التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

فكرة التحسين مرتبطة عضوياً بمفهوم الفشل .مصممون خلف الستار

2014 لنسامح التصميم

هنري بيتروكسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الهندسة

حالات الفشل قد تكون واضحة، مثل انهيار جسر في ساعة ذروة الازدحام. لكن لا تكشف حالات الفشل عن نفسها بشكل فجائي غير قابل للجدل، وفي الحقيقة، الفشل ليس بالضرورة شيء نستطيع القول بثقة إننا سنعرفه عندما نراه، حتى إن حصل ذلك أمام أُم أعيننا. حالات الفشل قد تكون دقيقة بحيث قلما ننتبه لها، على الأقل بوعي، لأن لذلك علاقة بأمور تقديرية وذوق، لذا يمكن مجادلتها، هذا إن كانت حالات فشل حقاً، وهذا هو الحال بالنسبة لما يطلق عليه بعض المراقبين حالات فشل جمالية ووظيفية، مثل تنظيمات الحبال في هيكل مثبت بالحبال أو وضع ممشىً على جسر، وجذور العديد من حالات الفشل هذه يمكن تتبعها إلى الأخذ والعطاء في التصميم من قِبل لجنة أو حتى بالنسبة للتصميم المفاهيمي الأصلي، والذي يضع في بعض الحالات أجندة صارمة تجهض الأفكار في مهدها، وهذا ما يجب ألا يكون.

التوجه الأولي لحلّ العديد من تحديات التصميم هي جلسة لعصف الأفكار، حيث تقوم مجموعة من المشاركين – مهندسين، ومخترعين، ومصمّمين، ومدراء، ومبادرين – الذين يناشدون عادة بعدم الخوف من الفشل. في اجتماع افتتاحي لتنظيم توجه فريق لتصميم وبناء روبوت لينافس في مسابقة تحدٍّ وطنية، قام مدرّس المدرسة الثانوية الذي يقود فريق من الطلاب المتقدّمين بتوزيعهم إلى مجموعات وشجّعهم على عصف الأفكار، بقوله، "لا توجد فكرة غبية فالفكرة التي قد لا تعمل أبداً قد تقود آخر للتفكير بأخرى ناجحة". وقد تمّ حثّ الطلاب، في جميع فرق التصميم، على عدم إسقاط أية فكرة، مهما كانت تبدو لهم سخيفة للوهلة الأولى؛ عليهم أن يدعوها تعيش على السبورة، وعلى اللوحة البيضاء، وعلى دفتر الورق الأصفر، والفولسكاب، والورق اللاصق (Post – it) أو على الأثير، ليوم آخر. المصمّمون القليلو الخبرة قد أقدموا على خطوتهم الأولى في المسابقة السنوية التي ابتدعها المخترع دين كامن (Dean Kamen)، صاحب فكرة فرست (First) للإلهام والإفرار في العلم والتكنولوجيا(For Inspiration and Recognition of Sciences Technology) وأكّد قائد الفريق أن ما سيقدمون عليه هو "هندسة، وليس اختراعاً". واختراعات ملهمة كالمصباح الكهربائي [اختراعات اصيلة] سيرحّب بها، بالطبع، لكن ما هو مطلوب هو أن يقوم أعضاء الفريق بقراءة الكتب حول الروبوتات، والاطلاع على مواقع الإنترنت ذات العلاقة بمسابقات فرست السابقة، وبصورة عامة التعلّم من خلال خبرة الآخرين، وبحسب المهندس الذي تحوّل مدرساً، "نحتاج للاستمرار في النظر إلى أفكار أخرى واكتشاف ما يعمل بالشكل الأحسن. ثم القيام بعمل شيء أحسن منه". بعبارة أخرى، التفتيش عن النقائص، لا حالات الفشل الواضحة، للجهود السابقة ليجعلوا [مقترحهم] أكثر نجاحاً.

