علم الفلك

كوكب الزُهرة

2013 أطلس الكون

مور ، السير باتريك مور

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

علم الفلك

كوكب الزُهرة

كوكب الزهرة، ثاني الكواكب بعدا عن الشمس، يختلف أشد الاختلاف عن كوكب عطارد. فهو أشد سطوعًا من أي نجم أو كوكب آخر، ويرمي بظلال واضحة؛ فالأشخاص الذين يتمتعون بحدة البصر يستطيعون رؤية وجهه بالعين المجردة خلال مرحلة الهلال، كما يُظهره المنظار بسهولة. ولكنه تلسكوبيا يعتبر مخيبًا للآمال. فما يُرى منه شيء بسيط، ويبدو القرص بشكل عام فارغًا. فنحن لا ننظر إلى سطح صلب بل إلى أعلى طبقة من سحاب لا ينقشع أبدًا. وقبل عصر الفضاء، كنا نعلم أقل القليل عن عالم كوكب الزهرة.

كنا نعلم حجم وكتلة الزهرة. فهي أصغر من الأرض بدرجة طفيفة، مما يجعلهما شبه توأمين. وبلغت الدورة المدارية للزهرة 224.7 يوما، كما أن مدارها حول الشمس دائريًي تقريبًا. وقد تراوحت تقديرات دورته المدارية من أقل من 24 ساعة إلى بضعة أشهر، لكن القيمة المفضلة هي حوالي الشهر. والظلال الغامضة التي تبدو أحيانًا على قرصه غير محددة لدرجة يصعب معها إعطاء نتائج يعتمد عليها. وكان هناك أيضا ضوء آشن الرمادي، أو الرؤية الباهتة للجانب ‘الليلي’ منه، حينما يكون الزهرة في طور الهلال. كان يبدو حقيقيًا، مع أن القليلين وافقوا عالم الفلك فرانز فون بولا جرويثويزن (Franz von Paula Gruithuisen) الذي عاش في القرن التاسع عشر، حين عزا ذلك إلى أضواء على سطح الكوكب قام بإنارتها السكان المحليون احتفالاً بتولي العرش إمبراطور جديد! وتقول نظرية حديثة أن ضوء آشن مرده إلى أن سطح الكوكب شديد الحرارة يلمع بشكل باهت من خلال الغلاف الجوي. وهذا بالتأكيد أكثر قبولاً من محتفلي جرويثويزن.

اقترح البعض أن كوكب الزهرة ربما يكون في حالة كوكب الأرض أثناء العصر الكربوني، بمستنقعاته ونباتاته الكثيفة مثل السرخس وذنب الفرس؛ وحتى أوائل الستينيات من القرن العشرين كان العديد من الفلكيين واثقين من أن سطحه يعلوه الماء بشكل رئيسي، بالرغم من تفكير آخرين بإمكانية أن تكون حرارة السطح شديدة الارتفاع لدرجة أدت إلى تحول الزهرة إلى صحراء ترابية ثائرة. وقد تم الاتفاق على أن الجزء الأعلى، على الأقل، من الهواء المحيط يتألف بشكل رئيسي من ثاني أكسيد الكربون الذي عادة ما يحبس حرارة الشمس.

وردت أولى المعلومات الإيجابية في ديسمبر 1962، حينما مرت المركبة الأمريكية مارينر 2 بجوار الزهرة على بعد يقل عن 35,000 كيلومتر (21,800 ميل) وأرسلت بيانات سرعان ما نسفت نظرية ‘المحيط’ الجذابة. وفي عام 1970 تمكن السوفييت من إنزال متحكم لمركبة فينيرا 7، التي أخذت تبث لمدة 23 دقيقة قبل أن وقفها عن العمل، وفي 21 أكتوبر 1975 قام مسبار سوفييتي آخر، فينيرا 9، بإرسال أول صورة مباشرة من سطح الزهرة. وأظهرت الصورة تضاريس مهيبة مليئة بالصخور، وبالرغم من كون الصخور رمادية اللون فهي تبدو برتقالية بسبب الانعكاس من الغيوم التي تعلوها. وقد وجد أن ضغطها الجوي يبلغ حوالي 90 ضعفا لضغط هواء كوكب الأرض عند مستوى البحر، أما درجة الحرارة فتجاوزت °480 درجة مئوية.

وأظهرت القياسات الرادارية أن الدورة المدارية تبلغ 243.2 يوما – أي أطول من ‘السنة’ في كوكب الزهرة، بالإضافة إلى أن الكوكب يدور من الشرق إلى الغرب، أي عكس اتجاه دوران كوكب الأرض. ولو كان من الممكن رؤية الشمس من سطح الزهرة، لكانت تُشرق من جهة الغرب وتغرب في الشرق، ولحدث الشروق التالي بعد 118 يوما أرضيا، وهكذا يكون تقويم كوكب الزهرة بمثل غرابة تقويم عطارد. والسببٌ في هذا الدوران التراجعي غير معروف. فطبقًا لإحدى النظريات، تعرض كوكب الزهرة لاصطدام مع جسم عملاق في بدايات تطوره مما أطاح به فعليًا. ولا يبدو هذا معقولاً لكن ليس من السهل التفكير في شيء أفضل.

لقد اكتشف أن أعلى الغلاف الجوي يقع على بعد حوالي 400 كيلومتر (250 ميل) عن السطح، وأن السحب العليا لها دورة مدارية يبلغ 4 أيام فقط. تقع السحب العليا على ارتفاع 70 كيلومتر (44 ميل)، وهناك عدة طبقات سحابية مميزة لكن تحت مستوى 30 كيلومتر (19 ميل) يصبح الغلاف الجوي صافيا وهادئا نسبيًا. والمكون الرئيسي للغلاف الجوي هو بلا شك ثاني أكسيد الكربون الذي يشكل أكثر من 96 بالمائة منه، بينما يتألف معظم الباقي من النتروجين. والسحب غنية بحمض الكبريتيك، وفي بعض المستويات يتوقع وجود ‘أمطار’ من حمض الكبريتيك إلا أنها تتبخر قبل وصولها إلى مستوى الأرض.

كان هناك وقت، في زمن ليس ببعيد، اعتبر فيه الزهرة أكثر ألفةً من المريخ، وكان كوكب الزهرة هو الهدف الرئيسي للسفن الفضائية، ولم يكن إرسال رحلة مأهولة إليه أمرًا مستبعدًا. لكننا أكثر إدراكًا الآن، إذ ربما يكون إرسال بعثة إلى كوكب الزهرة أمرًا ممكنًا في المستقبل، إلا أنه بالتأكيد لن يحدث قبل أمدٍ بعيد. ومرة أخرى أصبح المريخ الهدف الرئيسي وتراجع كوكب الزُهرة إلى المركز الثاني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق