الطب

الآلية التي تتم بها “الجراحة” التي يخضع لها المريض

1996 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء السابع

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

علم الجراحة الطب

الجراحة فرع من العلوم الطبية، يختص بالأمراض التي تحتاج في علاجها إلى عمليات، وذلك باستخدام اليَدِ، والآلات الجراحية، وغيرِ ذلك من الوسائل الحديثة.

وكلمة جراحة مشتقة من كلمة جُرْج، أي قَطع في أنسجة الجسم، لأن الوصول إلى أي مكان داخل الجسم، يستلزم بالضرورة أن نُحدث جرحا في الجلد والنُّسُج الخارجية، حتى نصل إلى مكان إجراء العملية الجراحية.

وتحتاج الجراحة من الطبيب إلى إلمام تام بعِلْم التشريح.

فجسم الإنسان يمكن تشبيهه بسيارة مثلا، فعندما تحتاج السيارة للإصلاح، يقوم المهندس الفني بفَحْصها، وتحديدِ أو تشخيص ما بها من تَلف، ثم يقوم بتفكيك أجزائها وإعادة ضبطها.

 

وهذا يَعني أنه يعرف مُكَونات السيارة، وترتيبها داخل كل جزء منها، وكذلك كيفية تفكيكها وإعادة تركيبها بصورة صحيحة.

وهذا يماثل معرفة الجرَّاح لتشريح جسم الإنسان، وكيفية الوصول إلى أجزائه الداخلية، بطريقة صحيحة لا تتسبب في إتلاف أي جزء منه.

وبعد الانتهاء من العملية الجراحية، يعيد الجراح قَفْل الجرح بطريقة سليمة، بحيث لا يتأثر شكل الجسم، أو ظائفُ أعضائِه.

 

وقد عَرف الإنسان الجراحة من قديم الزمان،  ولكنها ظلت محصورة في حدود ضيقة، مثل بَتْر (أيْ قَطْع وفَصْل) الأعضاء التالفة.

ولم تتقدم الجراحة فعلا إلا بفضل اكتشاف مواد التخدير، التي تريح المريض من الأحساس بأي ألم في أثناء الجراحة.

ومع تقدم علم التخدير، تطورت الجراحة، لتشمل أجزاءَ من الجسم، لم يكن الجراحون يستطيعون الوصول إليها من قبل.

وتعدَّدَت تخصصات الجراحة نتيجة لذلك، فهناك الآن على سبيل المثال، جراحة الجهاز الهضمي، وجراحة الصدر والقلب، وجراحة الجهاز العصبي (الدماغ والنخاع الشَّوكي)، وجراحة العظام، وجراحة الجهاز البولي، وغير ذلك من تخصصات جراحية.

 

وكذلك تقدم علم الجراحة نتيجة لمعرفةالجراثيم المسببة للأمراض، في أواخر القرن التاسع عشر والنصفِ الأول من القرن العشرين.

وهذا قد أدى إلى استخدام طُرُق التعقيم المناسبة في الإعداد للجراحة، مثل تعقيم الآلات الجراحية، وكذلك تطهير الجروح بطريقة صحيحة، الأمر الذي أدى إلى قلة حدوث التهابات الجروح وتَقيُّحها ، والتي كانت سببا هاما في فشل العمليات الجراحية، وربما في وفاة المريض.

وفي الأربعينيات من هذا القرن العشرين، استخدم الأطباء المضادات الحيوية لقتل الجراثيم، وبذلك تمكنوا من علاج الجروح المتقيحة، وكذلك أصبح من الممكن حماية المريض من التعرض لهذه المشكلة الخطيرة، بفضل العدد الكبير من المضادات الحيوية التي اكتشفها العلماء.

 

وفي السنوات الأخيرة من القرن العشرين، حدثت طَفْرة جديدة في مجال الجراحة، وذلك عندما استخدم الجراحون «المناظير» في إجراء الجراحات المِجهرية فبفضل هذه الطريقة الحديثة أصبح من الممكن الوصول إلى أي مكان داخل الجسم، وذلك من خلال جُرْح صغير لا يزيد طوله عن سنتيمترات قليلة.

ويَستخدِم الجراح آلاتٍ جراحية دقيقة الحجم، مثبَّتَة على رأس عامود رفيع.

وتصل هذه الآلات إلى مكان إجراء الجراحة من خلال أنبوب مناسب، مُزوَّد بمصباحٍ لإضاءة موضع العملية، وكذلك به ألياف ضوئية تحمل الصورة من داخل الجسم إلى كاميرا مناسبة، وتقوم هذه الكاميرا ببث أو نقل الصورة إلى شاشة تلفاز.

