علوم الأرض والجيولوجيا

نبذة تعريفية عامة حول “العصر الديفوني”

1998 الموسوعة الجيولوجية الجزء الثالث

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العصر الديفوني علوم الأرض والجيولوجيا

يعتبر عصر الديفوني رابع عصور حقب الحياة القديمة (Paleozoic Era).

وقد امتد هذا العصر لفترة بلغت حوالي 50 مليون سنة (من 400 مليون إلى 350 مليون سنة خلت تقريباً) وليس ثمة اتفاق بين العلماء على التاريخ الدقيق لبدايته ونهايته.

واشتهر العصر الديفوني بانتشار الأسماك فيه، لذلك سمي بعصر الأسماك. 

 

وفي بدايته كانت الأرض شبه مجردة من المتعضيات Organisms الحيوانية لكن سرعان ما سيطرت المتعضيات الحيوانية لكن سرعان ما سيطرت الفقاريات واتسع انتشار النباتات الوعائية (Vascular Plants) لأول مرة وظهرت أقدم الغابات المعروفة.

وقد بسطت كلاب البحر والأسماك سيطرتها على البحار، وتطورت من الأسماك البرمائيات. 

وفي الوقت ذاته بدأ في هذا العصر تناقص بعض المتعضيات كثلاثيات الفصوص (Trilobites). وفي أواخره ظهرت أولى الحيوانات ذات القوائم الأربع (Tetrapods).

وقد أطلقت تسمية الديفوني على صخور العصر الرابع من حقب الحياة القديمة من قبل العالمين آدم سيدويك Adam Sedgwick وروديريك مرشسون Murchison في عام 1839.

 

وكان هذان العالمان قد قاما بأبحاث جيولوجية على الصخور البحرية الموجودة في منطقتي ديفون Devon وكرونول Cornwall بالمنطقة الجنوبية الغربية من انجلترا وتبين أنها تقع بين ترسبات العصرين السيلوري Silurian والكربوني. 

ولذلك اقترحا هذه التسمية وقد ضما إليها فيما بعد الترسبات المماثلة الموجودة في مناطق أخرى من العالم، مثل ترسبات وادي الراين في ألمانيا وترسبات ولاية نيويورك. 

وقد اكتشفت الصخور الديفونية في مناطق كثيرة بأمريكا الشمالية (سلسلة جبال روكي) وأمريكا الجنوبية وفي انتراكتيكا واستراليا وشمال آسيا (ليننجراد والأورال) وجنوب وغرب أفريقيا.

 

وتتضمن الصخور الديفونية التي تكونت في ظروف بيئية برية: الحجر الرملي الصحراوي ورواسب البحيرات والسهول الغرينية (Alluvial Plains) الموجود في بعض المناطق وهي صخور تتميز عادة باللون الأحمر.

وكان أول من وصفها العالم هـ. ميلر (Hugh Miller) في عام 1841، وقد أطلق عليها اسم: الصخور الرملية الحمراء القديمة (Old Red Sandstone).

ويستخدم هذا الاسم على نطاق واسع ليدل على الصخور ذات السحن القارية (Continental Facies) الموجودة في اسكتلندا وجرينلاند وشمال شرقي أمريكا الشمالية وأجزاء من الجزر الكندية القطبية الشمالية.

 

الرواسب الاقتصادية: 

تضم الصخور الديفونية مجموعة متنوعة من الصخور ذات التركيب الكيميائي المختلف، وهي تنتشر في مساحات كبيرة.

ولذلك فإنها تتسم بقيمتها الاقتصادية وهي تستخدم في عدد من القارات في صناعة أحجار البناء والاسمنت والطابوق الجيري وألواح الأسقف.

وفي الرمال المستخدمة لصنع الزجاج، والانهيدريت ومواد البري (Abrasives وتعتبر محاجر ميتشيجان – التي تحتوي على الحجر الجيري الديفوني – أكبر محاجر الحجر الجيري بالعالم.

 

وتنتشر خامات الحديد الرسوبي في الصخور الديفونية التي انتابتها عمليات تغيير، أدت إلى تغيير خصائصها وسحنها.

