية الكم غموضًا، من ثنائية الموجة والجسيم Wave-particle duality ومبدأ عدم اليقين إلى الحالة السيئة السمعة لقطة شرودنغر Schrödinger’s cat التي قد تكون ميتة وحية في الوقت نفسه. وسنرى أيضا كيف يستعين العلماء المعاصرون بميكانيكا الكم لإضفاء قدر ضئيل من المصداقية على مفاهيم الخيال العلمي الراسخة منذ فترة طويلة مثل النقل الآني والتخاطر والسفر عبْر الزمن.
لكن على الرغم من كون هذه الأفكار مشوقة، فإن أعظم قيمة لعلم الكم تكمن في تطبيقاته العملية على تكنولوجيا العالم الحقيقي. فالمصابيح التي تضيء منازلنا، والمُعالجات الدقيقة داخل هواتفنا النقالة، والساعات الذرية التي تجعل نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) دقيقًا جدًا، وحتى أشعة الليزر التي تشغِّل ألعاب قططنا المفضلة، لم تكن لتوجد لولا نظرية الكم. سنلقي نظرة فاحصة على هذه التطبيقات، إلى جانب تطبيقات أكثر تخصصًا مثل المغناطيسات الفائقة التوصيل، والمجاهر الإلكترونية، والمجالات الناشئة للحوسبة الكمّية والتشفير.
بحلول نهاية القرن التاسع عشر، حقق الفيزيائيون فهمًا واضحًا للطاقة- أي الكمية الفيزيائية التي تخزَّن في شكل كهربائي في بطارية مثلا، أو التي ينتجها الفرن على شكل حرارة. افترض الجميع أن الطاقة كمية متغيرة باستمرار، وأن قيمتها تتزايد أو تتناقص بسلاسة وليس في قفزات منفصلة. لكن بقدر ما يبدو هذا معقولا، فقد بات واضحًا في أوائل القرن العشرين أنه كان خطأ- على الأقل في بعض الأحيان. في الأنظمة المجهرية الضآلة، مثل الفوتونات التي تحمل طاقة الضوء، أو مستويات الطاقة التي تشغلها الإلكترونات داخل الذرة، بدا أن الطاقة «مُكممة» -Quantised- أي لا يمكنها سوى اتخاذ قيم منفصلة معينة. مثّل ذلك بدء الثورة الكمّية.
كان الفيزيائي الألماني ماكس بلانك Max Planck أول من استخدم كلمة «كم» في العام 1900 للإشارة إلى حزم الطاقة الصغيرة غير القابلة للتجزئة، والتي تحملها الفوتونات. في ذلك الوقت كان بلانك في الأربعينيات من عمره بالفعل، لكن سرعان ما أضاف إلى اكتشافاته مواطن له أصغر سنّا كان مقدَّرًا له أن يصبح أشهر الفيزيائيين على الإطلاق، وهو ألبرت آينشتاين Albert Einstein. على الرغم من أن فيزياء الكم لبلانك وآينشتاين كانت غريبة بما فيه الكفاية، إلا أنها كانت مجرد البدء.
في منتصف عشرينيات القرن العشرين، شهد هذا المجال ثورة ثانية حولته إلى شيء غريب ومذهل حقًا. فعلى أيدي علماء مثل فيرنر هايزنبرغ Werner Heisenberg وإرفين شرودنغر Erwin Schrödinger، تعرض عالم غير مدرك فجأة لأسرار ازدواجية ثنائية الموجة والجسيم، ومبدأ عدم اليقين، والفكرة شبه الغامضة القائلة بأن الجسيمات الكمّية توجد في «تراكبات» Superpositions لعدة حالات مختلفة حتى يرصدها شخص ما.

