الفنون والآداب

نبذة تعريفية عن “اللغة العربية” وأهم خصائصها

2003 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الرابع عشر

عبد الرحمن أحمد الأحمد

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

اللغة العربية خصائص اللغة العربية الفنون والآداب المخطوطات والكتب النادرة

اللُّغاتُ كالبَشَرِ تَنْحَدِرُ مِنْ أُسَرٍ. وهي كَكُلِّ الكائناتِ تَنْمو، فمِنْها ما يموتُ، ومِنْها ما يَتَطَوَّرُ ويَبْقَى صامِدًا علَى مَرِّ العُصورِ، مُحْتَفِظًا بِصلابَةِ بِنائِهِ.

ومِنْ هذه اللُّغاتِ لُغَتُنا العَرَبِيَّةُ الّتي تَمَيَّزَتْ علَى كثيرٍ مِنَ اللُّغاتِ الإنْسانِيَّةِ بِمُقَوِّماتٍ جَعَلَتْ نُصوصَها القَديمَةَ مَفْهومَةً رَغْمَ مُرورِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةَ عَشَر قَرْنًا.

فَما السِّرُّ في ذَلِكَ؟ وما أَصْلَ لُغَتِنا العَرَبِيَّةِ؟ وكَيْفَ انْتَقَلَتْ مِنْ أَرْضِ الجزيرَةِ مَهْدِها الأَوَّلِ حتَّى أَصْبَحَتْ إِحْدَى أَكْثَرِ لُغاتِ العالَمِ اسْتِعمالاً، وإِحْدَى اللُّغاتِ الخَمْسِ الرَّسْمِيَّةِ في هَيْئَةِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ ومُنَظَّماتِها؟

 

قَدْ انْطَلَقَتْ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ مَعَ الفَتْحِ الإسْلامِيِّ لِتَصِلَ إلَى مَشارِقِ الأَرْضِ ومَغارِبِها، فهي اللُّغَةُ الأُولَى لأَكْثَرَ مِنْ 340 مليونِ عَرَبِيٍّ، اللُّغَةُ الرَّسْمِيَّةُ في الوَطَنِ العَرَبِيِّ.

كذَلِكَ تَأَثَّرَتْ اللُّغَةُ القَوْمِيَّةُ في كثيرٍ مِنَ الدُّوَلِ الإسْلامِيَّةِ باللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ؛ لأَنَّ العَرَبِيَّةَ لُغَةُ القُرْآنِ فهو (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ) (الشعراء:195)، ولا تَسْتَقيمُ العِبادَةُ إلاَّ بِهِ.

لِذَا تَتَطَلَّعُ شُعوبُ العالَمِ الإسْلامِيِّ، وفيها ما يَرْبُو علَى مِلْيارِ مُسْلِمٍ، إلَى تَعَلُّمِ العَرَبِيَّةِ، فَمِنْهُم مَنْ نَبَغَ فيها وتَفَوَّقَ، ومِنْهُم مَنْ يُلِمُّ بالقَدْرِ الأَدْنَى الّذي يُمَكِّنُهُ من أَداءِ الصَّلاةِ والفَرائِضِ الإسْلامِيَّةِ الأَساسِيَّةِ..

 

وجاءَ وَعْدُ اللهِ بِحِفْظِ القُرْآنِ، (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)، حِصْنًا مَنيعًا يَحْفَظُ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ ويُحافِظُ عَلَيْها، وهو ما يُمَيِّزُها عَنْ لُغاتِ العالَمِ..

أَمَّا العَرَبِيَّةُ القَديمَةُ فنَوْعانِ: جنوبِيَّةٌ في اليَمَنِ، وشمالِيَّةٌ في الحِجازِ ونَجْد. انْدَثَرَتْ الجنوبِيَّةُ مَعَ الزَّمَنِ، واسْتَمَرَّتْ الشَّمالِيَّةُ فعاشَتْ.

ويَخْتَلِفُ العَرَبُ في نُطْقِهِم العَرَبِيَّةَ في الحياةِ اليَوْمِيَّةِ بِحَسَبِ بِيئاتِهِمْ وقَبائِلِهِمْ لكنَّهُم جميعًا يَتَكَلَّمونَ لُغَةً مُشْتَرَكَةً، يُنْشِدونَ بِها أَشْعارَهُم، وبِها نَزَلَ القُرْآنُ الكريمُ ورُوِيَتْ الأَحاديثُ، وسُمِّيَتْ اللُّغَةَ الفُصْحَى.

 

واسْتَمَرَّتْ اللَّهَجاتُ إلَى حاضِرِنا المُعاصِرِ. وتُؤَثِّرُ عوامِلُ كثيرَةٌ في بُعْدِ اللَّهْجَةِ المَحَلِيَّةِ عَنْ الفُصْحَى، منها: العُزْلَةُ الجُغْرافِيَّةِ، والاسْتِعْمارُ، والأُمِّيَّةُ، وكَذَلِكَ انْتِشارُ العَرَبِيَّةِ خارِجَ الجزيرَةِ العَرَبِيَّةِ واخْتِلاطُ العَرَبِ بأُمَمٍ أُخْرَى.

وقَدْ عَرَفْنَا اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ القديمَةَ مُمَثَّلَةً بِنُصوصٍ أَدَبِيَّةٍ راقِيَةٍ شِعْرًا ونَثْرًا تَصِلُ إلَى أَبْعَدَ مِنَ العَصْرِ الجاهِلِيِّ.

ولمَّا اسْتَقَرَّتْ الدَّوْلَةُ العربِيَّةُ أيَّامَ الأُموِيِّينَ والعباسيِّينَ كانَ المسلمونَ مِنْ غَيْرِ العَرَبِ يَحْرِصونَ علَى تَعَلُّم العَرَبِيَّةِ تَقَرُّبًا إلَى اللهِ، أو سَعْيًا إلَى ذَوِي السُّلْطانِ.

 

واسْتَحَقَّتْ العَرَبِيَّةُ أنْ تكونَ لُغَةَ العِلْمِ خِلالَ قُرونٍ عَديدَةٍ شَكَّلَتْ دِعامَةً أَساسِيَّةً لِلْحضارَةِ الإنْسانِيَّةِ؛ فَقَدْ اسْتَوْعَبَتْ ما نُقِلَ إِلَيْها بالتَّرْجَمَةِ عَنْ ثقافاتِ العالَمِ، فارِسِيَّةً وهِنْدِيَّةً وإغْريقِيَّةً وسُرْيانِيَّةً.

واسْتَطاعَتْ العَرَبِيَّةُ أَنْ تُطَوِّعَ المُصْطَلَحَ العِلْمِيَّ، فكَتَبَ العُلماءُ، عَرَبًا وغَيْرَ عَرَبٍ، كثيرًا مِنَ المُؤَلَّفاتِ العِلْمِيَّةِ باللُّغَةِ العَرَبيَّةِ في ميادينِ العلومِ المُخْتَلِفَةِ كالطِّبِ، والفَلَكِ، والكيمياءِ، والفِيزياءِ، والتَّاريخِ، والجُغرافْيا، والفَلْسَفةِ، وعُلومِ اللُّغَةِ. 

وهذا جَعَلَ الحَضارَةَ الإسْلامِيَّةَ مَنارَةً تُشِعُّ بِضَوْئِها علَى العالَمِ الّذي كانَ يعانِي عُصورَ الظَّلامِ، وغَدَتْ العَرَبِيَّةُ مَوْرِدًا يَقْصِدُه طُلاّبُ العِلْمِ وبُنَاةُ الحضاراتِ، يَنْهلونَ مِنْها ويُتَرْجِمونَ عُلومَها؛ نَقَلوها إلَى لُغاتِهِم واسْتَوْعَبوا فَلْسَفَتَها في ثقافاتِهِم، فكانَتْ أساسًا لِلْحضارَةِ الغَرْبِيَّةِ المُعاصِرَةِ

 

ولِلُّغاتِ خَصائِصُ تميِّزُها عَن غَيْرِها، وتُضْفِي عَلَيْها شَخْصِيَّةً خاصَّةً تَجْعَلُنا نُفَرِّقُ بَيْنَ لُغَةٍ وأُخْرَى فَلا نَخْلِطُ بَيْنَها. وتمتازُ العَرَبِيَّةُ بِخَصائِصَ تُضْفِي عَلَيْها أَهَمِّيَّةً تَأْتِي في شَكْلِ أَنْظِمَةٍ تَضْبِطُها قواعِدُ مُحْكَمَةٌ مِنْها ما يَخْتَصُّ بالنُّطْقِ.

