التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

تاريخ التكنولوجيا هو تاريخ للتغيير.لنسامح التصميم تفهم الفشل

2014 لنسامح التصميم

هنري بيتروكسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الهندسة

تاريخ التكنولوجيا هو تاريخ للتغيير، وليس بالضرورة التغير السريع. في الكتب العشرة حول الهندسة المعمارية يعتبر القرن الأول قبل الميلاد، الذي يغطيه الجزء الأول، هو أقدم ما كُتب عن المعماريات – وهو الحقل الذي تضمّن في حينه ما نسميه اليوم بالهندسة – وضع فيتروفيوس (Vitruvius) القواعد لكيفية تخطيط وتقسيم وتوجيه وتناسب البنايات الكلاسيكية، ولم تحد هذه الوصفات عن الابتكار كلياً، ولكنها أثّرت بشدة [سلباً] في انتشاره، وهذا لا يعني أن المباني الكلاسيكية لم تقدّم لنا تحفاً في البناء باقية حتى يومنا هذا،ـ والواقع، إن صلابة الأنماط الكلاسيكية – والطبيعة المتوقعة للإنشاءات الحديثة – قد تكون السبب في بقاء تحف البناء القديمة. ففي عصر فيتروفيوس كان البناء المعماري والهندسة المستخدمة لبنائه عبارة عن وجهين لعملة تكنولوجية واحدة. والاهتمام بالجماليات وقابلية البناء لايمكن فصلهما. الواقع، أن أحد الأسباب التي جعلت المعابد الإغريقية ذات صفة مشتركة أن أعمدة هذه المعابد تفصلها مسافات قصيرة تساوي طول العتبات التي استخدمت للفصل أفقياً مابين هذه الأعمدة، ولم يكن بالاستطاعة استخدام عتبات أطول لكي لا تنكسر تحت وطأة الثقل الذي تتحمّله، عند نقلها إلى الموقع أو بعد إضافة زخارف وقطع ذات أوزان مؤثرة إليها.

بالرغم من عنوان كتابه، سرد فيتروفيوس قصصاً، ليس فقط حول معمارية البنايات الكلاسيكية بمعناها الحديث، بل للتغييرات التطويرية فيما يمكن أن يطلق عليه هندسة الإنشاءات. بالأخص، كيف أن استنساخ أساليب ناجحة قد تقود إلى الفشل، ووصف الطرق التي كان يمكن استخدامها لنقل القطع الثقيلة من الحجر من المقالع إلى موقع البناء، وكيف تمّ تحوير المعدّات بنجاح لاحتواء حالات جديدة، ومعالجة محدّدات مستجدة. لذا، فيما كان بالإمكان دحرجة قطع المرمر الدائرية على الأرض بعد إضافة إطارات من الخشب تجرّها الثيران، لم يكن بالإمكان استخدام نفس الأسلوب بالنسبة للعتبات الموشورية، ولنقل هذه القطع الحجرية المستطيلة الثقيلة قام العمال بمعاملة هذه القطع كمحاور ثبتت على نهاياتها عجلات من الخشب، وحسب فيتروفيوس، تم تعديل المخطط كذلك لنقل قطعة مكعبة من الجسر تم تحضيرها لاستخدامها كقاعدة لتمثال قديم، وقد وضع التمثال في موقع مركزي وسط المدينة التي توسّعت ونمت حوله، وعزلت الشوارع الضيقة والمنحنية المقلع عن الموقع المقصود، وللقيام بالرحلة، يوضع الحجر داخل قفص من الخشب [المصمّم] على شكل بكرة، يلف حوله حبل يربط بثيران. بهذه الطريقة فالجهاز المتحرّك ليس أوسع من قطعة الحجر، وبذلك يمكنها المرور بين الأبنية عبر الطريق، وكما بين فيتروفيوس بعدئذٍ أن الطريقة لم تنجح في النهاية لأن مسار البكرة لم يتم السيطرة عليه عندما بدأت الثيران تجرّ بعيداً عن أحمالها. فالتعديلات المتتابعة التي أجريت على المخطط الذي استخدم بنجاح لدحرجة الأعمدة المرمرية فشل عندما تم تكييفه لسحب كتل الحجر.

