
بقلم: ديفيد بودينغتون
في العام 1543، كان الفلكي البروسي نيكولاس كوبرنيكوس Nicolaus Copernicus على فراش الموت. وكان عمل حياته، عن دوران الأجرام السماوية On the Revolutions of the Heavenly Spheres، قد أُرسل حالًا إلى المطبعة. هذا الكتاب، الذي أوضح أن الأرض تدور حول الشمس – وليس العكس كما كان يُعتقَد – غيّر إلى الأبد الطريقةَ التي تنظر بها البشرية إلى مكانتها في الكون. لم نَعُد مركز الوجود الكوني.
”قد تكون الحياة نادرة جدًا في كوننا. قد نكون نحن الشكلَ الوحيد للحياة الذكية في كامل الجزء المرصود منه“

منذ نحو 500 سنة، نواجه ثورة فكرية جديدة. فالكون المرصود يمتد اليوم مسافة 46 بليون سنة ضوئية في كل اتجاه، لكنّ لدى الفيزيائيين أفكارًا مقنعة بشأن ما قد يوجد وراء ذلك. قد يكون هناك عدد لا يُحصى من الأكوان الأخرى، يختلف كل منها قليلًا عن الآخر. وفي الواقع تشير نتائج دراسة حديثة لخلفية الأشعة الكونية الميكروية Cosmic microwave background (اختصارًا: الخلفية CMB)- وهي الإشعاع الحراري المتبقي من الانفجار الكبير – إلى أن هذا الافتراض، الذي كان يبدو في يوم من الأيام ضربًا من الخيال، أصبح أكثر قابلية للتصديق. بدأ كوننا قبل 13.8 بليون سنة، عندما أدى انفجار هائل من المادة والإشعاع إلى إنتاج بلازما شديدة السخونة سرعان ما بردت، مما سمح بتكوُّن الجسيمات دون الذرية خلال ثوانٍ قليلة. وخلال المليون سنة التالية، تشكلت الذرات، وبعد نحو 480 مليون سنة تجمعت مكوّنة النجوم والكواكب والمجرات بكاملها. غير أن نظرية الانفجار الكبير Big Bang theory، التي تشرح كيفية بدء هذا كله، لا تخبرنا أي شيء عن «الانفجار» نفسه. وللإجابة عن ذلك، يجب أن نلجأ إلى فكرة أخرى هي التضخم الكوني Cosmic inflation. تنص هذه النظرية على أنه خلال جزء ضئيل للغاية من الثانية بعد الانفجار الكبير، تمدد الكون بسرعة تفوق سرعة الضوء.
خمسة آثار للكون المتعدد
من شأن بحرٍ لا نهائيّ من الأكوان أن يحمل خصائص شديدة الغرابة
1 أراض قاحلة كونية
تتنبأ نظرية الأكوان المتعددة Multiverse theory بوجود عدد لا نهائي من الأكوان، بحيث توجد كل القوانين الفيزيائية المتصوَّرة في مكان ما. وللأسف، يعني هذا أن الغالبية الساحقة من تلك الأكوان ستكون أماكن مظلمة قاحلة، لا تتشكل فيها نجوم أو مجرات ولا تظهر فيها أي حياة على الإطلاق.
2 فقاعات الظروف المثالية
بعض هذه الفقاعات ستتضمن قوانين طبيعية «مناسبة تمامًا» لتشكُّل البنى الكونية الكبرى، مما يسمح بتكوُّن الكواكب. وستكون بعض الفقاعات مختلفة جذريًا عن كوننا، بينما سيبدو بعضها مألوفًا. وقد تحتوي بعض الأكوان حتى على نسخة مطابقة لكوكب الأرض نفسه.