فَلِلُغَتِنا العَرَبِيَّةِ خاصِّيَّةٌ تَنْفَرِدُ بِها، حيثُ يَعْمَلُ جِهازُنا النُّطْقِيُّ بِكفاءَةٍ عالِيَةٍ، فالعَرَبِيَّةُ مِنْ أَكْثَرِ اللُّغاتِ الإنْسانِيَّةِ اسْتِخدامًا لِلأَعْضاءِ الخَلْفِيَّةِ مِثْلِ مَنْبِتِ اللِّسانِ وأَقْصاهُ، وما يَقَعُ بَعْدَه من أَعْضاءِ النُّطْقِ كاللَّهاةِ والحَلْقِ والحَنْجَرَةِ.

وذَلِكَ أَكْسَبَها أَصْواتًا لا نَجِدُها في لُغاتِ العالَمِ الأُخْرَى، مِنْها الأَصْواتُ الّتي يَقْتَرِبُ لَها أَصْلُ اللِّسانِ من الحَنَكِ الأَعْلَى (حروفُ: ص، ض، ط، ظ)، وهي ما تُعْرَفُ بأَصْواتِ الإطْباقِ، لِذَا سُمِّيَتْ العَرَبِيَّةُ «لُغَةَ الضَّادِ». ومِنْها أَيْضًا صوتُ «غ» الّذي لا نَجِدُه في كثيرٍ مِنَ اللُّغاتِ الغَرْبِيَّةِ أو الشَّرْقِيَّةِ.

 

يضافُ إلَى هذه الأَصْواتِ تَمَيُّزُ العربِيَّةِ بِمَجْموعَةِ الأَصْواتِ الخَلْفِيَّةِ الّتي تَخْرُجُ من الحَلْقِ، وهي «العَيْن» و«الحاءُ». فالعربِيَّةُ تَسْتخْدِمُ أَعْضاءَ النُّطْقِ بدءًا مِنَ الأَعْضاءِ الخارِجِيَّةِ (الشِّفاهِ)، مُرورًا بالدَّاخِلِيَّةِ (الأَسنانِ، واللِّسانِ وجانِبَيْ الفَمِ الدَّاخِلِيَّيْنِ، وسَقْفِ الحَلْقِ واللَّهاةِ)، وانْتِهاءً بالأَعْضاءِ القُصْوَى (كالحَلْقِ والحَنْجَرَةِ).

وقَدْ اتَّخَذَتْ لُغاتٌ إِسْلامِيَّةٌ رُموزَ الكِتابَةِ العَرَبِيَّةِ لِتَكْتُبَ بِها لُغاتِها، أَشْهَرُها الفارِسِيَّةُ والأُرْدِيَّةُ والبِشْتو والهَوْسَا. وقَدْ تَخَلَّتْ بَعْضُ لُغاتِ الدُّوَلِ الإسْلامِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ في القَرْنِ المُنْصَرِمِ، مِثْلِ: التُّرْكِيَّةِ والسَّواحِلِيَّةِ والصُّومالِيَّةِ.

ويَرْتَبِطُ النِّظامُ الكِتابِيُّ بالأَلِفْباءِ، فَصُورَةُ الكَلِماتِ مكتوبَةً تُماثِلُ صورَتَها المَنْطوقَةَ إلاَّ في رُموزٍ يَسيرَةٍ ، بَلْ إِنَّ العَرَبِيَّةَ مِنْ أَكْثَرِ اللُّغاتِ مُطابَقَةً بَيْنَ المَلْفوظِ والمَكْتوبِ. واشْتَهَرَتْ العَرَبِيَّةُ أَيْضًا بِجَمالِ خَطِّها ومُرونَتِه وأَشْكالِهِ، فأَبْدَع الخَطَّاطونَ فيهِ بتَشْكيلاتٍ فَنِّيَّةٍ أَدْهَشَتْ العالَمَ

 

والعَرَبِيَّةُ لُغَةٌ اشْتِقاقِيَّةٌ؛ فالجِذْرُ الواحِدُ، مِثل (كَ تَ بَ) نَأْخُذُ مِنْه الأَفعالَ: كَتَبَ ويَكْتُبُ، والأَسماءَ: كِتَابٌ ومَكْتَبٌ وكِتابَةٌ، والصِّفاتِ مِثْل كَاتِب ومَكْتوب، والجموعَ كَتَبَة وكُتُب… إلخ.