ومن ناحية أخرى، لا تزال عمليات استخراج النفط والغاز من الصخور الرسوبية الديفونية جارية في بنسلفانيا ونيويورك منذ أواخر القرن الماضي. وقد عثر في عام 1944 على تراكمات هيدروكربونية كبيرة في الصخور الديفونية الرملية تحت السطحية.

 

في إقليم الأورال – الفولجا بالاتحاد السوفيتي، كما تم العثور على تراكمات أخرى بعد ذلك في عدة مناطق بالاتحاد السوفيتي.

وفي عام 1947 اكتشف النفط في صخور كربوناتية (Carbonate Reef) ديفونية تحت سطحية في منطقة ليدوك (Leduc) بولاية البرتا، وتبع ذلك عدة استكشافات نفطية أخرى، وتكتسب المتبخرات الديفونية أهمية اقتصادية كبيرة في بعض المناطق، حيث يستخدم الملح الصخري والانهيدريت والبوتاس في عديد من الأغراض.

 

توزيع القارات في العصر الديفوني: 

كان توزيع القارات في العصر الديفوني مختلفاً عن الوقت الحالي، حيث تدل الدراسات الجيولوجية والمغناطيسية القديمة (Paleomagnetic) على أن كلا من أوروبا وجرينلاند وأمريكا الشمالية كانت تكون معاً قديماً قارة واحدة تدعى لوراسيا Laurasia.

وكانت هذه القارة تقع في المنطقة الاستوائية، وبالمثل، كانت القارات الجنوبية الحالية (الهند وأستراليا وانتراكتيكا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية) تكون معاً قارة واحدة تدعى جندوانا (Gondwana Land).

 

وكان القطب الجنوبي يقع في منطقة أفريقيا الجنوبية وكان شمال أفريقيا وأستراليا قريبين من خط الاستواء، وخلال العصر الديفوني كانت المياه البحرية تغطي مساحات هائلة من هذه القارات، ويبدو أن البحار كانت تشغل آنذاك مساحة أكبر من تلك التي تشغلها الآن، اللهم غلا إذا كان نصف قطر الأرض حينذاك أصغر مما هو عليه الآن.

وقد تكونت خلال العصر الديفوني سلاسل طيات مقعرة عظمى «جيوسينكلينات» نشأت عن رواسب بحرية سميكة، ومن أمثلة هذه السلاسل: الحزام الهيرسيني (Hercynian Belt) أو الفاريسكي (Variscan Belt) بأوروبا، الذي كان يمتد من إيرلنده وفرنسا حتى جنوبي بولندة ويمر ببلجيكا وألمانيا

 

المناخ: 

كان المناخ في العصر الديفوني أكثر دفئاً تقريباً من المناخ الحالي، ومن المؤكد أن المناخ كان متغيراً في العصر الديفوني بتغير تضاريس الأرض كما هي الحال في الوقت الحاضر، إلا أن الأدلة تشير إلى أن مناطق المناخ المتعددة لم تكن محددة بالوضوح الذي هي عليه الآن. 

كما أن البحار القطبية كانت محاطة بالجليد بدرجة قليلة ويؤكد ذلك انتشار الشعاب المرجانية الكبيرة في المناطق الاستوائية، أثناء منتصف وأواخر ذلك العصر، وكانت بعض مناطق اليابسة معرضة للجفاف في فترات من هذا العصر، ويستدل على ذلك بترسبات الانهيدريت.

وقد أظهرت الدراسات الإشعاعية التي أجريت على أحافير مرجانيات العصر الديفوني أن السنة كانت تتكون من 400 يوم خلال ذلك العصر كما أن الشهر القمري كان يتكون من 30.5 يوم

 

مظاهر الحياة: 

اتسم العصر الديفوني بوفرة الحيوانات البحرية التي عاشت خلاله، فقد وصلت بعض أنواع المرجان إلى أحجام كبيرة كان من بينها نوع بلغ ارتفاعه قدمين وعرضه ثلاث بوصات وقد كونت هذه المرجانيات شعاباً عاشت فيها الحزازيات (Bryozoa) والزنبقيات (Criniods) وأصبحت المحاريات (Pelecypods) أكثر انتشاراً وتنوعاً من قبل.

