الرياضيات والهندسة

الديناميك والحركة

2000 الرياضيات والشكل الأمثل

ستيفان هيلدبرانت و انتوني ترومبا

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الرياضيات والهندسة الهندسة

رأينا في الفصول السابقة كيف أثرت المبادئ التغيرية في الفكر الرياضياتي والفيزياء كليهما، وقد قصرنا اهتمامنا في المقام الأول على النظم الفيزيائية في حال سكونها، وذلك على الرغم من أن وصف الحركة لا يقل أهمية. ونحن نعلم بأن قدماء اليونانيين فكروا ملياً في شكل المسار لحجر قذف في الهواء، وشكل أفلاك الكواكب. بيد أن الاهتمام الرئيسي لليونانيين كان ينصب أكثر على الشكل الهندسي لأفلاك الأجرام السماوية منه على الحركة تبعاً للزمن على طول هذه الأفلاك. لذا فقد سلكنا الطريق نفسه الذي سار عليه اليونانيون.

ومن المهم ملاحظة أن اليونانيين لم يروا وجود علاقة،مثلاً، بين حركة الكواكب وحركة الأجسام الساقطة، إذ إن مثل هذه العلاقة لم تكتشف إلا بحلول القرن السابع عشر، وهو عصر نيوتن، ومن المعلوم أن قواعد علم الديناميك (التحريك) dynamics (هذه الكلمة مشتقة من الكلمة اليونانية dynamis التي تعني "القوة" أو "القدرة") أُرسيت من قبل >نيوتن< في موسوعته المبادئ الرياضياتية للفلسفة الطبيعية Philosophiae Naturalis Principia Mathematica  المؤلفة من ثلاثة كتب. يعالج أولها حركة جسم واحد أو أكثر في الخلاء.

ويعالج الكتاب الثاني حركة الأجسام في الأوساط المقاومة، كالسوائل والغازات، في حين يطبق الكتاب الثالث الديناميك النيوتني على حركة الكواكب، وعلى نظرية المد والجزر الناجمين عن الشمس والقمر، وعلى مسائل فلكية متنوعة أخرى، كمسارات المذنبات وحركة القمر وشكل الكرة الأرضية.

 

في هذه الموسوعة جرت صياغة البرنامج الكلي للميكانيك الحديث، ليس في مضمونه بل وفي أسلوبه أيضاً. وقد استهل نيوتن سرده لموسوعته كرياضياتي، وذلك بتقديمه أولاً تعاريف المفاهيم الأساسية التي سيتطرق إليها، كالكتلة والاندفاع (كمية الحركة)  momentum، ثم بصياغة القوانين التي كان على كل الحقائق الأخرى أن تستنتج منها. وهذه القوانين هي:

القانون الأول: يبقى كل جسم ساكناً أو متحركاً بحركة منتظمة بالاتجاه نفسه ما لم تجبره قوى دخيلة على تغيير حالته.

القانون الثاني: إن التغير في الحركة يتناسب مع القوة الدخيلة المحركة، ويجري هذا التغير على طول الخط المستقيم الحامل لهذه القوة.

القانون الثالث: يوجد دائما لكل فعل ردة فعل يساويه ويعاكسه في الاتجاه، أي إن الأفعال المتبادلة بين جسمين متساوية ومتعاكسة في الاتجاه.

وعلى الرغم من أن نيوتن نفسه انحرف عن طريق المعالجة الدقيقة التي اتبعه في موسوعته (إذ إنه استخدم في سياق مناقشاته التي أوردها في هذه الموسوعة أفكاراً غير محددة وطبق مسلماتٍ لم يسبق له أن نص عليها)، فقد كان لمعالجته الموضوعاتية axiomatic تأثير قوي ومستمر في جميع الأجيال اللاحقة من علماء الرياضيات والفيزياء. هذا وإن إنجازات نيوتن في علم الديناميك تماثل ما أنجزه إقليدس في علم الهندسة و أرخميدس في علم السكون.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن ليس كل ما ورد في موسوعة نيوتن كان جديداً. فعلى سبيل المثال، ليس القانون الأول سوى قانون كاليليو في العطالة (القصور الذاتي) inertia الذي اعتمده نيوتن كواحد من مسلماته، كذلك، فإن قسماً كبيراً من الكتاب الأول كان مقتبساً من مؤلفين سبقوه، لكن نيوتن نظم ما اقتبسه على نحو منهجي، وكل ما عدا ذلك كان من إبداع >نيوتن<، ولا يسعنا إلا أن نقف إجلالاً لهذا العالم الجهبذ عندما نرى الصعوبة البالغة للمسائل التي تصدى لها.