وعلى الرغم من أن آينشتاين أدى دورًا رئيسيًا في التطوير الأصلي لنظرية الكم، إلا أنه كان مستاءً جدًا من تلك التطورات اللاحقة. ولم تكن مشكلته في الصياغة الرياضية للنظرية، التي لم يكن في وسعه أن يعيبها، بل في دلالاتها الفلسفية شبه الصوفية. وعلى وجه الخصوص، كان يكره ما يسمى «تفسير كوبنهاغن Copenhagen interpretation»، الذي ينص على أن الأنظمة الكمّية تظل في حالة غير محددة حتى ترصد. وقد قبلت الغالبية العظمى من جميع زملاء آينشتاين من الفيزياء هذه الفكرة تقريبًا، باستثناء شرودنغر، الذي ذهب إلى حد القول بأنه يكره ميكانيكا الكم ويتأسف لأنه كانت له أي علاقة بها.
بالنسبة إلى غير الفيزيائيين، يشتهر شرودنغر بين الناس بفضل تجربته الفكرية التي تتضمن قطة كمية Quantum cat، والتي صممها في الأصل لتسليط الضوء على عبثية تفسير كوبنهاغن، على الرغم من أنها كثيرًا ما تطرح في أيامنا هذه على أنها تطبيق مباشر لذلك التفسير.
في حين لا يزال معظم علماء الفيزياء يتقبلون تفسير كوبنهاغن، إلا إنه تعتريه عدة عيوب تزعج الفلاسفة وغيرهم ممن يتدبرونه بعناية. أدى هذا إلى ظهور طيف كامل من التفسيرات البديلة، لعل أكثرها إثارة للاهتمام هو فرضية العوالم المتعددة Many-worlds hypothesis. تتصور هذه الفرضية أن كل نظام كمي يوجد في جميع حالاته المحتملة، لكن كلا منها يقع في كون «مواز» مختلف. من المؤسف أنه على عكس العوالم الموازية في روايات الخيال العلمي، فإننا محصورون على الدوام في عالمنا الخاص من دون أي وسيلة للسفر إلى أي من تلك العوالم الأخرى.
ألْقِ نظرة متعمقة على النظريات المذهلة والتجارب المجنونة والتطبيقات العملية لما قد يكون أغرب الموضوعات العلمية على الإطلاق
مبدأ عدم اليقين

صياغته لمبدأ عدم اليقين
في العام 1927، اكتشف فيرنر هايزنبرغ أحدَ المبادئ الأساسية لنظرية الكم. ومنذئذ صار مبدأ عدم اليقين Uncertainty principle محبوبًا لدى الصوفيين ومؤلفي الخيال العلمي. لكن مبدأ هايزنبرغ لا يطرح مجرد بيان غامض مثل «كل شيء غير مؤكد»، بل هو معادلة رياضية تنشأ من الطبيعة الموجية للجسيمات دون الذرية. قال هايزنبرغ إننا إذا قسنا خاصية واحدة لأحد الجسيمات بدقة عالية، فسيستحيل قياس بعض الخصائص الأخرى بدقة. فمثلا، إذا عرفنا الموضع الدقيق للجسيم، فلن نتمكن من قياس سرعته بكل دقة، والعكس صحيح. وبقدر ما يبدو هذا غريبًا، فإنه يشبه شيئًا نعتبره من المسلمات في سياق الموجات الصوتية، حيث يمكننا تحديد وقت ولكن ليس حدة صوت طلقة نارية، أو درجة صوت نغمة الكمان لكن ليس وقتها.
قطة شرودنغر

لعل أشهر مثال على الغرابة الكمّية هو تجربة قطة شرودنغر الفكرية، التي تُسلط الضوء على التفاوت بين العالَم المجهري لفيزياء الكمّ وعالمنا «العياني» اليومي. من أغرب مفاهيم نظرية الكم فكرة مُفادها أن الأنظمة على المستوى الذري لا تستقر في حالات محددة جيدًا إلا عند رصدها – وقبل ذلك، توجد في توليفة، أو «تراكب»، من الحالات المحتملة. في التجربة الفكرية تُحبَس القطة في صندوق يحتوي على نظام كمي له إحدى حالتين. في إحدى الحالتين تُطلق قارورة من السم تقتل القطة؛ وفي الحالة الأخرى لا تُطلق. فهل القطة إذن في حالة تراكب، حية وميتة في الوقت نفسه؟ تشير بعض الروايات إلى أن الإجابة هي نعم، لكن يرجح أن هذا ليس صحيحًا. تنشأ المغالطة من أنه ليس من الممكن حقًّا لنظام كمي منفرد أن يتحكم في جسم أكبر بكثير، مثل قطة.
”لا تستقر الأنظمة على المستوى الذري في حالات محددة جيدًا إلا عند رصدها“

