العلوم الإنسانية والإجتماعية

معايير جديدة لتقييم الآثار الاجتماعية الاقتصادية الخاصة بالتكنولوجيا الحيوية

2014 البذور والعلم والصراع

أبي ج . كينشي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العلوم الإنسانية والإجتماعية البيولوجيا وعلوم الحياة

إذا أخذت التحديات التي تواجه المحاصيل المهندسة وراثياً ككل، فإنها تشير إلى أن الاتفاقيات الناظمة التي تحبذ المطالبات القائمة على العلم هي شديدة المقاومة للتغيير.

إلا أنه ليس من غير المسموع به أن تعترف الحكومات بمجموعة أوسع نطاقاً من معايير السماح بتسويق المحاصيل المهندسة وراثياً، أو بتقييم آثار التطوّرات الصناعية الأخرى، وبالفعل، هناك العديد من الأمثلة حيث أدمجت تقيمات الآثار الاجتماعية والاقتصادية ضمن الأُطر الناظمة.

ففي الولايات المتحدة الأميركية، تكون التحليلات الاجتماعية الاقتصادية مطلوبة كجزء من عملية التقييم البيئي بموجب قانون سياسة البيئة الوطنية لعام 1969م، وقد طوّر علميو الاجتماع مجموعة كبيرة من الأدبيات حول الأساليب والإجراءات لتقييم الآثار الاجتماعية بموجب هذا القانون (Freudenburg 1986; Burdge 2003; Lockie 2001; Vanclay 2006).

إلا أن هذه التقييمات للآثار الاجتماعية في الولايات المتحدة الأميركية قد «سقطت لعدم استخدامها» (Fell into Disuse) في تسعينات القرن المنصرم (Turnley 2002, 2)، لكنه تمّ تبنّي هذه الفكرة في أجزاء أخرى من العالم.

 

إن الاعتبارات الاجتماعية الاقتصادية التي قد تكون ذات صلة بقرارات التجارة الخاصة بالتكنولوجيا الحيوية، قد أشار إليها بروتوكول قرطاجينة للسلامة الإحيائية، ولا سيّما تلك المتعلقة بآثار فقدان التنوّع البيولوجي على الثقافات الأصلية (Stabinsky 2000; Kleinman and Kinchy 2007).

لقد اعتمد الناظمون  الأوروبيون أيضاً مجموعةً من الاستراتيجيات المتنوّعة ذات العلاقة بالقبول الاجتماعي للتكنولوجيا. وقدمت في الاتحاد الأوروبي مقترحات رسمية في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي للقيام بعمليات تقييم للآثار الاجتماعية الاقتصادية الخاصة بالتكنولوجيا الحيوية الزراعية، مثل التوافق مع اللوائح الناظمة القائمة في السوق.

لكن هذه لوائح لم تقر أبداً(Kleinman and Kinchy 2003)، إلا أن الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن يسير نحو نهج جديد لتنظيم المحاصيل المهندسة وراثياً، بما يسمح للدول الأعضاء في الاتحاد بحظر التكنولوجيا، في ما إذا كان يُرى أنها غير مرغوبة اجتماعياً، حتى وإن كانت قد منحت موافقات السلامة على مستوى الاتحاد الأوروبي (Alapekkala 2011).

 

إن الجهود من أجل إدراج الاعتبارات الاجتماعية الاقتصادية للبيئة وحوكمة التكنولوجيا الحيوية، قد لا تكون بالضرورة شاملة للمخاوف الشعبية بشأن التكنولوجيا الجديدة، وفي الحقيقة، أخذ التقييم الاجتماعي والاقتصادي طابعاً علمائياً وكمياً، وترك للخبراء القيام به.

لكن أبعد من التوسع في أنواع القضايا المنظورة في تنظيم تطوير الصناعة، أصبح هناك اعتراف متنامٍ بقيمة المشاركة العامة، والمداولات بخصوص التغيير الاجتماعي. فقد وصفت مجموعة متنوعة من العلميين بحماس شديد أمثلة العمليات القائمة على المشاركة باعتبارها نماذج لتنشيط القيم الديمقراطية بوجه السياسة العلمائية (انظر على سبيل المثالFischer 2000; Maasen and Weingart 2005).