تحسينات لا تنتهي هي كنه الهندسة. لكن فكرة التحسين مرتبطة عضوياً بمفهوم الفشل، لأنه إذا لم نتعرّف على النقائص، وحالات الفشل وفشل الشيء، لا نستطيع حتى التفكير في تحسينه. فالتحسينات جذورها في الفشل، وجميع الاختراعات تقريباً تبدأ كتحسينات على شيء قائم فعلاً، وفي خلال لحظات مصباح ضوء [الوصول إلى الابتكار] للمخترعين يبدو في معظم الأحيان انهم قد وصلوا الهدف المنشود. ولكن عندما يظلل وهج المصباح جسم المخترع المنكب على طاولة العمل لإنتاج النموذج التجريبي، أو المهندس على محطة العمل [الحاسوب] وهو يصمم نموذجاً انتاجياً ومعملاً لصنعه، أو خوذة عامل اللحام وهو يركّب أجزاءً من خط الإنتاج، أو من خلال نظارات مدير التسويق الوردية اللون وهو يحسب هامش الربح، أو من خلال النظارات الشمسية لموظف المبيعات في الميدان ممثلاً المنتج، أو من خلال زجاج نظارات المحاسب مع جدوله الحاسوبي وهو يطابق الربح والخسارة، فالتحسين يطالب تحسين نفسه، وكما نُقل عن مرشد فرست لاحقاً موجهاً لفريقه، عندما عاموا بمعنوياتهم بسبب الانتصارات في مسابقة إقليمية ويواجهون تحديات قوية في مسابقة اليوم التالي" النجاح هو للحظة، ولتلك اللحظة فقط"، ولا يعني [هذا النجاح] شيئاً إن فشلوا في اليوم التالي.

النجاح هو نجاح، وهذا هو كل ما في ذلك، والتصميم الناجح لا يعلمنا شيئاً لما أبعد من حقيقة أنه [التصميم] يعمل، ويمكننا التأكّد من النجاح في المستقبل عندما نستنسخ تصميماً ناجحاً بحذافيره، وهذا الأمر يسهّل قوله أكثر من فعله. التصميم الناجح هو بسبب عدم حدوث أخطاء في تصوّره الأولي أو في التخطيط له أو تنفيذه أو استخدامه: لم تختصر زوايا، ولم تتمّ سهواً استبدالات في مواد الصنع أو في طريقة التنفيذ، ولا توجد مواقع لحام مُعابة من دون أن تكتشف، ولا يوجد برشام راخٍ، ولا يوجد مفتش مراوغ أو شارد الذهن، ولم تهمل الصيانة. إن كانت أي واحدة من هذه الانحرافات عن الأصل – أو غيرها – حدثت في التصميم أو الصنع والعناية لما يمكن أن يعتبر نسخة مطابقة لتصميم ناجح، عندئذٍ لن تكون [تلك النسخة هي التصميم الأصلي]، وقد تحتوي على عيب قاتل غير معروف أو لم يكن في المصنوع الناجح – أو نفس العيب القاتل الذي كان في النموذج الناجح لكنه لم يظهر بعد في فشل، ولكن حتى إن استطعنا القيام بذلك، من الذي يريد أن يصنع نسخاً مطابقة للنجاحات؟ عندئذ لن يُصبح العالم مكاناً مملاً فحسب، بل مكانا محدداً أيضاً. فإن تم استنساخ الجسور الناجحة فقط، عندئذٍ، بصراحة، لن يتم تصميم وبناء جسور أطول، ولن يكون هناك فرصة لاقتصادات فقيرة بحاجة لبناء مجازات أطول كي تنمو لتكون اقتصادات أغنى، والشعوب ذات الأعداد الكبيرة من البشر قد تبقى على حالها بالوضع التي ولدت فيه. فالخدمة الفضلى للأشياء الناجحة ليست كنماذج، ولكن كحوافز للتطوّر. مارس توماس إديسون (Thomas Edison) الصعود والهبوط في معركته للنجاح في بحثه عن المادة المناسبة التي يصنع منها سلك إنارة المصباح. ومعروف عنه أنه استخدم آلاف الاحتمالات، من ضمنها، بحسب إحدى القصص، "ليس أقل من 6000 نبتة خضار" من حول العالم، ولم يجد أي منها ذات فائدة، وعندما سُئل هل أنه محبط من خلال حالات الفشل المتعددة، أجاب إنها لم تكن حالات فشل كاملة، لأن كل تجربة كانت ناجحة لأنها علّمته أن المادة التي أختبرها لا تصلح. وكأن إديسون وموظفيه كانوا يتبعون النصيحة الرشيدة لمربي القرن التاسع عشر الأميركي توماس ه. بالمر (Thomas H. Palmer) التي أعطاها لطلابه على هيئة ترنيمة:

هذا درس عليك أن تهتم به،

حاول، حاول مجدداً.