ثنائية الموجة والجسيم
عندما بدأ الفيزيائيون في التفكير بجدية في الضوء، لم يكونوا متأكدين مما إن كان عبارة عن تيار سريع الحركة من الجسيمات أو موجة تشبه الموجة الصوتية. من الخصائص الفريدة للموجات أنها، على عكس تيار الجسيمات، قد تتداخل بعضها مع بعض لإنتاج أنماط مميزة على الشاشة – وهو التأثير الذي أثبته توماس يونغ فيما يتعلق بالضوء في العام 1801. بدا أن هذا قد حسم الأمر حتى أظهر بلانك وآينشتاين في مطلع القرن التالي أن طاقة الضوء تتحرك في حزم منفصلة- وهو سلوك يشبه الجسيمات بالتأكيد وليس الموجات. أظهرت التجارب اللاحقة وجود الغموض نفسه بالنسبة إلى الإلكترونات والجسيمات دون الذرية الأخرى. من المقبول الآن أن الأنظمة الكمّية قد تُظهر خصائص كلتا الجسيمات والموجات اعتمادًا على الظروف.
تجربة الشق المزدوج
إذا سلطتَ ضوءًا عبر شقين ضيقين، فقد تشبه النتيجة سلوك الجسيمات أو الموجات
![]()
1 مصدر الضوء LIGHT SOURCE
في النسخة الأصلية التي وضعها توماس يونغ، كان هذا المصدر هو ضوء الشمس، أما اليوم فقد يكون شعاعًا ليزريّا.
2 شاشة ذات شقين SCREEN WITH SLITS
تحتوي هذه الشاشة على شقين متقاربين جدًّا لشطر شعاع الضوء إلى قسمين.
3 شاشة عرض PROJECTION SCREEN
عندما تسقط أشعة الضوء المتوازية على الشاشة، فإنها تنتج نمطا تداخليّا يتوافق مع السلوك الشبيه بالموجات.
4 مكشاف الفوتونات PHOTON DETECTOR
تضاف تقنية حديثة لحساب عدد الفوتونات في أثناء مرورها عبْر الشقين.
5 نتائج مختلفة DIFFERENT RESULT
لقد اختفى النمط التداخلي، واستبدل بنقطتين ساطعتين متوافقتين مع كون الضوء مكوَّنًا من جزيئات، وليس موجات.

التشابك
تخيل نظامًا كميّا يتألف من جسيمين اثنين، في وجود حالة كمية مركّبة تصف جميع خصائص كلا الجسيمين. قبل إجراء أي قياس لأي من الجسيمين، سيوجدان في تراكب مؤلف من جميع الحالات الممكنة، وسيظلان كذلك بغض النظر عن مدى بُعدهما. إذا أجري قياس لأحد الجسيمين، فسيتحول الجسيم الآخر فجأة إلى النوع نفسه من الحالات الممكنة. سينطبق ذلك حتى لو كانا على بعد آلاف الأميال. المصطلح التقني لهذه الظاهرة هو «التشابك الكمي» Quantum entanglement، لكن آينشتاين أطلق عليها اسمًا أكثر إثارة وهو «فعل مخيف من بُعد».
فعل مخيف من بُعد
إليكَ قصةً مصورة قصيرة توضح مبدأ التشابك الكمي
![]()
1 إنشاء الفوتونات المتشابكة Entangled Photons Created
هذا تمثيل درامي لتجربة حقيقية أُجريت في أحد مختبرات الولايات المتحدة.
2 انفصال الفوتونات Photons Are Separated
في التجربة الواقعية، كانت مسافة التباعد 185 م.
3 وصول الفوتونات إلى المُستقبل Photons Reach Their Recipients
هذه شخصيات بشرانية، لكنها كانت في العالم الحقيقي مكاشيف للفوتونات.
4 المكشاف أليس Detector Alice
يُجري هذا المكشاف قياسًا عشوائيًّا من دون إخبار المكشاف بوب.
5 المكشاف بوب Detector Bob
في الوقت نفسه، يُجري هذا المكشاف قياسًا من دون إخبار المكشاف أليس.
6 مقارنة النتائج Comparing Results
مهما كانت القياسات التي تختار المكاشيف إجراءها، فستظل النتائج متسقةً بسبب التشابك الكمي.

التخاطر الزائف
تخيَّلْ لعبة يتعين فيها على لاعبين إدخالُ أرقام في شبكة مربعة. يتمثل الهدف في أن يحقق اللاعبون نتيجة متسقة. لا يُسمح للاعبين بالتحدث، ومن ثم فإن النجاح يعتمد على المصادفة البحتة – ما لم تكن لديهم القدرة على التخاطر. حتى فيزياء الكم لا تسمح بحدوث هذا، لكنها تسمح بنوع من «التخاطر الزائف» Pseudo-telepathy الذي يعتمد على التشابك الكمّي للسماح بالفوز في اللعبة في كل مرة: طالما سميت اللعبة مربع ميرمين- بيريز السحري Mermin-Peres magic square، والتي تُلعب على مستوى كمّي. اختُرعت هذه اللعبة في الأصل كتجربة فكرية في العام 1990، قبل أن يُثبت صحتَها باحثون صينيون في يوليو 2022.