في عصر النهضة استمرت هيمنة الاعتبارات الهندسية على الأمور المعمارية. ففي مؤلفه حوارات حول علمين جديدين (Dialogues Concerning Two New Sciences) روى غاليليو (Galileo) أمثلة معاصرة لأنواع من الفشل العفوي مرتبط بتحريك أو تنصيب قطع كبيرة من الحجر، مثل المسلّات، وإطلاق سفن خشبية كبيرة، خاصة تلك التي كانت أكبر في الحجم من سابقاتها المجرّبة. مستفيداً من النسب غير المتساوية للعظام المنتاظرة ونسبها لحيوانات مختلفة، وجد أن حدوث الفشل الهندسي يشير إلى أن شيئاً محدّداً مختلفاً عن الهندسة (Geometry) أن يؤخذ بالاعتبار عند تطبيق مخطّط ما على هياكل بقياسات أكبر، وعزى السبب إلى متانة المادة ذات العلاقة، ومضى بتوضيح كيف يمكن تؤخذ بالاعتبار في تصميم العارضات الإنشائية، وبالتالي في تصميم أنواع الهياكل عموماً، ويشكّل نهج غاليليو الأساس للطرق التحليلية لهندسة الإنشاءات المعاصرة، وهو مثال كلاسيكي للتساؤلات التي تثار عن أنواع الفشل التي تقود إجاباتها إلى نجاحات جديدة.

كما تدلّ مشاهدات غاليليو بوضوح أن توسيع نطاق الهياكل الناجحة كوسيلة لتصميم هياكل أكبر وأكبر، سواء كانت سفن خشبية أو كنائس مبنية من الحجر، قد تعمل [تنجح] لحد معين فقط. وهذا الحد قد يتم الوصول له عندما يكون وزن الهيكل يفوق متانة المادة المستخدمة لإسناده، وقبل تبصّر غاليليو هذا كان الاستنتاج المنطقي الوحيد من نجاح هيكل ما هو أنه ناجح، ولم تكن هناك وسيلة لاكتشاف مدى قرب هذه الهياكل إلى الفشل. وبدمج المتانة والحجم، استطاع غاليليو إيجاد وسيلة للاستدلال على النجاح أو الفشل في الهياكل بواسطة التحليل، الذي هو أساس الهندسة الحديثة، ومن المفارقات أن غاليليو قام بافتراض لا مبرّر له للطريقة التي وصل بها إلى استنتاجه حول تشكيلة محدّدة من العارضات الإنشائية، نتج منها خطأ لم يكتشف حتى الحين الذي بدأت تظهر فيه حالات الفشل في أنابيب المياه التي صمّمت بموجب نتائجه، وفرت حالات الفشل هذه إثباتاً لا جدال فيه بأن شيئاً ما قد حصل، وعندما أصبح ذلك واضحاً أمكن عندئذ دراسة الفشل واكتشاف الخطأ والقيام بتصحيحه. وهذه هي الطريقة التي تبدأ بما يعرف الآن بتحليل الفشل (Failure Analysis).

نفهم اليوم كم هو مهم التفكير في ما وراء الهيكل الهندسي. نعلم أنه يجب أن نأخذ بالاعتبار إن كان مصنوعاً من الخشب أو من الفولاذ أو الكونكريت أو أية مادة أخرى، والمادة مهمة قدر اهمية الهندسة. وليس جميع المنظومات التكنولوجية هي نتائج الهندسة الهيكلية [الإنشائية] وحدها. وفي الواقع، على الرغم من أهمية هيكل الطائرة إلّا أن ذلك هو جانب واحد من المنظومة التي يجب أن تؤخذ بالاعتبار في التصميم الكلي الناجح للطائرة. فالمحركات وأجهزة القياس والسيطرة، والطاقم البشري يجب أن تكون جميعها موثوقة بنفس درجة موثوقية الهيكل لكي تستطيع الطائرة الإقلاع والطيران والهبوط بنجاح، ومهما كان عدد المرات التي قامت الطائرة بالطيران من دون حادث، فهذا ليس ضماناً لوحده أن المرّة القادمة للطيران ستكون ناجحة أيضاً. لذا جاءت أهمية فحوصات ما قبل الطيران والفحص الدوري الذي يتم بموجب معايير وبروتوكولات محددة، بالإضافة إلى التحرّي عن أية حالات شاذة. فكل أمر غير اعتيادي قد يكون إشارة إلى أن المنظومة [الطائرة]ليست كما كانت عند آخر رحلة طيران ناجحة.

