علوم الأرض والجيولوجيا

أهمية وجود طبقة الأوزون وأسباب حصول ثقب فيها

1993 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الرابع

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

طبقة الأوزون أهمية طبقة الأوزون علوم الأرض والجيولوجيا

يحتوي جــزيء الأكسيجين الطليق على  ذرتين. وفي ظروفٍ معينة تحللُ هذه الجزيئاتُ فتصبحُ الذراتُ فرادى، ثم تعودُ لتتحد.

ولكن هذه المرة تتحدُ كلُّ ثلاث ذراتِ معا مكونةً جزيئات غاز آخرَ هو "الأوزون"، ويَرْمِزُ له الكيميائيون بالرمز (O3). فكأنَّ الأوزونَ صورةٌ من صورةِ الأكسجين، ولكنّها تختلفُ عنه اختلافاً كبيراً.

فالأوزون غازٌ أزرقُ اللونِ، له رائحةٌ نفَّاذةٌ، كاوٍ للرئتين ولا يَصْلُحُ للتنفس. وهو –كالأكسجين-نشيطٌ كيميائياً وعاملُ أكسدةٍ قوي

 

ولا يُوجد الأوزون في الهواء الجوي المعتاد إلا بنسبةٍ ضئيلةٍ جداً. وهو يتكونُ عند تعرضِ الأكسيجين (الذي في الهواء) إلى تفريغٍ كهربي (انظر: كهرباء).

أمَّا في طبقاتِ الجو العليا، على ارتفاع يتراوح بين 12 و25 كيلومترا، فإنَّ نسبة الأوزونِ ترتفعُ بفعلِ التفريـغِ الكهـربي الجـوي وتأثيرِ الأشعةِ فوقَ البنفسجية(وهي جزء من أشعة الشمس).

وطبقةُ الجوِّ التي ترتفعُ فيها نسبةُ الأوزون يبلغُ سُمْكُها نحواً من 20 كيلو مترا في المتوسط. وهي تُكِّونُ غلافاً يُحيطُ بالأرضِ من كلِ ناحية.

 

وأهميةُ هذه الطبقةُ لنا، وللكائناتِ الحية كلِّها، أنَّها تسمحُ بمرور ِ أشعةِ ضوءِ الشمس بعد أنْ تمتص َ منها مقداراً كبيراً من الأشعةِ فوق البنفسجية. والجزء القليل الذي    

يصل الأرض من هذه الأشعة مفيد للكائنات الحية، بينما المقدارُ الكبيرُ منها يضُرُّ الأحياءَ ضرراً كبيراً.

وهكذا تعملُ طبقةُ الأوزون كدرعٍ واقيةِ تَحْفظُ أحياءَ الأرضِ، فهي لا تسمحُ إلا بمرورِ المقدارِ القليل المفيد من الأشعةِ فوقَ البنفسجيةِ إلى الأرض.

 

وشهدتْ أعوامُ الثمانينات –على الأخص-اهتماماً عالمياً كبيراً بطبقة الأوزون. وذلك لأنَّ العلماءَ اكتشفوا أنَّ نسبةَ الأوزون أخذتْ تَهْبِطُ فيها. ثم فُوجِئَ العلماءُ عام 1985م باكتشافِ أنَّ منطقةً معينةً منها فوقَ القارةِ القُطبيةِ الجنوبية قد انْخَفَضَ فيها الأوزون انخفاضاً مخيفاً.

ونَظَرَ العلماءُ إلى هذه المنطقةِ وكأنَّها ثَقْبٌ أو خَرْقٌ في غلافِ الأوزون الواقي للأرض. وهذا الثَّقْبُ طبعاً في الهواءٍ. ولكنَّ الأوزونَ في هذا الهواءِ قليلٌ، ولذلك فهو يَسْمَحُ بمرورِ مقدارٍ كبيرٍ من الأشعة فَوقَ البنفسجية.

و "ثَقْبُ الأوزون" هذا أوسعُ من قارةِ أمريكا الشمالية كلِّها، وأعلى من جبل إفرست! وهو يَتَّسِعُ على الأخص في ربيع نصف الكرة الأرضية الجنوبي، أيْ في شَهْرَيْ سبتمبر وأكتوبر (عندما يكونُ الجوُّ عندّنا خريفٌ). والأشعةُ التي مرت من هذا الثَقْبِ قد قَتَلَتْ أعداداً هائلةً من الكائناتِ الدقيقةِ التي تعيشُ في مياهِ المحيطاتِ.