هذا ولا تمثل القوانين الثلاثة سوى إطار شكلي formal لعلم الديناميك، كما لا تذكر شيئاً عن طبيعة القوى الفاعلة. وفي الحقيقة، فإن القانون الثاني كان يعتبر أحياناً حشواً لا ضرورة له. وإذا رغبنا في تطبيق القوانين الديناميكية على حالات محددة فيجب معرفة القوى الفاعلة؛ والجذب attraction  هو واحد من هذه القوى الأساسية؛ وقد نص نيوتن على كيفية عمل هذه القوة على النحو التالي:

يجذب كل جسيم من المادة كل جسيم آخر بقوة تتناسب طردياً مع كتلة كل منهما، وعكسياً مع مربع المسافة الفاصلة بينهما.

يسمى هذا القانون قانون التثاقل الكوني لنيوتن. (وتجدر الإشارة إلى أن نيوتن لم يورد نص هذا القانون في صيغته العامة، لكنه أورد نصوصاً مختلفة له في أماكن متفرقة جرى بعد ذلك دمجها في النص السابق). وقد أطلق على القوى الجاذبة للكتل اسم  gravitas، وتعني هذه الكلمة الثقل أو الوزن. أما اليوم فنحن نتكلم عن الثقالة gravity أو التثاقل gravitation.

وفي عام 1666 اشتق نيوتن قانون التثاقل من قانون كپلر الثالث في الحركة الكوكبية. وقد استطاع في وقت لاحق أن يثبت العكس، أي أن قانون التثاقل وقوانينه الثلاثة الأساسية تقتضي قوانين كپلر الثلاثة. وبوجه خاص، فقد برهن نيوتن على أن فلك كوكب سيار حول الشمس هو قطع مخروطي إذا كانت القوة الجاذبة تخضع لقانون مقلوب مربع المسافة المتعلق بشدة التثاقل. وهكذا فقد مثلت قوانين نيوتن خطوة حاسمة باتجاه فهم الظواهر الفيزيائية بالاستعانة بنموذج رياضياتي، وكذلك باتجاه الحلم الفيثاغوري القديم الذي كان يطمح إلى فهم العالم عن طريق الرياضات. وقد قال لايبنتز عن نيوتن: "إذا نظرنا إلى الرياضيات منذ بدء الخليقة وحتى الأيام التي عاش فيها نيوتن، فسنرى أنه أنجز نصفها الأفضل إلى حد بعيد". كذلك علق لاكرانج قائلاً: إن نيوتن كان أعظم العباقرة الذين أنجبتهم البشرية، كما كان أوفرهم حظاً، ذلك أنه لا يمكننا سوى مرة واحدة أن نجد نظاماً للكون.

وبعد مرور قرن على ظهور موسوعة نيوتن، توصل لاكرانج إلى مبدئه التغيري العام  principle general variational  في علم الديناميك، الذي كان الصياغة الرياضياتية لقانون الفعل الأصغر في علم الميكانيك.

بيد أنه لم يكن الجميع على استعداد لقبول أفكار نيوتن، فقد وجد برنولي أن من الصعب تقبل المرء مفهوم قوة تعمل في الخلاء عبر مئات الملايين من الأميال. وقد نظر إلى هذه القوة على أنها مفهوم "تنبذه العقول التي لم تعتد على قبول أي مبدأ في علم الفيزياء إلا إذا كان واضحاً ومعقولاً".

وقد وجد لابنتز في التثاقل مفهوماً روحياً وقوة لا يمكن تعليلها وخالية من أي مضمون فلسفي.