السفر عبْر الزمن
إن كان التشابك الكمي قادرًا على جعل النقل الآني Teleportation و«التخاطر الزائف» ممكنين، فكيف ستكون حاله مع عنصر أساسي آخر من عناصر الخيال العلمي – وهو السفر إلى الوراء في الزمن لتغيير قرار سابق؟ من المدهش أن التشابك الكمي قد يجعل هذا ممكنا أيضا، لكن فقط في سياق القياسات على النطاق الكمي وليس المراهنة على الأحداث الرياضية أو الاستثمار في سوق الأوراق المالية مثلا. في دراسة نظرية أجريت في العام 2023، وصف فريق بحثي كيف قد يعمل السفر الكمي عبر الزمن: يستخدم أحد جسيمي زوج متشابك لإجراء قياس ما، ثم يحوَّر الجسيم الثاني بطريقة تغير الجسيم الأول بأثر رجعي حتى يتغير قياسه. قد تكون هذه أداة مفيدة في مجال القياس الكمي، الذي يستخدم الجسيمات الكمّية لإجراء قياسات شديدة الحساسية.
تجربة النقل الآني
يمثل نقل الأشخاص والأشياء من بُعد خُدعة مألوفة في أدب الخيال العلمي – والفكرة هنا هي أن الأصل يختفي من موقعه الأصلي بينما تظهر نسخة طبق الأصل منه في الوقت نفسه في موقع مختلف. على الرغم من أنه يرجِّح أن نقل أشياء بمثل هذه الضخامة سيظل ضربًا من الخيال إلى الأبد، فبوسع العلماء تنفيذ شيء مماثل جدًّا على المستوى الكمي. يتضمن هذا استغلال «التشابك الكمي» لزوج من الجسيمات – قد تكون المسافة بينهما طويلة – لتحويل أحدهما إلى نسخة مكررة من جسيم ثالث، ينتهي الأمر إلى تدميره خلال هذه العملية. لقد أثبتت جدوى النقل الآني الكمي لأول مرة في العام 1998، وأُجريت منذئذٍ عدة اختبارات ناجحة. نبين هنا واحدًا من أكثر الأمثلة إثارة للإعجاب، وهو نُفذ في عام، وينطوي على نقل فوتون – وهو جسيم ضوئي – مسافة 89 ميلًا ما بين لا بالما وتينيريفي في جزر الكناري.
![]()
1
في المختبر، يُنشأ الفوتون المراد نقله آنيًّا.
BM
يُجرَى قياس مشترك على الفوتونات في المختبر.
2
ظل أحد الجسيمَين من الزوج في المختبر.
Q
أُنشئ زوج متشابك من الفوتونات في مختبر في لا بالما.
3
أُرسل الآخر إلى تينيريفي، حيث التقطه تلسكوب.
T
عند استقبال القياس، حُوِّل الفوتون هناك إلى نسخة متماثلة من الفوتون المنقول آنيا.
5 حقائق
عن فيزياء الكم في الطبيعة
1 المعادن اللامعة
لا يمكن تفسير حقيقة أن المعادن المصقولة تعكس الضوء أكثر من المواد الأخرى إلا من خلال السلوك الكمي للإلكترونات الموجودة داخلها.
2 السماء الزرقاء
كثيرًا ما يُعزَى لون السماء إلى «بعثرة» Scattering الضوء بواسطة جزيئات الهواء، إلا أن التفسير الدقيق هو أن ذلك يرجع إلى الامتصاص وإعادة الانبعاث الميكانيكي الكمي.
3 ضوء النجوم
تنشأ خطوط الامتصاص الطيفية المميزة التي نراها في ضوء النجوم، والتي يستخدمها الفلكيون لتحديد تركيبها الكيميائي، لأن ميكانيكا الكم لا تمكن الذرات من امتصاص الضوء إلا عند أطوال موجية محددة.
4 الفرن النووي للشمس
لا تحدث التفاعلات النووية التي تنتج حرارة الشمس إلا بسبب تأثير «النفق الكمّي» Quantum tunnelling effect، الذي يسمح للجسيمات بتخطي حواجز الطاقة التي قد لا يمكن اختراقها بخلاف ذلك.
5 الانفجار الكبير
في نظرية الانفجار الكبير، بــدأ الكون من الضآلة بحيث لا بد أنه خضع لتأثيرات كمية، على الرغم من أن العلماء لم يتوصلوا إلى تفاصيل ذلك بعد.
ميكانيكا الكم التطبيقية
على الرغم من كل نظرياتها وتداعياتها الغريبة، أنتجت فيزياء الكم مجموعة كبيرة من التقنيات الواقعية

