علوم الأرض والجيولوجيا

العوامل المؤدية إلى اختيار وتطور “الأحفورة المرشدة”

1998 الموسوعة الجيولوجية الجزء الأول

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الأحفورة المرشدة علوم الأرض والجيولوجيا

يُطلق هذا الاصطلاح على البقايا والآثار القديمة للنباتات والحيوانات التي عاشت خلال فترة معينة من الزمن الجيولوجي، والتي يمكن استخدامها في عمليات التأريخ الجيولوجي للصخور التي تحتوي عليها.

وفي أغلب الأحيان تكون الأحفورة المرشدة محصورة في الصخور الرسوبية التي توجد في بيئات متعددة كالمحيطات المفتوحة والبحيرات الشاطئية (Lagoons) الاستوائية والشعب المرجانية والشواطئ والبحيرات والأنهار.

وتمثل الأحافير المرشدة في مجموعة من التكوينات العضوية. 

 

تضم الطحالب الميكروسكوبية وحبوب اللقاح والأصداف وأسنان القرش والتجاويف الهندسية الموجودة في الصخور الناجمة عن تحلل مواد عضوية غير معروفة لنا.

كما تضم أيضاً أمثلة كبيرة وواضحة لأجزاء من حيوانات بائدة مثل أسنان الأفيال المنقرضة، وتعتبر الأحافير المرشدة وسائل ضرورية جداً في عمليات البحوث الجيولوجية، حيث تستخدم في مقارنة العمر الجيولوجي لتكوينات الصخور الرسوبية كما أنها ذات فائدة قصوى في عمليات البحث عن البترول والفحم والخامات الفلزية.

 

العوامل التي تحدد اختيار أحفورة ما كأحفورة مرشدة:

يتوقف اختيار أحفورة ما لكي تكون أحفورة مرشدة على عدد من العوامل:

أولاً: يجب أن تمثل الأحفورة مجموعة أحيائية تطورت بصورة سريعة، فوفقاً للمفاهيم التي تضمنتها نظرية التطور فإن المجموعات الأحيائية سواء كانت حيوانية أو نباتية ظهرت في نسق محدّد.

واستمرت محافظة على هذا النسق فترة من الزمن إلى أن استبدلت بها تكوينات أحيائية جديدة، ولما كانت الأحياء التي تعرضت لعملية التطور لا تعود مرّة أخرى إلى أشكالها القديمة لذلك تكوّنت أنواع متعاقبة من الفونا والفلورا.

 

وقد اعتبر كل نوع فردي منها دليلاً على الزمن الجيولوجي الذي عاش خلاله هذا النوع، ولا يخفى على المرء أنه كلما صغرت الفترة الزمنية التي تمثلها أي أحفورة مرشدة، كان ذلك أفضل، حيث تضيق حدود العمر النسبي الخاص بالصخور التي تحتوي على مثل هذه الأحفورة.

ويطلق الجيولوجيّون عادة اصطلاح مدى الأحفورة (Fossil Range) ليدل على فترة الزمن الجيولوجي التي عاش خلاله الكائن الممثل للأحفورة.

 

كما يطلقون اصطلاح: النطاق الفوني (Faunal Zone) ليدلّ على ذلك النطاق الصخري التي توجد خلاله أحفورة مرشدة معينة أو مجموعة من الأحافير المرشدة التي لا يجاوز مداها الاستراتجرافي حدود النطاق.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن كلا من المدى والنطاق يأخذ اسمه من الأحافير التي توجد فيه، فلو أن أحفورة ما، ولتكن من جنس (Fusulinella) التي وجدت في مدى معين فإن هذا المدى سوف يُنسب إليها، أي (Fusulinella Range) وكذلك الأمر مع النطاق.

 

ثانياً: يجب أن تكون الأحفورة موجودة في الصخور بأعداد كافية بحيث يمكن العثور عليها بجهد معقول.

 

ثالثاً: يجب أن تكون عمليات تجميع الأحفورة المرتشدة والتعرف عليها متسمة بالسهولة.

 

رابعاً: ينبغي أن تكون الأحفورة المرشدة منتشرة جغرافياً على نطاق واسع وفي عدّة أماكن مختلفة من العالم.

 

خامساً: يجب أن تقاوم الأحفورة الضغوط الواقعة عليها من الطبقات الصخرية التي تعلوها أو التي دُفنت خلالها، كما يجب أن تقاوم تأثيرات المحاليل الناجمة عن رشح المياه الجوفية. 

وفي الحالات التي توجد فيها الأحفورة المرشدة في مناطق مكشوفة، لابدّ أن تكون لديها القدرة على مقاومة عوامل التعرية السطحية حتى تظل قادرة على البقاء دون أن تتهشم وتتحلّل.

ومن المعروف أن الأحافير في أغلب الأحيان لا تحتفظ بصورتها الكاملة، كما أنه لا يمكن فصلها من الصخور الحاوية لها دون بذل بعض الجهد، وقد تتعرض آنذاك للتحطم، ولذلك يجب إجراء عملية الفصل بدقة وحذر بالغين.

 

وتُعتبر السمات التي يمكن من خلالها التعرف على الأحفورة في البيئة الحاوية لها، ذات فائدة كبرى.