كذلك، فقد انزعج نيوتن من الأسئلة التي كانت تطرح عليه حول كيفية عمل هذه القوة، ولم يكن بمقدوره أن يقدم تفسيراً أكثر من قوله: "لم أتمكن من أن أستخلص من الظواهر الطبيعية أسباب هذه الخواص التي يتمتع بها التثاقل؛ وإنني لا اخترع فرضيات، ذلك أن كل شيء لا يستنتج من الظواهر الطبيعية يجب أن يسمى فرضية".

وفضلاً على ذلك، كتب .R> بنتلي< في إحدى رسائله ما يلي:

إن التفكير بأن الثقالة سمة ملازمة جوهرية للمادة ومتأصلة فيها- بحيث إن جسما يمكن أن يؤثر في آخر بعيد عنه عبر الخلاء، دون توسط من أي شيء آخر ينقل خلاله فعل الحجم الأول إلى الثاني – هو تفكير سخيف بالنسبة إلي، وأنا أعتقد بأنه ما من إنسان مؤهل للتفكير في الأمور الفلسفية يمكن أن يقترف مثل هذا الخطأ".

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الصعوبات وغيرها جابهها فيما بعد  .A>آينشتاين< في نظرية النسبية العامة التي ظهرت عام 1916 في بحثه العبقري بعنوان "أساسيات النظرية النسبية العامة"" Die Grundlagen der allgemeinen Relativitatstheorie فعندما صاغ آينشتاين أفكاره بحث عن نموذج رياضياتي مناسب لها، ووجد ضالته في أعمال كان قد طورها كاوس وريمان وجيلان من علماء الهندسة أتيا من بعدهما.

 

وقد استنبط آينشتاين مفهوم كون زمكاني(1) space-time رباعي الأبعاد متقوس (غير منبسط، أي إنه ليس كالفضاءات الثنائية والثلاثية الأبعاد والمحددة بمسلمات إقليدس). إن تقوس هذا الفضاء تولده المادة والطاقة، ومقدار تقوس هذا الفضاء الرباعي الأبعاد يكون كبيراً قرب كمية كبيرة من المادة، أما بعيداً عن المادة، فإنه يكون قريباً من الصفر. هذا وإن العلاقة الدقيقة بين التقوس من ناحية، والمادة والطاقة من الناحية الأخرى، هي التي تكون مضمون "معادلات الحقل" field equations لآينشتاين. ومن الجدير بالذكر أن  .D>هلبرت< اكتشف أن هذه المعادلات تستنتج من مبدأ تغيري.

هذا وقد استعيض في نظرية آينشتاين عن مفهوم القوة التي يمتد تأثيرها عبر مسافات طويلة بتقوس الفضاء الزمكاني. وبغية إيضاح مخطط آينشتاين، فإننا سنقدم نموذجاً مفرطاً في بساطته ينقل بعض أفكار آينشتاين الأساسية. لهذا نمثل الفضاء بسطح نتخيل أنه كان في الأصل ترامپولينا (منصة بهلوان) TRAMPOLINE منبسطاً (حالة الخلاء) جرى تشويهه بقوة في إحدى نقاطه، بوساطة ثقل كرة فولاذية هائلة (الشمس)، وسنفترض أن ثمة كرة فولاذية صغيرة تتدحرج على الترامپولين هي كرتنا الأرضية.

فإذا ما دحرجنا الكرة الفولاذية الصغيرة على الترامپولين المنبسط، فإنها ستتحرك على مسار مستقيم، بيد أننا لو وضعنا الآن الكرة الفولاذية الهائلة في المركز، فإن الرقعة ستنحني حتى في أماكن "بعيدة جداً" عن الكرة الكبيرة، فلو دفعنا بعد ذلك الكرة الصغيرة دفعة صغيرة، فإنها لن تسير على خط مستقيم، بل على مسار منحن، إذ إن الكرة الكبيرة تؤثر في مسار الكرة الصغيرة عن طريق حنيها للفضاء المحيط بها. وإذا قمنا بدفع الكرة الصغيرة بصورة ملائمة، فإنها قد تدور حول الكرة الكبيرة مدة من الزمن. ويفسر هذا النموذج كيف أن جسماً كبيراً يمكنه، بتقويسه للفضاء، أن يؤثر في جسم صغير تفصله عنه مسافة كبيرة.