إن لم تنجح أولاً،

حاول، حاول مجدداً.

وقد تجلى صدى هذا الشعور بأشكال وسياقات مختلفة، صاموئيل بيكيت (Samel Beckett)، على سبيل المثال، كتب في أدبياته وورستوارد هو (Worstward Ho) في محاكاته الساخرة:

"هل حاولت، هل فشلت. مهما كان الأمر. حاول مجدداً. افشل مجدداً. افشل أفضل".

بتطبيق هذا القول المأثور، مهما كانت النية، وصل مختبر إديسون بعد وقت إلى إيجاد المادة الناجحة لسلك إنارة المصباح – الخيط القطني المكربن. الآن، مصباح الضوء في رأس أحدهم هو التمثيل الأيقوني [الرمزي] لولادة فكرة – "لحظة أها!"، بصيرة، اكتشاف كاسح، اختراع، مفهوم تصميم، إضاءة، نجاح مفترض، ولكن، كالمصابيح التجريبية التي تحتوي على أنواع متعدّدة من مواد الأسلاك التي وجدها إديسون غير مناسبة، فالمصباح الضوئي اليوم قد يحترق مباشرة عند اشعاله، كما يحصل لمعظم الأفكار. فهي تنتقل من الوعد بالنجاح إلى تحقيق الفشل في لحظة، ومع ذلك، يبقى المصباح الضوئي رمزاً كونياً لشرارة الإبداع، ومهما كانت اللحظة قصيرة، فهو شيء واجب تشجيعه، وغرسه، والتشوق إليه.

من غير المتوقّع أن ينتج من جلسة عصف الأفكار خططاً نهائية أو منتوجات. الغرض من ركام الأفكار، أو هكذا أُخبرنا، هو أن تحصل على أكثر ما يمكن من الأفكار الاختراعية التي تطلق من المشاركين وتُسجّل في وقت قصير قدر الإمكان، حتى من دون تفكير، هكذا. الهدف هو التقاط لحظات تلك المصابيح الضوئية في وقت قصير ما بين إشعالها وخمودها. في نهاية جلسة عصف الأفكار، عندما تمتلئ غرفة الاجتماع أو قاعة المشروع بمصابيح إنارة حتى الرُّكب، يبدأ العمل المضني لتنظيف الفوضى – توضع المصابيح الجيدة في علبة خاصة والفاشلة في أخرى، على أن يُحتفظ بالعلبة الأولى وترمى الثانية، ولكن كيف يتمّ التمييز بين الجيد والمتميز والسيىء في هذه المرحلة الأولية من المشروع؟ إذ لم يتم بعد تثبيتها في شبكة الطاقة والهدف كي يتم اختبارها، وحتى إن تم ذلك، فإلى متى سيستمرّ وهج المصابيح التي أضاءت؟ والمصابيح الفاشلة ليست شفافة عادة وأسلاكها الضوئية لا يمكن رؤيتها. فداخلها، وبالتالي وعودها، مخفية المنظر، والبعض يعتقد أن الجيد [من المصابيح] يمكن تمييزه عن السيىء من خلال هزِّها، وسماع صوت السلك الفاشل. وبعض المصابيح ذات مسارات ثلاث، وأكثر من سلك واحد، وحتى إذا فشل أحد الأسلاك مما يجعل المسارات الثلاثة للمصباح غير فعّالة، فهذا لا يعني أننا لا يمكننا استعمال المصباح. ففي أي علبة علينا وضع هذا المصباح؟ وماذا عن المصابيح المحروقة، أليس هناك أشياء يمكننا أن نتعلّمها؟ قد تكون معرفة لماذا احترقت المصابيح أكثر فائدة من معرفة المصابيح التي لم تحترق.