3 نسخ متطابقة
ستكون عديد من الأكوان متطابقة تقريبًا مع كوننا، لا تحتوي فقط على نسخ بديلة من الأرض، بل على نسخٍ بديلة منك أنت أيضًا. ففي أحدها، لم ينشر كوبرنيكوس عمله مطلقًا، وما زلنا نعيش في عصر يفتقر إلى المعرفة؛ وفي آخر، قد تكون مفاهيمنا العلمية أكثر تقدمًا بكثير مما نعرفه اليوم.
4 روابط عبر الأكوان
قد تكون حضارات أخرى في الأكوان المتعددة أكثر تقدمًا منا بملايين السنين، وقد تتمكن بالتالي من ابتكار وسائل للتواصل بين الأكوان- وهو أمر يبدو مستحيلًا في إطار فهمنا الحالي.
5 فقاعات متصادمة
مع أننا لا نستطيع التواصل بين الأكوان، فقد نتمكن من رصد فقاعة كونية أخرى. فليس هناك ما يمنع، وفقًا لنظرية التضخم الكوني، من أن تتصادم فقاعتان، وهو تصادم من شأنه أن يترك أثرًا في إشعاع الخلفية الكونية.

طُرحت نظرية التضخم الكوني لأول مرة من قِبَل عالم فيزياء الجسيمات الأمريكي البروفيسور آلان غوث Alan Guth. ففي العام 1979، وأثناء عمله على معادلات تصف الكون المبكر، توصّل غوث إلى أمر مذهل: الخُواء الكاذب False vacuum. هذا الخواء لا يشبه ما نتصوره عادةً عن الخُواء بوصفه خاليًا من المادة؛ بل هو مادة بحد ذاته، وقوة ذات تأثير هائل – قوة كبيرة بما يكفي لإشعال كون كامل.
تخيَّل عجلة صُلبة من الجبن. هذا هو الخواء الكاذب قبل الانفجار الكبير. يتمتع هذا الخواء بخاصية مذهلة تُعرف باسم «الجاذبية التنافرية» Repulsive gravity، وهي قوة هائلة تدفع الخواء الكاذب إلى التمدد من حجم ذرة إلى حجم مجرة في جزء صغير جدًا من الثانية. لكن هذا الخُواء الكاذب يتحلل، مثل المواد المشعة، وعندما يحدث التحلل في جزء منه تتكون فقاعة داخل هذا الحيّز المتنامي باستمرار – تمامًا مثل الثقوب في الجبن السويسري. تحتوي هذه الفقاعة على ناتج تحلل الخُواء الكاذب: جزيئات شديدة السخونة ومضغوطة بكثافة هائلة. وبعدئذ تنفجر هذه الجزيئات، محدثة الانفجار الكبير الذي شكّل كوننا. غير أن الأمر الجوهري، كما أدرك الفيزيائي ألكسندر فيلينكن Alexander Vilenkin في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، هو أن الخُواء الكاذب لا يتحلل بالكامل. يقول فيلينكن: «تتمدد الفقاعات بسرعة كبيرة، لكن الفضاء بينها يتمدد بوتيرة أسرع، مما يفسح المجال لمزيد من الفقاعات».

يعني هذا أنه بمجرد أن يبدأ التضخم الكوني فإنه لا يتوقف أبدًا، وكل فقاعة جديدة تحتوي على المواد الأولية لحدوث انفجار كبير خاص بها. وعليه، قد يكون كوننا مجرد واحد من عدد لا نهائي من الأكوان التي وُلدت داخل الخُواء الكاذب الذي يستمر في التمدد إلى الأبد. وبعبارة أخرى: قد تكون هناك بالفعل أكوان متعددة. وعلى الرغم من أن نظريات التضخم الكوني قد حظيت بقبول متزايد على مدى سنوات طويلة، فإن الدليل القاطع على حدوث هذا التضخم ظلّ عصيًّا على الإثبات. وفي مارس 2014، أعلن فريق من العلماء، في أثناء دراستهم بيانات تلسكوب تصوير الخلفية لاستقطاب المجرات الكونية البعيدة -2 Background Imaging of Cosmic Extragalactic Polarization (اختصارًا: التلسكوب BICEP-2) في القطب الجنوبي، أنهم رصدوا مؤشرات على ما يُعرف باسم الاستقطاب من النمط «ب» B-mode Polarisation في خلفية الإشعاع الكوني الميكروي CMB. يكشف هذا السلوك عن وجود موجات جاذبية Gravity Waves، وهي تلك الموجات التي تشير نظريات أينشتاين إلى وجوب وجودها. يقول علماء الفلك إن قوة ظهور هذه الموجات تُعَد دلالة قوية على حدوث التضخم الكوني بالفعل.