 

وهذه الكائناتُ هي أساسُ غذاءِ الأسماكِ وجميعِ الأحياء البحريةِ الأكبر حجماً، وهذا فضلاً عن أّنَّ الأشعةَ تُهَدِّدْ أكثرَ من مئِة مليون شخص في أمريكا الشمالية، القريبةِ من الثقبِ، بالإصابةِ بسـرطانِ الجلدِ وعَتامةِ العين (انظر: أمراض العين). كما أنَّها تُهّدِّدُ بإضعاف مناعِتهم للأمراضِ الشديدةِ المختلفةِ (كما يفعَلُ مرضُ الإيدز بضحاياه).

ليس هذا وحسب، بل إنَّ حدوثَ هذا الثقب، مع زيادةِ نسبةِ ثاني أُكسيد الكربون في جو الأرض، أّخَذَ يَرفَعُ درجةَ حرارةِ الجوِّ. وتَرتَّبَ على هذا اضطرابٌ في مناخُ الأرضِ، وإصابةُ مناطقَ كبيرةٍ منها بالجفافِ والمجاعاتِ.

ومع مرورِ الأعوامِ يُؤدِّيَ استمرارُ ارتفاعِ درجةِ حرارةِ الجوِّ إلى ذوبانِ الجليدِ المتراكمِ في القُطْبَين، فيَرتَفِعُ مستوى المياهِ في المحيطات والبحار، مما يهدِّدُ عدداً من المدنِ الساحليةِ الكُبرى في العالم بالغرقِ في نحوِ خمسين عاماً.

 

ولكنْ ما السببُ، يا تُرى، في حدوثِ هذه الكوارثِ كلِّها؟ لقد اكتشفَ العلماءُ أّنَّ هذا كلَّه يحدُثُ بفعلِ الإنسان نفسِهِ. فقد صُنِّعَتْ، منذ عام 1928، مُرَكَّباتٌ تسمى "كلورو فلورو الكربون" (ويُرمَزُ لها بالأحرف: ك ف ك).

وهذه المُرَكَّباتُ غَيرُ سامةٍ وغَيرُ قابلةٍ للاشتعال، فاستُخْدِمَتْ على نطاقٍ واسعٍ في صناعاتٍ التبريد والتكييفِ وتنظيفِ الأجزاءِ الإلكترونيةٍ وغيرِها.

كما أنَّها استُخْدِمَتْ على نطاقٍ أوسعَ في الرذَّاذاتِ (البخَّاخات أو رشاشات الإيروسول) التي تنْفُثُ رذَاذَ العُطورِ والأصباغِ ومُثَبِّتاتِ الشعر ومُضادات العرقِ ومبيداتِ الحشـراتِ، وغيُرها كثيرٌ مما يَسْتَخُدِمُهُ الناسُ جميعاً كل يوم.

 

وتتصاعدُ هذه الكمياتُ الهائلةُ من مُرَكَّبات ك ف ك، على مرِ الأيامِ والأعوامِ، وتَتَراكَمُ في طبقاتِ الجوِّ العُليا. وَتَشْتَركُ مع هذه المُرَكباتِ في هذه الظاهرة، مُرَكَّباتٌ أخرى، تُعرَفُ باسم "الهالونات"، وهي التي تُسْتَخًدَمُ في أجهزة إطفاء الحرائق.

وفي طَبَقَةِ الأُوزون تَتَحللُ بعضُ جُزَيئاتِ مُرَكَّبات ك ف ك، بفعل الأشعةِ فوقَ البَنَفْسَجيةِ، فيَنْطَلِقُ منها غازُ الكُلُور، ويُؤثِّرُ الكلورُ في الأوزون، فيُفَكَّكُه إلى ذرات أكسجين، وبذلك يفقد الأوزون خَصائِصَه الواقية للأرض.