وفضلاً على ذلك، فإن الضوء في فضاء آينشتاين المنحني يسير وفق جيوديزات geodesics. وقد تنبأ آينشتاين بأن الأشعة الضوئية يجب أن تنحني إذا ما مرت

 

عبر مناطق ذات تقوس كبير، كالمناطق المجاورة للشمس. ومن المستحيل في الأحوال العادية رصد الأشعة الضوئية القريبة من الشمس الساطعة لكن الكسوف الشمسي يوفر فرصة ثمينة لإجراء قياسات تتعلق بهذه الأشعة. وفعلاً فقد قامت بعثتان بريطانيتان إلى غينيا الجديدة (برئاسة إدينكتون وكوتنهام) وإلى سوبرال Sobral في شمال البرازيل، باستخدام الكسوف الشمسي الذي حدث في 29/5/1919 لرصد ما إذا كانت الأشعة الضوئية المنبعثة من النجوم والمارة قرب الشمس يمكن أن تنحني. وقد تمكنت كلتا البعثتين من إثبات صحة نبوءة آينشتاين، وفي هذا الصدد كتب إدينكتون يقول:

ليتحقق الحكماء من صحة ما أجريناه من قياسات؛ ولكن ثمة شيء جد أكيد؛ أن للضوء ثقلاً وهناك أمر ثابت، وكل ما عداه قابل للجدل؛ ذلك أن أشعة الضوء لا تسير قرب الشمس على مستقيمات.

ونود إنهاء عرضنا بإيراد مقتطفات من محاضرة ألقاها .M> پلانك< في أكاديمية برلين بتاريخ 29/6/1922 في "يوم ذكرى لايبنتز". فبعد أن ذكر الحضور بشخصية لايبنتز، شدد على إنجاز خاص جداً لهذا العالم

 

ماكس پلانك (1858 – 1947).

والفيلسوف الجهبذ إذ قال:

إن مقالة الثيوديسيا Theodicy- التي بسط فيها لايبنتز أفكاره الفلسفية عام 1710- بلغت الذروة إذ نصت على أن أي حدث في هذا الكون، سواء أكان في نطاق واسع أم ضيق، في الطبيعة أم في الحياة الروحية، منظم دون ريب من قبل إرادة مقدسة بحيث يكون عالمنا أفضل جميع العوالم الممكنة.

ترى، هل بإمكان لايبنتز لو كان حياً أن يعيد اليوم ما كان قد أكده في الأمس، بعد أن يرى الشقاء السائد في الوقت الحاضر، والفشل الذريع للعديد من الجهود غير الموجهة مباشرة نحو الكسب المادي، والحقيقة التي لا يمكن إنكارها، وهي أن الانسجام العام الذي كان يظن أنه سيشيع بين الناس يبدو اليوم أبعد منالاً من أي وقت آخر؟ ولا شك في أنه يتعين علينا الرد على هذا السؤال بالإيجاب، حتى لو لم نكن نعلم أن لايبنتز لم يتوقف قط عن شغل نفسه بشغف حتى آخر سنى حياته على الرغم مما حل به من مصير غير مؤات وخيبات أمل من جميع الأنواع، وإلى حد ما لن نخطئ إذا افترضنا أن الثيوديسيا كانت هي بالضبط التي مدته بالدعم وهيأت له راحة البال في أحلك أيام حياته. وهذا يوفر مرة ثانية مثالاً مؤثراً على الحقيقة القديمة التي تقول بأن مبادئنا التي تتسم بأكبر عمق وقدسية ذات جذور متأصلة في أعماق نفوسنا، وهي مستقلة عن الممارسات التي تجري في العالم الخارجي.