وعلى الرغم من أن أدلة التلسكوب BICEP-2 تبيّن لاحقًا أنها مجرد تلوث ناجم عن غبار مجري، فهناك ظواهر أخرى في كوننا تدعم فكرة وجود أكوان متعددة. هناك خصائص أساسية في العالم من حولنا، مثل كتلة الإلكترون أو قوة الجاذبية، يترتب على تغيُّرها عواقب خطيرة. ولا يوجد سبب واضح يجعل هذه الثوابت الطبيعية تمتلك القيم التي نرصدها اليوم، ومع ذلك تبدو كأنها مضبوطة بدقة تتيح وجودنا. فعلى سبيل المثال، لو انخفضت كتلة البروتون بنسبة %1 فقط، لما أمكن للذرات أن تتكوّن أصلًا؛ ولو زادت كتلة البروتون بالنسبة نفسها، لكان الكون مكوّنًا بالكامل من الهيدروجين لا غير.

لا يتوقف ما يبدو أنه «ضبط دقيق» لكوننا عند هذا الحد. فالطاقة المعتمة Dark Energy قوة تملأ الفضاء وتدفع تمدُّد الكون منذ الانفجار الكبير. تبلغ كثافتها نحو 27-10 كغم لكل متر مكعب، وهي قوة ضئيلة على نحو يكاد لا يُصدَّق. ولو أُعيد ضبط هذه القيمة بفارق بضعة منازل عشرية فقط، لانهار الكون على نفسه مباشرة بعد الانفجار الكبير، أو لتمدّد بسرعة هائلة تمنع المادة من التجمُّع لتشكيل البنى الكونية. إن احتمال امتلاك الطاقة المعتمة لهذه القيمة الدقيقة ضئيل على نحو مذهل.
أنصار فكرة «التصميم الذكي» Intelligent design – القائلة بأن الكون الذي نرصده لا يمكن أن يكون قد نشأ بالمصادفة – يرون في هذا دليلًا على وجود خالق يعدّل إعدادات مُرَكَّبٍ كوني لجعل ثوابت الطبيعة ملائمة تمامًا للحياة. ولكن إذا وُجدت أكوان متعددة، فلا توجد مشكلة «الضبط الدقيق» أصلًا؛ فسيكون هناك أكوان أخرى بثوابت طبيعية مختلفة لا تقود إلى نشوء المجرات أو الكواكب أو البشر.
