العلوم الإنسانية والإجتماعية

نظريّات مجتمع السوق

2014 مجتمع السوق

سبايز بوتشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العلوم الإنسانية والإجتماعية التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

يستند هذا الكتاب إلى مجموعة من التقاليد النظرية في العلوم الاجتماعية. ولكن بدلاً من أن يتمحور الكتاب حول هذه النظريات المختلفة، يتناول جوانب مجتمع السوق بشكل أساسيّ، ويأتي على ذكر عدد من النظريات في كلّ فصل. فيما يلي طرح موجز لبعض تلك النظريات، علماً بأنّنا لا نقدّم قائمة شاملة، ولكنّ هدفنا مساعدة القارئ على تكوين فكرة عن السياق العام للكتاب. 

الاقتصاد السياسي الكلاسيكي

كان ما يُعرف بـ"الاقتصاد السياسي" (Political economy) من بين التقاليد الأولى التي انكبّت على دراسة صعود الأسواق الرأسمالية، وذلك ابتداءً من القرن الثامن عشر. هذه المدرسة التي دمجت ما بين السياسة والاقتصاد والتاريخ تُعرف اليوم باسم الاقتصاد السياسي "الكلاسيكي" لتمييزها عن مدارس الفكر الاقتصادي السياسي الأحدث عهداً.

من بين علماء الاقتصاد السياسي الكلاسيكي نذكر آدم سميث (Adam Smith)، الذي يعتبر "الأب المؤسس" لعلم الاقتصاد الحديث، ودايفد ريكاردو  (David Ricardo)وتوماس مالتوس (Thomas Malthus) وجون ستيوارت ميل (John Stuart Mill). جميعهم طرحوا أفكاراً هامّة لا تزال ليومنا هذا تغذّي الاقتصاد الحديث، كما كان لبعضهم، كسميث وميل، مساهمات بارزة في مجالات أخرى.

هؤلاء المنظّرون مؤيّدين إلى حدّ بعيد للنمو الاقتصادي الناجم عن مجتمع السوق الناشئ. وقد سلّموا بأهميّة المنافسة والتجارة لجهة تعزيز النموّ، وغالباً ما كانوا يدعمون التجارة على أسس أخلاقية وسياسية، معتبرين بأنّ من شأنها تعزيز المسؤولية الفردية والحرية.    

كما أوضح المنظّرون الكلاسيكيّون أنّ الفئات الاجتماعية المختلفة تشارك في الاقتصاد بطرق مختلفة، وأنّ مصالحها ومكاسبها تختلف. وركّزوا اهتمامهم على دور العمل في إنتاج القيمة. وبهذا فقد أرسى عملهم الأسس لما جاء لاحقاً في تقاليد نظرية مختلفة، من بينها الاقتصاد الماركسي والاقتصاد الكلاسيكي الجديد.

الاقتصاد الكلاسيكي الجديد

اعتباراً من أواخر القرن التاسع عشر، أصبحت الدراسة الاقتصادية أكثر تخصصاً. وقد اختلف هذا النهج عن الاقتصاد السياسي الكلاسيكي لجهة التركيز على علم الاقتصاد باعتباره مجالاً مستقلاً عن العلوم الاجتماعية الأخرى وعن السلوك الاجتماعي. الجدير بالذكر أن هذا النهج لا يزال النهج السائد في دراسة الاقتصاد اليوم.

يعتمد الاقتصاد الكلاسيكي الجديد أسلوب تحليل أكثر تجريداً، إذ إنّه ينطوي على وضع افتراضات بشأن كلّ من السلوك البشري وظروف السوق، والانطلاق منها لتطوير نماذج رياضية. المنهجيّة المتّبعة منهجيّة فردية، أي أنّها تبدأ بافتراضات حول الأفراد ثمّ تستخلص استنتاجات تتعلّق بالاقتصاد ككلّ. وعليه، فإنّ سلوك الاقتصاد يعتبر نتيجة الخيارات والتصرّفات الفردية، علماً بأنّ كلّ فرد يتصرّف بمعزل عن الآخرين.