وذرَّةُ الكلورُ الواحدةُ تستطيعُ أَنْ تُحلِلَ ما يزيدُ على مئِة ألف جُزَيءٍ من الأوزونِ في سلسلةِ متتابعة من التَّفَاعُلاتِ. وهذا هو السببُ في النقص الهائلِ في الأوزون.

 

ويَرْجعُ تكوّنُ "الثقب" فوقَ القارةِ القطبيةِ الجنوبيةِ بالذات إلى فعلِ تياراتِ ودواماتٍ هوائية معينة. ولكنَّ نقصَ الأوزون حادثٌ أيضاً في نِصْفِ الكرةِ الشمالي، وإنَّما بدرجةٍ أقل.

وقد شَعَرَ العالَمُ أنَّ المشكلةَ تحتاجُ إلى تعاونِ جميعِ سُكانِ الأرضِ وتكاتُفِهم، فَبَدَأَتْ الجُهودُ الدوليةُ مُنْذُ أوائِلِ الثمانينات.

وعُقِدَ اجتماعان دوليان في "فيينا" (عاصمة النمسا) و "لوكسمبورج"، تَبِعَهما مُؤتَمرٌ كبيرٌ في "مونتريال" بكندا في سبتمبر عامَ 1987، حضره ممثلو 31 دولة. وقَرَّرَ عددٌ من الدولِ الصناعيةِ التوقفَ عن استخدامِ مُرَكَّباتِ ك ف ك في الرذَّاذات.

وكذلك أُعِدَّ مشروعُ اتفاقية دوليةِ تقضـي بالتوقفِ نهائياً عام 1992 عن استخدامِ "الهالون"، وتجميدِ إنتاجِ مُرَكَّباتِ ك ف ك، ثم تخفيضِهَ بالتدريجِ حتى يَصِلَ إلى نَحْوِ نصفِ إنتاجِهِ عامَ 1986عند نهايةِ القرنِ العشرين.

 

وفي أوائلِ مارس عامَ 1989، عُقِدَ للموضوعِ نَفْسِه مُؤتَمرٌ آخرُ في "لندن" (عاصمة بريطانيا) حضره 128 عالماً مختصاً من بينهم 85 وزيراً لحمايةِ البيئةِ.

وبعد أسبوعٍ واحدٍ عُقِدَ اجتماعٌ كبيرٌ في "لاهاي" (مدينة الاجتماعات الدولية في هولندا) حَضَرَه ملوكُ ورؤساءُ وأمراءُ 25 دولةً، مَعَ وفودٍ من 122 دولةٍ يمثلون الهيئاتِ المهتمةَ بشؤونِ البيئةِ والشركاتِ الصناعيةِ الكُبْرَى المنتجةِ لمركباتِ ك ف ك والمُسْتَخْدِمَةِ لها.

وفي هذا المُؤتَمرِ بَلَغَ عددُ الدولِ التي وَقَّعَتْ على مشـروعِ "اتفاقية مونتريال" 51 دولةً، وغَيْرُها في الطريقِ إلى ذلك. ومما يَبْعَثُ الأملَ أيضاً أنَّ العلماءَ قد تَوصَّلوا فعلاً إلى صُنْع مُرَكَّباتٍ جديدةٍ يُمكِنُ أنْ تُستْخَدمَ بدائلَ عن مُركَّباتِ ك ف ك الخطيرةِ.

 

ولكنَّ المُشْكِلَةَ هي أنَّه حتى لو تَوقَّفَ إنتاجُ مركبات ك ف ك واستخدامُها تماماً، فإنَّ الموجودَ منها في الجوِّ سوف يظلُ يُحدِثُ آثارَه الضارةَ فترةً تزيدُ على مئِة عام.

هل كُنْتَ تَتَصورُ وأَنْتَ تَرُشُّ العِطْرَ على وجهِكَ أنَّك تُسْهِمُ في القضاءِ على الأحياءِ على وجهِ الأرض؟ إن هذا أفضلُ مثلٍ على مساوئِ الاستخدامِ غير الرشيد، وغير المدروسِ علمياً للمواد الصناعية. كما أنَّه مثالٌ عظيمٌ يُظْهِرُ لنا أن تعاون البشرِ جميعاً هو السبيلُ الوحيدُ إلى نجاتِهِم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق