العلوم الإنسانية والإجتماعية

من قيمة الاستخدام إلى قيمة التبادل في بناء مجتمع السوق

2014 مجتمع السوق

سبايز بوتشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العلوم الإنسانية والإجتماعية التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

في العالم المعيشي تكون القيمة ملموسةً ومحددةً. وهنا نتحدث عن عالم محلي ومباشر حيث العمل والإنتاج والاستهلاك يحدث بين الأشخاص عينهم وفي المكان عينه تقريباً. يعمل الأفراد والعائلات والمجتمعات من أجل صنع الطعام والملابس وغيرها من الأشياء التي يستخدمونها هم أنفسهم. إذن تكون القيمة خاصة بالاستخدام. فقيمة الذرة يمكن أكلها وقيمة السرير يمكن النوم فيه وقيمة البئر يؤمّن المياه للشرب.

إذن نتحدث هنا عن "القيمة الاستعمالية"  (Use Values) ما يعني أن قيمة البضاعة مرتبطة بشكل مباشر باستخداماتها. ولا نستطيع مقارنة هذه القيم بسهولة. فمهما كان السرير كبيراً ومريحاً، من الصعب الأكل والشرب فيه. كما أنه من غير المنطقي كثيراً القول بأن قيمة السرير تعادل قيمة 10 كيلوغرامات من الذرة لكل منهما استخداماته المختلفة التي لا يمكن تحويلها. فحيازة 10 كيلوغرامات من الذرة لن يؤمّن لك ليلة نوم هانئة.

يتغير هذا الوضع في نظام إنتاج السلع، حيث تكون الذرة والأسرّة والآبار بضاعة ذات استخدام محدد، لكنها أيضاً سلع يمكن بيعها. ففي النظام الرأسمالي، يتم تنظيم الإنتاج بحيث يكون الهدف الرئيسي بيع منتجات من أجل تحقيق ربح وليس إنتاج بضاعة يستخدمها المنتجون أنفسهم. وتساهم الأسواق في هذا التحوّل من خلال تأمين آلية لتجارة سهلة.

فيما تحتفظ السلع بقيمة استعمالية خاصة يتم تحقيقها من خلال الاستهلاك، نرى أنها تتمتع بقيمة تبادل أيضاً، تتمثل بالسعر الذي تجتذبه في السوق. وتختلف قيمة التبادل عن القيمة الاستعمالية لأنها تقاس بموزون واحد، هو المال، الذي يمكّننا من تحديد قيمة البضاعة المختلفة. نستطيع على سبيل المثال أن نقول إن هذا السرير سعره 100 دولار وقيمته 10 كيلوغرامات من الذرة سعر الكيلو الواحد منها 10 دولارات. تخوّلنا الأسواق التوصل إلى هذه المعادلة من خلال بيع السرير ثمّ شراء الذرة. ومن خلال تحويل القيمة إلى سعر، وتفتح الأسواق الباب أمام القياس والمقارنة ما يدعم العقلنة (مراجعة الفصل الأول).

من المسائل البارزة في نظرية الاقتصاد هي كيفية شرح قيم التبادل الخاصة بالسلع المختلفة. فقيمة التبادل لا ترتبط بشكل واضح مع قيمة الاستخدام. ومثل ما قال آدم سميث (1904 [1776]) إن الماس مجرّد رفاهية تجتذب سعراً مرتفعاً فيما المياه الأساسية للحياة تجتذب سعراً منخفضاً. في البداية الأمر، ركّز كثير من الخبراء الاقتصاديين الكلاسيكيين على عملية الإنتاج، معتبرين أن سعر البضاعة يرتبط بالوقت المستهلك والمهارة التي تطلبتها عملية الإنتاج.