 

ويمكن تكبير الصورة المنقولة إلى التلفاز، وهذا يزيد من وضوح الرؤية أمام الجراح، وبالتالي يتجنب إتلاف الأنسجة المحيطة بمكان العملية، وتزداد قدرته على إتقان العمل الذي يؤديه. وكذلك يستطيع الجراحون الآن استخدام أشعة الضور المركَّزة، المعروفة باسم الليزر، بدلا من المشارط.

وربما اقترنت كلمة جراحة في الأذهان بالقَطْع والإزالة، وهذه الصورة القديمة والتي سبق الإشارة إليها، فنحن نسمع عن استئصال اللوزتين أو الزائدة الدودية، أو بتر عضو مصاب. أو استئصال ورم.. إلى غير ذلك.

ولكن الجراحة ليست كلها بتراً للأجزاء التالفة، فمن أهم مجالاتها ما يُعرف بالجراحة التكميلية أو جراحة التجميل، وبالطبع ليس المقصود فقط تحسين ملامح الوجه، كالأنف أو العينين أو الشفاه، أو إزالة السِّمَنة من بعض أجزاء الجسم، إلى غير ذلك من صور التجميل.

 

ولكن الأصل في جراحة التجميل هو إصلاح أي تَشَوَّه في أي مكان من الجسم. فعلى سبيل المثال، يقوم الجراح بتغطية مواضع الحروق بالجلد السليم، وبذلك يَسترد الجلدُ وظيفته في حماية الجسم، ويعود للمريض شكله الأصلى.

ومن الجراحات التكميلية كذلك، إصلاح بعض عيوب القلب والجهاز الدَّوري، أو تغيير الصمامات التالفة داخل القلب وغيرها من جراحات الأوعية الدموية.

ولا ينبغي أن ننسى ما يقوم به الجراحون، من إصلاح الأعضاء المقطوعة والعظام المكسورة للمصابين في الحوادث، فَيُنقذونهم ويجعلونهم قادرين على مواصلة حياتهم وأعمالهم.

 

وهناك أيضا جراحة نقل النُسُج أو الأعضاء من شخص إلى آخر .وهي جراحة لاستبدال عضو أو نسيج تالف بآخر من شخص سليم يتبرع به للمريض، أو يحصل عليها المريض بعد وفاة الشخص السليم، إذا كان من الممكن الاحتفاظ بهذه الأعضاء أو النُّسُج، بصورة تَسمح باستخدامها لهذا الغرض.

ولا تقتصر الجراحة على الإنسان فقط، فالبَيْطريون يُجْرون الجراحة للحيوان أيضا.

فالحيوان يَمْرَض كما يمرض الإنسان، وقد يحتاج إلى جراحة لعلاج بعض الأمراض، ولكن نظرا لارتفاع تكاليف العمليات الجراحية، فإنها تكاد تكون مقصورة على الحيوانات النادرة الوجود.

أو تلك التي أوشكت على الانقراض، أو الحيوانات الثمينة، مثل خيول السباق وربما الهُجُن وصقور الصيد والتي تصل أثمانها إلى الآلاف بأي عملة من العملات.

 

وهناك مجال آخر للجراحة في الحيوان. فقبل إجراء عملية جراحية جديدة للإنسان، لا بد وأن نجري بعض التجارب لنتأكد من سلامتها، ومعرفة اي مشكلات قد تنشأ عنها، وكيفية تفادي مثل هذه المشكلات، ومدى استفادة المريض من هذه الجراحة.

وبالطبع لا يمكن إجراء هذه التجارب على الإنسان، وهنا يستخدم الجراحون الحيوانَات المناسبة لمثل هذه التجارب.

 

وهنا يلتزم الجراح بقانون تَضَعه الجهات المسئولة عن الرِّفق بالحيوان، وذلك حتى لا يقاسِي الحيوان من آثار هذه التجارب، فليس الغرض من هذه التجارب تعذيب الحيوانات، ولكنها وسيلة أساسية لتحسين أسلوب علاج المرضى، وتوفير أفضل فرص الشفاء لهم.

إن هذا العدد الكبير من الجراحات الناجحة، التي يُجريها الجراحون يوميا في كل مكان، هو ثمرة هذا الجهد الكبير، والتطور العلمي على امتداد التاريخ الإنساني، شارك فيه الكثير من العلماء الذي قد لا نذكر أسماءهم، ولكنهم تركوا لنا علما ننتفع به الآن، وربما كان الأساس لمزيد من التقدم الجراحي في المستقبل ايضا.

Show More

Related Articles