فشل واحد، بالمقابل، سواء بطائرة أو أي شيء آخر هو مصدر معرفي قد لا ندركه بأية وسيلة أخرى، وكما روى فيتروفيوس فإن فشل المخطّط لنقل قِطع الحجر ظهر فيما بعد نتيجة تحليل منطقي خاطىء لم تكن احتمالاته المستقبلية واضحة. فالتصميم الهندسي يدور حول إسقاط خبرة الماضي من خلال عدسة طرق الحاضر إلى المستقبل، وحالات الفشل الموثّقة هي من أهم الخبرات، لأنها تعكس الضعف في التحليل المنطقي والمعرفة والإداء التي قد لا يشار إليها [تكتشفها] من التصاميم الناجحة. فالمهندس الناجح يجب ألّا يكون ملمّاً بحالات الماضي الناجحة فقط، بل يجب أن يكون ملمّاً أيضاً بما فشل ولماذا.

حتى حالات الفشل التي وقعت قبل سنوات أو عقود أو قرون، بل حتى قبل آلاف السنين قد تفيد تصاميم اليوم، وتمنع من تحوّلها إلى حالات من الفشل. فعلى سبيل المثال، يقصّ لنا غاليليو في الديالوغز (Dialogues) قصة لنتائج غير متوقّعة لقطعة طويلة ونحيفة من المرمر كانت مخزونة لغرض استخدامها كعمود متآلف (Monolithic). وكان العمود موضوعاً بشكل أفقي باستخدام مسندين، كل منها في جانب، وهي حالة يطلق عليها المهندسون اليوم عارضة مسندة ببساطة. وحسب غاليليو، فالحالة هذه ذكّرت أحد العمال الدقيق الملاحظة بحالة نقل تمثال وحالة إقلاع سفينة، وكلتا الحالتين كانتا عمليات قلقة أدّت إلى الفشل، ولغرض منع العمود من الانكسار إلى جزئين، كالتمثال والسفينة، اقترح العامل [ المراقب] استخدام مسند ثالث يوضع تحت وسط قطعة المرمر، واتفق الذين استُشيروا أن المقترح فكرة جيدة، لذا أضيف مسند جديد بعناية تحت وسط قطعة المرمر مباشرة، وافترض الجميع أنهم قد تخلصوا من خطورة كسر العمود من دون التفكير مليّاً بهذه الإضافة. اكتشف بعد فترة من القيام بهذا العمل الوقائي أن عمود المرمر انكسر إلى نصفين، ليس بسبب تولّد حالة في العمود على شكل Ú في حالة استخدام مسندين فقط، بل لأن العمود أخذ الشكل Ù عند استخدام المسند الثالث في الوسط. إذ انغرس المسندان اللذان على جانبي العمود في الأرض الرخوة، ما أدّى إلى تحمّل المسند الوسطي مهمة توازن العمود، وبما أن متانة المرمر لم تكن كافية لإدامة هذا الوضع، فقد انكسر العمود في الوسط وسقطت نهاياته على الأرض.