وتستند الافتراضات المستخدمة في الاقتصاد الكلاسيكي الجديد إلى نظرية الاختيار العقلاني. إذ تفترض هذه النظرية بأنّ الناس عقلانيون ونفعيون، أي أنّهم يحاولون تحقيق أقصى حدّ من الرفاهية باستخدام أنجع الوسائل الممكنة. كما يفترض معظم علماء الاقتصاد الكلاسيكي الجديد تنافسيّة الأسواق التي يتفاعل فيها العملاء العقلانيّون.

الافتراضات مثيرة للجدل، ويعتبر البعض بأنّها تجعل النظرية الكلاسيكية في موقع تعزيز المنافسة في السوق. ولهذا السبب، غالباً ما يتمّ ربط الاقتصاد الكلاسيكي الجديد بما بات يعرف بـ"النيوليبرالية"(Neoliberalism) . والنيوليبرالية عبارة عن مجموعة من التوصيات المتعلقة بالسياسة العامة، والتي تؤيّد المنافسة في السوق وترفض تنظيم الدولة له. تجدر الإشارة إلى أنّ النيوليبرالية كانت من بين أهمّ القوى التي ساهمت في تحويل السياسة الاقتصادية منذ سبعينات القرن العشرين.

الاقتصاد السياسي الماركسي

يستند الاقتصاد السياسي الماركسي إلى أعمال كارل ماركس، الذي دأب على نقد الاقتصاد السياسي الكلاسيكي منذ أواخر القرن التاسع عشر. ألهمت أفكار ماركس حركات إصلاحية وحتى ثورات، وغيّرت بذلك التطبيق العملي للرأسمالية. وما تزال أعماله تساهم إلى اليوم في صياغة الكثير من التحليلات الاقتصادية والاجتماعية. ومع أنّ ماركس كان من نقّاد الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، إلّا أنّه انطلق من العديد من مفاهيمه، ومن بينها نظرية قيمة العمل، لتركيز الاهتمام على العلاقات الاجتماعية، أي علاقة مجموعات (أو طبقات) مختلفة من الناس بوسائل الإنتاج: العمّال المأجورون (الطبقة الكادحة) وأصحاب الأعمال (البورجوازية).        

درس ماركس هذه العلاقات الاجتماعية في أزمنة وأمكنة حقيقية، ولاحظ تطوراتها التاريخية. وقد أطلقت على هذه الطريقة تسمية "المادية التاريخية" (Historical Materialism). وهي مادية لأنّها تركّز على التغيّرات التي طرأت على الظروف المادية للإنتاج والاستهلاك على مرّ الزمن، والتي بدورها أثّرت في عالم الثقافة والأفكار. وهذا يتعارض مع النهج الكلاسيكي الجديد الذي ينظّر بصرف النظر عن التفاصيل التاريخية.

كان لنهج ماركس تأثير كبير في علم الاجتماع، ويعود ذلك جزئياً إلى ربطه الاقتصاد بعمليّات اجتماعية أشمل. إلّا أنّ البعض يدلّلون على أنّ هذا النهج ماديّ للغاية، ولا يقيم وزناً كافياً للعمليات الثقافية، فيما يرى آخرون بأنّه حتميّ جداً، أي أنّه يعتبر بأنّ النتائج تحدّدها الهياكل الاقتصادية، من دون إقامة اي اعتبار لأعمال الأفراد. وفي المقابل، فإنّ علماء الاقتصاد الكلاسيكي الجديد بدورهم ينتقدون تركيز ماركس على الفئات الاجتماعية بدل الأفراد.

علم الاجتماع عند فيبر

ماكس فيبر (Max Weber) هو أحد الآباء المؤسسين لعلم الاجتماع ومن أكثر الشخصيات نفوذاً في علم الاجتماع الاقتصادي. فقد انتقد فيبر في كتاباته ماركس، الذي سبقه، والاقتصاد الكلاسيكي الجديد.

أثّرت تحاليل فيبر إلى حدّ ما في الفردانية المنهجية الحديثة، كما ركّز اهتمامه على كيفية تفاعل الأفراد. غير أنّ تصوّره للتفاعل الاجتماعي اختلف عنه في التقليد الكلاسيكي الجديد. "التفاعل الاجتماعي" (Social Interaction)، وهو من المفاهيم الأساسية في علم الاجتماع، يتمثّل بالنسبة إلى فيبر في العلاقات بين الأفراد وكيفية تعاملهم مع بعضهم البعض. أي أنّه يتجاوز علاقات التبادل الأضيق التي تركّز عليها النظرية الكلاسيكية الجديدة في معظمها.

دلّل فيبر على أنّ علم الاجتماع يتطلّب فهماً ذاتياً لدوافع الناس، ما يُسمّى في بعض الأحيان "علم الاجتماع التفسيري" (Interpretative Society) أي أنّ علينا أن نفهم لماذا يتصرّف الناس بطريقة معيّنة، وكيف ينظر الشخص إلى أعماله ويفهمها. وقد أصبح هذا المبدأ من بين الأهمّ في علم الاجتماع. 

ومن بين المفاهيم الأساسية الأخرى لدى فيبر، نذكر "العقلانية (Rationalization) التي تتمثّل في نزعة المجتمعات الحديثة لاستخدام العلم والعقل لاختزال العمليّات الاجتماعية والاقتصادية بعناصرها الأساسية، ما يسهّل التفكير في جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتقييمها والتنبّؤ بها. الجدير بالذكر أنّ العقلانية تحظى بتأييد الأسواق والدول على حدّ سواء.

على نطاق أوسع، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ تحليل فيبر انتقد أيضاً التحليل الطبقي الماركسي. فانطلاقاً من تركيز فيبر على الذاتية، كان هذا الأخير يعتبر الطبقة الاقتصادية أقلّ أهمية من غيرها من الفوارق الاجتماعية (كالجنسية والدين والمهنة) في تشكيل الهويّة الفردية والنشاط الجماعي. وقد كرّرت دراسات حديثة أهميّة تعليم أفكار فيبر الخاصة بعلم الاجتماع الاقتصادي.

التحليل المؤسسي

تركّز النظرية المؤسسية، على أهميّة التاريخ وعلى انتظام الاقتصاد من خلال المؤسسات التي سادت علمَ الاقتصاد في مطلع القرن العشرين. فيبر، الذي كان يعتبر نفسه عالم اقتصاد، كان جزءاً من أحد عناصر هذا التقليد، المدرسة التاريخية لعلماء الاقتصاد الألمان. ولكنّ النظرية المؤسسية كانت تحظى بشعبية كبيرة في الولايات المتّحدة أيضاً، حيث ساعد واضعو النظريات المؤسسية على وضع المقاييس الإحصائية والأدوات المستخدمة لمراقبة الاقتصاد وتنظيمه.    

كان الكثير من أتباع النظرية المؤسسية يعتبرون أنفسهم علماء اقتصاد، كان العديد من علماء الاقتصاد الكلاسيكي الجديد يعتبرون بأنّ تأثر هؤلاء كبير بعلم الاجتماع، الأمر الذي يعكس الطبيعة المستعرضة لهذا النهج. وقد لفت أتباع النظرية المؤسسية الانتباه إلى تأثير الثقافة في سلوك المستهلك وإلى أهميّة الشركات في هيكل المنافسة. كما درسوا دور كلّ من الدولة والاتّحادات والإعلام، وتبيّن لهم أنّ جميع هذه "المؤسسات" (Institutions)  لها تأثير كبير في طبيعة الحياة الاقتصادية.

في الآونة الأخيرة، ركّز بعض المنظّرين الكلاسيكيين الجدد أيضاً على المؤسسات. وعملهم هذا ناشئ عن إشكاليّات تتعلّق بالافتراضات التي تقوم عليها النظرية الكلاسيكية الجديدة. فعلى سبيل المثال، يردّ علم الاقتصاد السلوكي على الانتقادات التي تطاول الفاعل الاقتصادي العقلاني عبر البحث في كيفية اتّخاذ الأشخاص قرارات اقتصادية، فيما يردّ آخرون على الانتقادات حول "السوق التنافسية الكاملة" باستعراض الآثار المترتّبة على "تكلفة المعاملات" (تكلفة ممارسة الأعمال التجارية).