أما البطنقدميات (Gastropoda) فلم تحتفظ بشكل جيد ولم تطور بمستوى كبير، في حين وصلت المسرجيات (Brachiopods) إلى قمة تطورها، وكان أشهرها جنس (Spirifers) الذي كان متعدداً ووصلت أنواعه أكثر من 700 نوع في الولايات المتحدة وحدها.

ومن أهم الأحياء اللافقارية التي تعود إلى هذا العصر الرأسقدميات (Caphalopods) فقد كانت متنوعة واكتشفت بأعداد كبيرة.

 

وقد استمرت ثلاثيات الفصوص في تناقص أعدادها خلال العصر الديفوني إلا أن أعداد قليلة منها وجدت، كان بعضها كبير الحجم بحيث وصل طوله إلى 76 سنتيمتراً وهو جنس (Dalmanites).

أما الحيوانات اللافقارية التي كانت أقل أهمية وقد تطورت بصورة واضحة خلال ذلك العصر هي البرعميات (Blastoids)، ونجم البحر (Starfish)، وقنافذ البحر (Echinoids).

وقد شهد العصر الديفوني تطوراً سريعاً في الأسماك، حتى إنه قبل نهايته وجدت عدة رتب من الأسماك التي عاشت في البحار والبحيرات والأنهار. 

وقد استدل على وجود سمك القرش في بحار ذلك العصر من خلال العثور على أحافير لأسنانه وأشواكه الحادة.

 

وكانت هناك مجموعة من الأسماك اسمها (Arthrodires) تمتاز بأن الأجزاء الأمامية منها مصفحة بقطع عظمية وكانت أكبر الحيوانات في عصرها، حيث وصل طولها إلى نحو 5.8 أمتار وقد انقرضت في بداية العصر التالي.

وظهر في العصر الديفوني نوع بدائي من الأسماك التي تتنفس الهواء بواسطة فتحتين في سطح الفم، وينتمي هذا النوع إلى جنس يسمى (Choanichthyos).

وقد أعقبه ظهور الفقاريات التي تعيش على اليابسة، ومن بينها جنس (Ichthyostega) الذي يعد حلقة الوصل بين الأسماك والبرمائيات الأولية ذوات الأربعة أطراف وجنس (Crossopterygii) الذي يعتبر سلف الحيوانات ذوات الأربع.

وفي العصر الديفوني لعبت الطحالب أدواراً هامة ومختلفة، لكن للأسف لم يتم حفظ الكثير من العائلات الطحلبية التي تنتمي إلى هذا العصر جيداً في صورة أحفورية – وعلى الرغم من أن النباتات الوعائية كانت قد نشأت قبل هذا العصر، إلا أنها ازدهرت خلاله واستمر وجودها حتى أواخر العصر السيلوري.

 

الأحداث الجيولوجية: 

في نهاية العصر السيلوري انفصلت أوروبا وقارة أمريكا الشمالية عن لوراسيا. وفي العصر الديفوني تم اندماجهما معاً.

وخلال ذلك العصر كانت القارات الجنوبية الحالية مندمجة أيضاً معاً في قارة جندوانا لاند، أما سيبيريا وربما المناطق الحالية الأخرى من أوروبا وآسيا فكانت تشكل قارات منفصلة.

وتعتبر حوادث العصر الديفوني مقدمة لحركة بناء سلاسل الجبال الرئيسية التي ظهرت في أواخر حقب الحياة القديمة.

ويمكن فهم وتفسير التغيرات التي حدثت في منسوب سطح البحار أثناء العصر الديفوني من خلال الاستدلال على التغيرات التي حدثت في امتدادات قيعان البحار، بالإضافة إلى دليل الجليد القطبي.

ولقد كان تنوع التوزيع الجغرافي القديم للبيئات البحرية وغير البحرية سبباً رئيسياً في تنوع صور الحياة في العصر الديفوني، وفي الوقت نفسه أدت بعض الأحداث الجيولوجية في ذلك العصر إلى انقراض أعداد كبيرة من الحيوانات والنباتات في نهايته.