توضح قصة غاليليو عن عمود المرمر بشكل بياني المبدأ العام والشامل وهو أن أي تغيير في منظومة ما قد يُحدث طريقة جديدة لفشل محتمل. فلو ترك العمود في وضعه السابق بمسندين يوضعان قريباً من نهايتي العمود لسلِم العمود عند انغراس المسندين التدريجي في الأرض الرخوة. لكن، عند إضافة المسند الثالث ووضعه بشكل مباشر تحت وسط العمود تماماً، أتاح ذلك للحدّ الأقصى من الجهد على أحد الجانبين، أو كلاهما، أن ينخسف إلى أسفل، وعندما انكسر العمود إلى نصفين تولّدت حالة، كان من المستحيل أن تحدث لو لم يضف المسند الثالث. فالتغيير في التصميم عند إضافة المسند الثالث أوجد احتمال الحالة الجديدة من الفشل.

فلو تمّ التعرّف على ما حصل من تغيير في تصميم حصل في القرن السابع عشر والفشل المصاحب له، كما ذكره غاليليو، لكان في الإمكان تلافي الانهيار الذي حصل في مماشي فندق حياة ريجنسي في مدينة كنساس عام 1981، والذي أودى بحياة 114 شخصاً. في هذه الحالة أدّى تغيير التصميم في استبدال قضيب واحد مستمر من الفولاذ بقضيبين بديلين لإسناد ممشيين مرتفعين إلى كارثة مميتة. فلو كان المهندسون المسؤولون عن الممشى على دراية بقصّة غاليليو عن العمود المرمري، والفكرة الفاشلة في استبدال عدد المساند، لدفعهم ذلك للاستنتاج أن استبدال قضيب بقضيبين قد يؤدّي إلى حالة جديدة من الفشل، ومعرفتهم بذلك ربما كانت لتحملهم على إعادة الحسابات حول أهلية الترابط الجديد. ولو قاموا بذلك لاكتشفوا أن التغيير هذا بعيد عن تحقيق تحسين حقيقي في التصميم، وربما كانوا قد قاموا بإدخال تغييرات في التصميم الخاص بنظام الإسناد قبل بنائه، ولو حصل ذلك لربما بقيت المماشي قائمة ولبقي العديد من ضحايا الحادث على قيد الحياة اليوم.

حتى ما رواه فيتروفيوس قبل ألفي سنة حول فشل المخطط لنقل قطعة الحجر، بإمكانه تحذير مهندسي اليوم للتبعات الخطرة المحتملة عند القيام بإدخال أي تغيير في منظومة عاملة. ومهما كان هذا التغيير صغيراً وتطويرياً فإن أي تفكير في التغيير قد يؤدّي إلى احتمال فشل المنظومة التي جرى فيها التغيير، والدرس الموضوعي المستقى هو أن القيام بأي تغيير قد يؤدّي إلى تغيير كامل في السياق المتعلّق بهذا التغيير وإلى حالة من الفشل لم تكن ممكنة في التصميم الأساسي، فتغيير واحد قد يغيّر كل شيء.

فالمهندس المتسلّح بدليل (Catalog) يحوي حالات الفشل، مهما كانت قديمة، هو مهندس مسلّح بمقتطفات من قصص الرعب ومستودع من الحالات التي يمكن الرجوع لها عندما يقوم مهندس زميل باقتراح تغيير ما، مهما كان صغيراً. فما يبدو تغييراً بريئاً يُقدّم في اجتماع لمناقشة التصاميم، يبدو وكأنه تحسين واضح بالنسبة للمهندس الذي اقترحه، قد يكون بالنسبة للمهندس المطلع على حالات أساسية من الفشل في الماضي خطّاً أحمر. فوصف حالات مماثلة مستقاة من قبل آلاف السنين أو القرون أو العقود قد تكون كافية لإقناع المهندس الذي اقترح التغيير للقيام، في الأقل، بتحليل لحالات الفشل الممكنة أو إعادة الحسابات سريعاً للتأكّد منها، وحتى إن لم يقتنع، وحتى لو لم يعترف المهندس المقترح للتغيير بالجوانب السلبية المقترحة، إلّا أن التساؤلات التي طرحها زملاؤه من ذوي الخبرة ستجعله يفكّر، وقد يعيد حساباته على انفراد، وقد يأتي إلى اجتماع المهندسين القادم بتعديلات على مقترح التغيير الأول الذي قدمه.