يستخدم المجهر التقليدي نظامًا من العدسات لتكبير الأجسام الصغيرة بحيث يمكن رؤيتها باستخدام الضوء العادي. وعلى الرغم من أن مثل هذه المجاهر قد تكون مفيدة إلى حد ما، إلا أنها لا تستطيع رؤية أي شيء أصغر من الطول الموجي للضوء الذي تستخدمه. بإمكانها تصوير البكتيريا، مثلا، لكن ليس تصوير الجزيئات المنفردة – وهو ما يتطلب طولًا موجيًّا أصغر بكثير
من الضوء العادي. وهنا تتدخل فيزياء الكم لتقديم الحل، فهي تُخبرنا بأن الإلكترونات قد تتصرف مثل الموجات. لقد اتضح أن طولها الموجي ضئيل جدّا – نحو 2.5 بليون جزء من الملليمتر، مقارنة بنحو 400 مليون جزء من الملليمتر للضوء المرئي، مما يمنح المجاهر الإلكترونية قوة تكبير أعلى بكثير من تلك التقليدية.
كيف تعمل المجاهر الإلكترونية
تعرَّفْ على ما يحدث داخل المجهر الإلكتروني الماسح
![]()
1 مسدس الإلكترونات ELECTRON GUN
يولِّد المسدس شعاعًا من الإلكترونات ويطلقه نحو العينة المرادةِ دراستها.
2 عدسة مغناطيسية MAGNETIC LENS
يُستخدم واحد أو أكثر من المغناطيسات الكهربائية بشكل كعكة الدونات للحفاظ على تركيز شعاع الإلكترون.
3 العينة SPECIMEN
توضع العينة على منصة مسطحة أسفل المجهر.
4 مكشاف الإلكترونات المرتدة BACKSCATTERED ELECTRON DETECTOR
يَجمع الإلكترونات من الشعاع الأساسي المنعكس من العينة.
5 مكشاف الإلكترونات الثانوية SECONDARY ELECTRON DETECTOR
يقيس أي «إلكترونات ثانوية» Secondary electrons تنبعث من العينة عندما يسقط عليها الشعاع.
6 أداة مسح الفيديو VIDEO SCANNER
ترسل البيانات من المكاشيف إلى نظام التصوير، فتتشكل صورة عالية التكبير للعينة.

الساعات الذرية
فضلا عن تمكين مصابيح الصمام الثنائي الباعث للضوء Light-emitting diode (اختصارًا: الصمام LED) من إنتاج ضوء ذي ألوان محددة، للسلوك الكمي للإلكترونات داخل الذرات انعكاس جوهر آخر على التقنيات الحديثة. يعني هذا أنه يمكن تحديد تردد الضوء المنبعث عندما يقفز الإلكترون بين مستويات الطاقة بدقة شديدة. هذا هو المبدأ المستخدم في الساعات الذرية الفائقة الدقة، مثل تلك المستخدمة لتحديد المعايير الزمنية الوطنية والتحكم في تردد أجهزة الإرسال التلفزيونية وأبراج الهاتف المحمول. للساعات الذرية أهمية كبرى أيضًا في الأقمار الاصطناعية الملاحية مثل نظام تحديد المواقع العالمي، حيث قد يؤدي انحراف بمقدار جزء من المليون من الثانية فقط إلى خطأ في الموقع بمقدار ربع ميل.

الصمامات الثنائية الباعثة للضوء
إن الصمام الثنائي الباعث للضوء «ليد» LED هو تقنية حديثة أخرى صارت واسعة الانتشار. استُخدمت هذه الصمامات في الأصل كمؤشرات ملونة Coloured indicators، ثم انتشرت الآن على نطاق واسع في إضاءة الغرف، ومصابيح السيارات، وشاشات الهواتف وأجهزة التلفاز. وكما هي الحال مع الرقائق الدقيقة Microchips، فإن الصمامات الثنائية الباعثة للضوء تُظهر قدراتها الباهرة بفضل فيزياء الكم. ومن بين نتائجها أن الإلكترونات قد لا توجد إلا عند مستويات طاقة «مكمّمة» Quantised بعينها، وعندما تقفز من مستويات أعلى إلى مستويات أدنى ينبعث عنها ضوء يتوافق مع الفرق في الطاقة. في الصمام الثنائي الباعث للضوء، تُضبط فجوة الطاقة الحرجة لإنتاج لون معين، مثل الأحمر أو الأخضر أو الأزرق. يمكن بعد ذلك دمج عدة مصابيح ثنائية باعثة للضوء لتوليد ضوء أبيض نقي، من دون إهدار الطاقة في الانبعاثات غير المرئية كما كانت تفعل المصابيح الكهربائية القديمة.