وتزداد فائدة الأحفورة كلما أمكن الحصول عليها من الصخر بسهولة سواء بالطرق الميكانيكية أو الكيميائية. وهناك بعض الأنواع من الأحافير المرشدة يمكن الحصول عليها بسهولة عن طريق معالجة الصخور الحاوية لها بالأحماض.

فحبوب اللقاح على سبيل المثال، والأبواغ (Spores) والكونودونات (Conodonts) تتميّز بمقاومتها العالية للأحماض ومن ثم يمكن فصلها كيميائياً من الصخور.

 

ومن المميّزات التي يُستحب أن تكون متوافرة في الأحافير المرشدة: صغر حجمها وتظهر قيمة ذلك أثناء فحص فتات الصخور الناجمة عن حفر آبار النفط الاستكشافية أو عمليات البحث الجيولوجي عن الركازات المعدنية.

وتعتبر المثقبات (الفورامينيفيرا) والأبواغ وحبوب اللقاح من الأحافير المرشدة التي يتم البحث عنها أثناء عمليات حفر الآبار البترولية.

ونحب أن نؤكد هنا أن وجود أو غياب أحفورة مرشدة لا يُعتبر، من وجهة النظر المثالية، دليلاً على الظروف البيئية التي ترسّبت خلالها الصخور الرسوبية التي قد تحويها. 

 

وهناك العديد من المجموعات الأحفورية المؤهلة لاعتبارها أحافير مرشدة (وفقاً لاعتبارات أخرى) إلاّ أنها تُعتبر غير مناسبة للتطبيق حيث أنها تكيّفت في بيئات محدّدة.

ولذلك فإنها توجد فقط في الصخور التي تنتمي لهذه البيئات المحدّدة.

ويُطلق على هذا النوع من الأحافير اسم: أحافير السحنة (Facies Fossils)، والأحياء التي كانت تمثل هذه الأحافير لم تكن في ظروف بيئية تسمح لها بالتطوّر مثل غيرها من المجموعات الأحيائية الأخرى، لذك تكمن قيمة أحافيرها في تفسير الظروف البيئية وليس في تحديد الزمن الجيولوجي.

 

الفلورا والفونا

أن أهم مجموعات الأحافير المرشدة هي تلك التي تعود إلى أصل بحري سواء أكانت من الطافيات أو السابحات في البحار المفتوحة (كالرأسقدميات Cephalopods). 

أم أحياء القاع التي كانت في أحد أطوار حياتها طافية أو سابحة مثل مرحلة (Medusa) في المسرجيات ومثل هذه الخصائص التي يجب أن تتمتع بها مثل هذه المجموعات ضرورية لضمان الانتشار والتوزيع السريعين للأحياء الجديدة المتطوّرة عنها.

وإذا تركنا الأحافير المرشدة ذات الأصل البحري، وانتقلنا إلى ما يقابلها على اليابسة لوجدنا أن التكوينات المتحركّة كحبوب اللقاح التي تنقلها الرياح والأبواغ كانت لا تحدّها – نسبياً – حواجز بيئية ولذلك انتشرت على نطاق واسع وقد وفرّت كل هذه المجموعات والتكوينات (البحرية منها والبرية) نطاقات زمنيّة حيويّة في عدّة أماكن بالعالم.

 

تتابع التطور

تعرضت الأحياء الأحفورية لعمليّات تطوّر متتابعة ويُعتبر التعرّف على هذا التتابع عاملاً أساسياً في تحديد الزمن الجيولوجي بدقة، ولقد كان جل اهتمام العلماء في القرن التاسع عشر منصباً، في الأساس على التتابع العام للفونا.

بيد أنه في الوقت الحالي صار تركيز العلماء منصبَاً على استخدام العمود الزمني لتاريخ تطوّر السلالات، ذلك العمود الذي تصنّف فيه المجموعات الأحيائية من الأقدم إلى الأحدث.

ويتم التعرف من خلاله على المجموعات الأحفورية متى تبيّن أنها تشتمل على نفس أنواع المجموعات الأحيائية المتعدّدة التي عاشت في عصور جيولوجية معينة. 

 

ولذلك ففي التطبيقات الحديثة لعلم الأحافير لم تعد الأحفورة المرشدة هي الوحيدة التي تُستخدم كأداة مناسبة لتحديد زمن جيولوجي ما بالتفصيل.

ولكن تمت الاستعاضة عن ذلك بإجراء عمليات الفحص الدقيق للتابع الذي حدث في تطور السلالات وقد صار إجراء هذه العمليّات ضروريّاً للتأريخ الدقيق ولمضاهاة الطبقات الصخرية. 

 

وتعتبر التغيرات الناجمة عن التتابع التطوري العادي للسلالات وسيلة رئيسية لمعرفة الفروق في معدلات الترسيب والتعرّف على الفجوات الموجودة في السجلات الجيولوجية، كما تعد هذه التغييرات أداة مناسبة للتعرف على أحداث معينة.

ويستطيع علماء الأحافير المحدثون تأريخ أحداث جيولوجية وقعت منذ ملايين السنين اعتماداً على مجموعات أحفورية خاصة كالمثقبات (الوفارمينيفيرا) والكونودونات.