ويُمْكِنُ بتَقْليبِ الجِذْرِ (كَ تَ بَ) أَنْ نُوَلِّدَ جذورًا أُخْرَى. وهي طريقَةٌ مِنْ طرائِقِ تَنْمِيَةِ المُفْردَاتِ ناتِجُها ثَرْوَةٌ لَفْظِيَّةٌ تَدُلُّنا عَلَيْها المَعاجِمُ. وقَدْ اسْتَفادَتْ مِنْها لُغاتٌ أُخْرَى كالفارِسِيَّةِ والأُرْدِيَّةِ، بَلْ نَجِدُ في الإنْجليزِيَّةِ والأَسْبانِيَّةِ وغَيْرِها كثيرًا مِنَ الأَلْفاظِ العَرَبِيَّةِ.

ومِمَّا يُمَيِّزُ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ نِظامُها النَّحْوِيُّ والصَّرْفِيُّ لأَنَّها مِنَ اللُّغاتِ المُعْرَبَةِ الّتي تُراعِي القواعِدَ ومُقْتَضَى الحالِ في آنٍ؛ فَجَمَعَتْ بَيْنَ الدِّقَّةِ الإعْرابِيَّةِ والجمالِ البَلاغِيِّ.

 

فالمجازُ والبَيانُ البَديعُ لا تَتَعارَضُ مع الإعْرابِ، بَلْ يتكامَلان، لِيُحَقِّقَا لِلُغَتِنا إِعجازَها وتَفَرُّدَها وجمالَها. ومِمَّا تَمْتازُ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ بِهِ قُدْرَتُها علَى صِياغَةِ الأَسْماءِ المُصَغَّرَةِ فيقالُ: جَبَلٌ وجُبَيلٌ، شَجَرَة وشُجَيْرَة، وكَذَلِكَ بِصِيَغِ المبالَغَةِ، وغيرُ ذلِكَ كَثيرٌ.

وقَدْ خَدَمَ عُلماءُ اللُّغَةِ لُغَتَهُمْ العَرَبِيَّةَ خِدْماتٍ جليلَةً، وتفانَوْا في ذَلِكَ غايةَ التَفانِي الّذي يبلغُ حدَّ العِبادَةِ. ولا عَجَبَ في هذا، فَقَدْ اعْتَبَروا علومَ اللُّغَةِ علومًا خادِمَةً لعلومِ الدِّينِ: لِحُسْنِ فَهْمِ تفسيرِ القرآنِ الكريمِ والحديثِ الشَّريفِ، وعلومِ الشَّريعَةِ والفِقْهِ.

هذا فَضْلاً علَى الدَّورِ الفريدِ الّذي قامَتْ به اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ في تَقَدُّمِ علومِ الحضارَةِ الإسْلامِيَّةِ وآدابِها وفنونِها.

 

وفي هذا العَصْرِ، عَصْرِ العِلْمِ، ينبغِي عَلَيْنا أن نُقَدِّمَ لِلُغَتِنا الشريفَةِ مثلَ ما قَدَّمَهُ إِلَيْها أَجْدادُنا، أَحْسَنَ اللهُ جزاءَهُم.

وتطويعُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، بما حظِيَتْ به من كفاءَةٍ ذاتِيَّةٍ، كَيْ تعودَ لُغَةً لِلْعِلْمِ كما كانَتْ، فيهِ إِحياءٌ لها ولنا. ولا يَنْبغِي لنا أَنْ نَسْمَحَ للمُشَكِّكينَ – عَنْ جهلٍ بِحقائِقِ التَّاريخِ ومزايا لُغَتِنا – بِأَنْ يُضْعِفوا عَزْمَنا ويُقيموا العَقباتِ المُفْتَعَلَةَ في طريقِنا.

 

فاللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ جديرةُ بأَنْ نقولَ: علَى لِسانِ حافظ إبراهيم:

وَسِعْتُ كِتابَ اللهِ لفظًا وغايَةً       

                     فكيفَ أَضيقُ اليَومَ عن وَصْفِ آلةٍ

وما ضِقْتُ عَنْ آيٍ بِهِ وعِظاتِ           

                        وتنسيقِ أَسْماءٍ لِمُخْتَرَعاتِ