هناك مجال آخر من البحث يشير إلى احتمال وجود «الأكوان المتعددة»، وهو نظرية الأوتار String theory. تمثل هذه النظرية محاولة للتوفيق بين مجموعتين من القواعد الفيزيائية المتعارضة ظاهريًا: نظرية النسبية العامة لأينشتاين، التي تصف سلوك كل شيء بدءًا من الذرة وصولًا إلى المجرة، وميكانيكا الكم التي تفسر السلوك المختلف تمامًا للجسيمات دون الذرية. تنص نظرية الأوتار على أن جميع الجسيمات وأشكال الطاقة ليست مكوّنة من نقاط، بل من أوتار مهتزة، لا توجد في الأبعاد الأربعة التي نعرفها (الفضاء ثلاثي الأبعاد والزمن)، بل في 11 بُعدًا مطوية داخل نفسها. يكمن الأهم في الطريقة التي تُطوى بها هذه الأبعاد، لأن بنيتها هي التي تحدد القوانين الفيزيائية لكوننا. يشير الفيزيائيون إلى وجود أكثر من10,500 طريقة يمكن أن تُطوى بها هذه الأبعاد، وكل طريقة تمثل تكوينًا مختلفًا لكون محتمل. وكما هي الحال مع مبدأ «الضبط الدقيق» لثوابت الطبيعة، لا يوجد سبب يجعل إحدى طرق الطي مفضلة على الأخرى – فجميعها محتمَلة بالقدر نفسه. وإذا وُجدت أكوان متعددة، يصير في الإمكان أن تتحقق كل تلك الصور التي تتنبأ بها نظرية الأوتار في واقع فعلي.
إذا جمعنا بين نظرية الأوتار، وفكرة الضبط الدقيق، وتزايد الأدلة التي تدعم التضخم الكوني، تصبح نظرية الأكوان المتعددة فرضية شديدة الإقناع. لكن ماذا يعني هذا بالنسبة إلى البشرية؟ يحملنا هذا السؤال مرة أخرى إلى كوبرنيكوس. فعندما اعتُمد نموذجه الجديد للسماء، شهد فهمُنا للكون قفزة هائلة إلى الأمام. وسيكون الأمر مماثلًا لو ثبتت صحة نظرية الأكوان المتعددة. قد يكون من السهل الشعور بالإحباط والنظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا ضئيل الشأن – غير أن مجرد استمرارنا في البحث عن إجابات لهذه الأسئلة هو ما يمنح وجودنا معنى ويجعلنا مميزين بالفعل.
أسئلة وأجوبة:
البروفيسور ألكسندر فيلينكين Professor Alexander Vilenkin مدير معهد علم الكونيات في جامعة تافتس، ماساتشوستس
لقد كنت أحد المؤيدين الأصليين للتضخم الأبدي. كيف قادتك نظرية التضخم إلى فكرة أن «الانفجارات الكبيرة» قد تحدث طوال الوقت؟
تنتهي مرحلة التضخم بفعل عمليات كمّية، ولا يحدث ذلك في كل مكان في الوقت نفسه، بل يقع في جيوب أو فقاعات منفصلة، بينما يستمر التضخم في مناطق أخرى مُنتجًا مزيدًا من الفقاعات.
ما الذي يسبب في الواقع وقوع حدث «انفجار كبير» جديد في جزء محدد من الكون المتعدد المتوسع باستمرار؟
لا يوجد سبب مباشر. إنها عملية كمّية لها احتمال معين للحدوث، لكن لا يمكن التنبؤ بدقة بموعد أو مكان تشكُّل الفقاعة. يشبه ذلك ما نلاحظه في التحلل الإشعاعي؛ فالذرة المشعة تمتلك احتمالًا معينًا للتحلل خلال ساعة مثلًا، وفي النهاية ستتحلل. لكن إذا سألت عن سبب حدوث التحلل في تلك اللحظة تحديدًا، فالإجابة هي أنه لم يكن هناك سبب محدد.
كيف تشعر على إثر إدراكِك أن كل ما يمكن أن يحدث سيحدث، أو قد حدث بالفعل في كون آخر؟
عندما أدركت ذلك لأول مرة، شعرتُ بنوع من الإحباط، إذ بدا لي أن حضارتنا ليست فريدة. لكن كثيرًا من أصدقائي لم يجدوا أي مشكلة في هذه الفكرة على الإطلاق. لاحقًا، أدركت أن الحياة قد تكون نادرة جدًا في كوننا، وربما نكون نحن الحياة الذكية الوحيدة في كامل الجزء المرصود منه. وفي هذه الحالة، فإن جنسنا البشري بعيد جدًا عن أن يكون بلا شأن.