لقد ابتعد العلم الحديث كثيراً عن وجهة نظر لايبنتز الغائية  teleological، ويرجع ذلك بوجه خاص إلى تأثير تطور فكرة السببية causality. وقد هجر العلم افتراض وجود سبب خاص سابق، فالعلم يعتبر أن كل حدث في العالم الطبيعي والروحي، من وجهة المبدأ على الأقل، يمكن أن يرد إلى حالاته السابقة. بيد أننا نلاحظ، وبخاصة في أدق العلوم، حقيقة مدهشة جداً تبرز في هذا السياق على الأقل. فالفيزياء المعاصرة، على الرغم من كونها منظمة نظرياً، محكومة تماماً بنظام من المعادلات التفاضلية الزمكانية تبين أن كل عملية تجري في الطبيعة تتحدد كلياً بالحوادث التي تقع في الجوار المباشر الزماني والمكاني لهذه العملية. وهذه المجموعة الوفيرة الكاملة من المعادلات التفاضلية، على الرغم من اختلافها في التفاصيل لأنها تتعلق بعمليات ميكانيكية وكهربائية ومغنطيسية وحرارية- فإنها الآن محتواة برمتها في مبرهنة واحدة فقط: مبدأ الفعل الأصغر. وهذا يعني اختصاراً أنه من بين جميع العمليات الممكنة؛ فإن العمليات التي تحدث فعلاً دون غيرها هي تلك التي تجري ببذل أقل قدر ممكن من الفعل. وكما يمكننا أن نرى، فلا يلزمنا أكثر من خطوة صغيرة لتعرف سيادة الإرادة المقدسة في ثنايا المبدأ القائل بأفضلية بذل أقل قدر ممكن من الفعل. ومن ثم لاكتشاف جزء من الترتيب الغائي للكون الذي يؤمن به لايبنتز، فالاختلاف بين وجهتي النظر، كما نرى، ليس في الجوهر، بل هو اختلاف في التفسير فقط، ذلك أن وجهة النظر الأولى تقتصر على ما هو صغير جداً، في حين تشمل الثانية مسافات واسعة في الزمان والمكان.

وفي هذا الصدد، على كل منا أن يقرر لنفسه وجة النظر التي يعتقد بأنها هي الأساسية، كما أنه يجب علينا أن نتساءل عن الطريق الذي سيحقق لنا في نهاية المطاف نجاحاً أكثر.

 

هذا وإن مبدأ الفعل الأصغر يؤدي، في الفيزياء المعاصرة دوراً أصغر نسبياً، إذ إنه لا ينسلك تماما في إطار النظريات الحالية. وغني عن القول إنه قانون صحيح، بيد أنه لا يصلح عادة كأساس للنظرية، إنما كملحق صحيح لها يمكن الاستغناء عنه، وذلك لكون الفيزياء النظرية مكيفة تماماً وفق مبدأ الآثار الموضعية اللامتناهية في الصغر  infinitesimal local effects، وهي ترى أن توسيع الاعتبارات المطروحة إلى فضاءات وأزمان أوسع، تعقيد غير ضروري أو اقتصادي لأسلوب المعالجة. ومن ثم، فإن الفيزياء تنحو إلى النظر إلى مبدأ الفعل الأصغر على أنه فضول عابر وشكلي أكثر من كونه دعامة للمعرفة الفيزيائية.

لذا فإن ما يدعو لدهشة اكثر أن يكون هذا المبدأ، الذي كان يعتبره لايبنتز(1) وموپيرتوي مبرهنة ميكانيكية(2) قد اعتبر من قبل . H>فون هلمهولتز< مبدأ ثبتت صحته، بدون أي تحديد، في جميع حقول علم الفيزياء في أيامه. ومنذ عهد قريب تمكن .D>هلبرت< من إثبات صحة هذا المبدأ في نظرية آينشتاين في النسبية العامة، وذلك باستخدام صبغة هاملتون للمبرهنة. وبازدياد تعقد الأحوال أكثر، يغدو أقل احتمالاً أن تكون هيمنة مثل هذا القانون البسيط قد حدثت بمحض الدفة.

وثمة مؤشر موثوق منه دائماً على عدم اكتمال معالجة ما، وهو ألا تتمكن هذه المعاجة من تفسير علاقة مقبولة عموماً وبسيطة وعامة. ولن نشبع رغبتنا في المعرفة إلا إذا كان كل قانون، وجد أنه صحيح، مفهوماً في كل ما يمكن أن يحمل من معانٍ، وأصبح هذا القانون جزءاً مكملاً للبنية النظرية برمتها.

 

 

يعتبر پلانك أن لايبنتر هو مكتشف مبدأ الفعل الأصغر.

إن دعوى پلانك هذه ليست صحيحة تماماً، وهذا أمر يمكن رؤيته في الشرح الوارد في الفصل الأول