لقد ألهم هذا النهج إلى ظهور "الاقتصاد المؤسسي الجديد" (New  Institutional Economics) (NIE). فخلافاً للأشكال الأقدم للنظرية المؤسسية، يستند الاقتصاد المؤسسي الجديد بشكل كبير إلى تقليد الفردانية المنهجية. إلّا أنّه، وعلى عكس الاقتصاد الكلاسيكي الجديد، يولي اهتماماً أكبر للسياق الذي يتصرّف فيه الأفراد، مسلّطاً الضوء على دور القرارات والمؤسسات السابقة في السلوك الحالي.

لقد شهدت العلوم الاجتماعية تجدّداً لنشاط التحليل المؤسسي، ففي الاقتصاد السياسي، على سبيل المثال، تركّز النُهج المستندة إلى المدرسة الفرنسية التنظيمية على الهياكل الاجتماعية التي تنظّم النشاط الاقتصادي. وفي مجال دراسة السياسات، يبحث التحليل المؤسسي في تغيّر السياسة بمرور الوقت، مع التشديد على استمرارية تأثير القرارات السياسية الماضية على التوجهات المستقبلية حتّى بعد التراجع عن تلك السياسات.

الاقتصاد الكينزي

كان عالم الاقتصاد البريطاني جون مينارد كينز (John Maynard Keynes) من بين أهمّ علماء الاقتصاد في القرن العشرين. وقد شكّلت دراساته عن عدم اليقين وعن الاقتصاد الكلّي وعن البطالة أساساً للسياسة الاقتصادية حول العالم في مرحلة ما بعد الحرب. كما تمّ دمج نظريّاته عن الاقتصاد الكلّي في المدرسة الكلاسيكية الجديدة التقليدية، إلّا أنّها استتبعت كذلك في مرحلة ما بعد الكينزية أبحاثاً أكثر نقدية حول عدم استقرار الأسواق المالية والنقص في العمالة.

ومع أنّ الكينزية تقليد بحدّ ذاتها، إلّا أنّ التحليل الكينزي ينسجم تماماً مع النشاط المتجدّد للنظرية المؤسسية، من حيث التركيز على كيفية الاستفادة من تنظيم سوق العمل والسوق المالية لمعالجة عدم الاستقرار، وعلى استناد النشاط الاقتصادي في الاقتصادات الرأسمالية الحديثة إلى الكيانات المؤسسية الكبيرة كالدول والمصارف. 

علم الاجتماع الاقتصادي

يمكن إدراج كلّ من النظريات الفيبرية والمؤسسية والماركسية تحت عنوان "علم الاجتماع الاقتصادي"(Economic Sociology) . إلّا أنّ هذه التسمية باتت مؤخراً تشير إلى مجال فرعي أكثر تميّزاً، يرتكز عمله على فهم ما يؤثّر في التصرّف الاقتصادي الفردي وعلى كيفية التوفيق بين أعمال الفرد ومؤشرات الهيكل الاجتماعي. كما ظهرت مفاهيم جديدة من مثل مفهوم "التضمين"  (Embeddedness) لمارك غرانوفيتر  (Mark Granovetter)(1958) ونظرية "الحقل" (Field) لبيار بورديو    (Pierre Bourdieu)(1990)، بالاستناد إلى دراسات اجتماعية واقتصادية سابقة.      

وقد كان لعلم الاجتماع الاقتصادي تأثير شديد بشكل خاص في الولايات المتّحدة وأوروبا حيث برز أثر التحليل الشبكي، مع التركيز على شبكة العلاقات القائمة بين عدد من العملاء الاقتصاديين وتأثيرها على السلوك والنتائج. كما تمّ تطوير أداة جديدة في إطار تقليد الاختيار العقلاني، ألا وهي نظرية الألعاب، التي طبّقها علماء الاجتماع. ناهيك عن إنّ نظريّتي الشبكة واللعبة تركزان على سياق السلوك الفردي، والعلاقات بين الأشخاص و"قواعد اللعبة" (Rules of the Game)، وهما تسمحان باعتماد نُهج متعددة التخصصات.