حواسيب المستقبل
وفقًا للمعطيات الحالية، لا تزال «الحواسيب الكمّية» الحالية بعيدة كل البعد عن النضج. لكنّ هناك مجالًا واحدًا من تكنولوجيا المعلومات يمكنه بالتأكيد الاستفادة من التأثيرات الكمّية، وهو يستفيد منها بالفعل. إنه علم التشفير Cryptography – فن ترميز الرسائل بحيث يتمكن الشخص المعني فقط من فهمها دون سواه. ومن بين الابتكارات الحديثة، «توزيع المفاتيح الكمّية» Quantum key distribution (اختصارًا: التوزيع QKD)، وهو أقرب ما توصلنا إليه إلى نظام تشفير بيانات غير قابل للاختراق. وعلى الرغم من أنه لا يزال في مهده، فإن توزيع المفاتيح الكمّية يعِدُ بإحداث ثورة في طريقة حماية المعاملات المالية والبنية الأساسية الحيوية والبيانات الشخصية ضد الهجمات الإلكترونية.
الإلكترونيات الدقيقة

يستخدم معظم الناس اليوم الأدواتِ الإلكترونية، مثل الحواسيب النقالة والهواتف الذكية وأجهزة الألعاب، باعتبارها من المسلَّمات. لكن رقائق السيليكون الصغيرة التي تكمن في قلب هذه الأجهزة لا تعمل إلا بفضل فيزياء الكم – أو بنحو أكثر تحديدًا، لأن الإلكترونات داخل بلورة السيليكون تتصرف كموجات وليس كجسيمات. يسمح هذا بالتحكم في تدفق الإلكترونات بدقة، مما يفتح احتمالات لا حصر لها لصناعة الإلكترونيات الدقيقة الحديثة. قد يبدو هذا عاديًّا بعض الشيء مقارنة بالغرابة الكمّية التي اعتدنا القراءة عنها، لكن لولا هذه الغرابة، فلن تعمل بعض المكونات الإلكترونية ببساطة. من أمثلة ذلك الصمام الثنائي النفقي Tunnel diode، الذي اكتُشف في العام 1958، ويستخدم في بعض الدوائر الإلكترونية، والذي يستغل ظاهرة كمية غريبة تسمح للجسيمات بالمرور عبر حواجز تبدو غير قابلة للاختراق. وعلى الرغم من أن تأثير النفق الكمّي هذا معروف منذ عقود، إلا أنه خضع للقياس المباشر لأول مرة في العام 2020.

أجهزة تلفاز عالية الدقة
إليك ما يجعل شاشات النقاط الكمّية (QD-OLED) مميزةً جدّا
![]()
1 شاشة عرض مسطحة Flat-Screen Display
تَستخدم معظم شاشات العرض الحديثة بلورات سائلة ومرشحات ملونة لإنتاج صورة، تُضاء من الخلف بمصابيح «ليد».
2 شاشة النقاط الكمّية Qd-Oled Display
على عكس شاشات العرض بالكريستال السائل LCD، تنتج هذه الشاشة إضاءتها وألوانها الخاصة من دون الحاجة إلى أي مرشحات.
3 نقاط كمية Quantum Dots
هي مكونات ميكانيكية كمية ضئيلة، يتألف كل منها من عدد قليل من الذرات، وتنتج ضوءًا بلون محدَّد بدقة.
4 فوائد تكنولوجية Technological Benefits
إضافةً إلى الألوان الأكثر وضوحًا، تنتج شاشة النقاط الكمية لونًا أسود أصليًّا، على عكس اللون الرمادي الداكن لشاشة العرض بالكريستال السائل.
5 فوائد التصميم Design Benefits
يمكن صنع شاشات النقاط الكمّية بحيث تكون أخف وزنًا وأنحف من تلك التي تستخدم شاشات العرض بالكريستال السائل.