وهناك مؤشرات تنطوي على أنه يجري إخضاع العلم والتكنولوجيا للتدقيق العام بوسائل جديدة. فمنذُ سبعينات القرن الماضي، أجرت الحكومات والمنظمات الدولية تجارب لمجموعة من الآليات المتنوعة، مثل الإجراءات التشاركية لتقييم التكنولوجيا، ومؤتمرات تتوافق فيها الآراء، ومشاريع «علم المواطن»(Citizen Science)، وذلك من أجل إيجاد دور للمواطنين العاديين في تقييم العلم والتكنولوجيا.

فمثل هذه العمليات القائمة على المشاركة الرسمية، أصبحت أكثر انتشاراً في جميع أنحاء العالم، ودفعت العديد من العلميين إلى صف «تحول تشاركي» في صنع السياسات في العلم والتكنولوجيا (Jasanoff 2003, 235).

ومن ذلك يتضح أن نطاق وطبيعة مشاركة الجمهور تختلف بشكل واسع بين البلدان، وأن الحكومات الوطنية أو المحلية في [بعض] البلدان قد تحجم عن زيادة المشاركة الشعبية واتخاذ القرارات ذات العلاقة.

 

فردّاً على فضيحة الذرة المهندسة وراثياً، لم يكن هناك دور للحكومة المكسيكية أو لمؤسسات البحوث المكسيكية لإشراك الجمهور، بل كان ذلك بتأثير من الهيئة الاستشارية الثلاثية أي للجنة التعاون البيئي التي كان لها تأثير محدود بالنهاية. علاوةً على ذلك فقد أشار المراقبون النقادون، أنه في الكثير من الحالات كانت عمليات المشاركة ضيقة للغاية ومقيّدة. ففي كندا على سبيل المثال، قاطع النشطاء المناهضون للتكنولوجيا الحيوية، الجهود المبذولة لجمع الإسهامات العامة حول سياسة التكنولوجيا الحيوية، إذ نظر هؤلاء النشطاء للعملية على أنها مجرد وسيلة لإضفاء الشرعية على نتائج محددة مسبقاً (Prudham and Morris 2006).

وقد كانت وجهة نظر النشطاء، على الأرجح، مبنية على أسس جيدة بالنظر إلى عدد من الدراسات حول المشاركة التي لم تقدّم سوى أرضية محدودة للنقاش حول الآثار المترتبة على التكنولوجيا، والمركّزة أساساً على تحديد وإدارة المخاطر، متجنبة في الوقت نفسه الأسئلة الأكثر جوهريةً حول نوع المجتمع الذي نرغب أن نعيش فيه (Levidow 1998; Bereano 1997).

بعض المراقبين يحذّرون من أن المشاركة قد تستخدم وكأنها استراتيجية للنخب السياسية، لاستمالة الحركات الاجتماعية والمعارف العامة ولتوجيه الناس ليتصرّفوا بطرق لا تنطوي على التحدي لعلاقات السلطة المهيمنة (Hess 2007; Agrawal 2005).

إن الأفكار السياسية الراهنة لتقييم الأثر الاجتماعي وأنماط المشاركة في الحوكمة، على الرغم من عيوبها، هي خطوات مهمة باتجاه إعادة هيكلة حوكمة التكنولوجيا بطرق تستجيب بشكل صريح للأولويات الاجتماعية.

 

فقد أظهرت نزعات الذرة المهندسة وراثياً والكانولا أن النموذج العلمي لتقييم المخاطر، والذي يستبعد الأسئلة حول الرغبة في التغيير التكنولوجي، يعتبر عقبة رئيسية لبقاء الأنماط البديلة للزراعة. فاستمرار الصراع الاجتماعي على المحاصيل المهندسة وراثياً يشير بقوة إلى أن الوقت قد حان لـ «قواعد جديدة للعبة» لحوكمة التكنولوجيا، وإعادة تقييم ما تمّ إنجازه باستبعاد الاعتبارات التي لم يتم تصنيفها بسهولة على أساس علمي.

فبعد كل شيء، إن قرارات التكنولوجيا ليست قرارات حول الطريقة التي نرغب أن نعيشها. وعليه فليس من السهل تغيير الأفكار العميقة الجذور، والقواعد الثابتة بشأن السبل المناسبة لتنظيم مراقبة التكنولوجيا، ولعله من غير المرجّح أن يتغير ذلك دون استمرار التحدي المنظمة.

ولكن تغيير نطاق النقاش أمرٌ ضروري في السعي لتحقيق أنماط زراعية مستدامة اجتماعياً، فأي شيء عدا الوضع الراهن سيكون من المستحيل، طالما أننا نفشل جماعياً في النظر إلى السياسيات تكنولوجية على أنها مسألة ذات اهتمام لدى العامة.