ربما يضاهي الفشل في فوائده آلة التعليم أو جهاز الإلهام، وهو أمر غير مرغوب فيه عند وجود خطورة على الحياة. لا يوجد مصمم أو مهندس يرغب أن تفشل ماكنته أو هيكله بشكل كارثي عندما تستعمل، وهذا هو سبب تفكير المهندسين خاصة عن الفشل عند تصميم أجهزتهم ونظمهم. وإذا لم يتوقع المهندسون بشكل مناسب احتمال حدوث فشل في الأشياء التي يصمّمونها، فهم لن يفكروا في تضمين التصميم دفاعاً ضد حدوثه. ولكن مهما كان التصميم قد دقق بشكل متقن لطرق محتملة للفشل، فلا يوجد ضمان أن بعض التفاعلات ما بين الأجزاء تحت ظروف غير منظورة، حتى ذلك الحين، قد تؤدّي إلى تأثير جديد غير مرغوب. لا يوجد ضمان أن حدود الطموح للجهاز الجديد، أو الهيكل، أو النظام لن تأخذه إلى عالم غير معروف، حيث الظواهر الطبيعية التي لم تكن ذات مدلولات كبيرة سابقاً تبدأ بالهيمنة على الأداء، وبالتالي تؤدي إلى الفشل.

الجسور هياكل نوعية يشكل تصميمها وبقاؤها نماذج لتلك الأساليب المبتكرة والعملية التي مكّنت الحضارة من الازدهار وسط تفاعل دائم بين الفشل والنجاح، وهذا التفاعل هو بعمر الحضارة، وعنصره الأساس، الهندسة، متضمّنة في قصص من النوع الذي يُحكى من قبل هيرودوتس [أبو التاريخ] وقيصر – قصص نجاح مبنية على دروس من حالات الفشل، على الطريق – في سردهم للحمّلات في أراضي العدو فوق جسور مصممة متعمدة وبواسطة الأدوات المصممة هندسياً بوضوح، مثل الأهرامات وستونهانج (Stonehenge) [في بريطانيا]، التي تتكلّم عن التصميم حتى عندما لم تكن هناك سجلات مكتوبة للإنجازات. ففنّ بناء الجسور مستمر، بالطبع، للوقت الحاضر، والخطط لبناء جسور في المستقبل في أذهان المهندسين الذين يحلمون بمد مجاز عبر مضيق بيرنغ (Bering Strait) – وبالتالي ربط أميركا الشمالية بآسيا – ومضيق جبل طارق – ليربط أوروبا وأفريقيا، وينظر من خلال التاريخ، إلى بناء الجسور باعتباره واحداً من أعظم الجهود البشرية، وتَعِدُ بالاستمرار لتبقى هكذا إلى أجل غير مسمى، بالحقيقة والمجاز. مع كل هذا، هل البعثات التي أرسلت إلى القمر، والمهمات التي على ظهرها رجال لكواكب أخرى، هي غير مشاريع بناء جسور لإنجازات وطموحات عظيمة؟

فيما عدا حالات الفشل المقصودة في التصميم – مثل المصهر الذي ينفصل ليمنع الدائرة الكهربائية من تحمل [تيار] أكبر من طاقتها – فحالات الفشل يمكن اعتبارها حوادث. ولكن هل حوادث التصميم سببها المصممون أنفسهم أم سائقوا المركبات التي من خلال الاأفكار التصميمية قد تحوّلت إلى نماذج تجريبية (Prototypes) ثم استمراراً في مسار التصنيع السريع إلى الإنتاج؟ أو هل هناك خطأ في عملية التصميم ذاتها؟ هل حالات الفشل، كحوادث الاصطدام على الطرق السريعة، ستستمر بالحدوث بسبب مجازفة وعدم تركيز الشخص الذي خلف عجلة القيادة، أو هل ستستمر بالحدوث لأن التصميم، والتصنيع؟ وبيئة التشغيل غير آمنة جميعها أصلاً مهما كانت السرعة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Shopping cart

Subtotal
Shipping and discount codes are added at checkout.
Checkout
إغلاق