شخصيّات

نبذة عن حياة العالم البيروني

1994 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الخامس

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العالم البيروني شخصيّات المخطوطات والكتب النادرة

البيروني من أعظم علماء عصر النهضة الإسلامية، التي بلغت قمة ازدهارها في القرنين الرابع والخامس الهجريين (العاشر والحادي عشر الميلاديين).

فمع أنه عاش في عصر فيه كثير من العلماء الأعلام، مثل ابن سينا، ينسب النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي إلى البيروني فيسمى «عصر البيروني».

اسمه «أبو الريحان محمد بن أحمد»، واشتهر بلقب «البيروني» نسبة إلى لفظ فارسي يعني «خارج»، لأنه ولد، عام 362هـ: 973م، في إحدى ضواحي مدينة «خوارزم»، شرق بحر الخزر (بحر قزوين)، أي خارج المدينة.

وكان تلاميذه يصفونه أيضا بأنه «الأستاذ الرئيس» «وبرهان الحق».

 

اشتغل بدراسة العلم والتأليف فيه منذ صباه. وخدم في بلاط «شمس المعالي قابوس» في جرجان، ثم لما احتل الغزنويون خوارزم، ألحقه السلطان «محمود الغزنوي» ببلاطه تقديرا لعلمه، وقربه إليه، وكذلك اصطحبه في فتوحاته الكثيرة.

وأفاد أبو الريحان من هذه الفرص فتعلم لغات كثيرة، وساعده ذلك على الاطلاع على علوم أمم كثيرة وترجم كتبهم، ولكنه أفاد على الأخص من إقامته في الهند، فدرس علومها وعقائدها وعادتها وجغرافيتها

وألف في ذلك كتابا أسماه «ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرذولة» (أي أنه كان ينقد آراءهم، ليرى أيها يكون مقبولا وأيها يكون مرفوضا، ويشتهر هذا الكتاب، للاختصار، باسم «الهند»).

 

ولما توفي السلطان محمود، خلفه ابنه «مسعود» ، الذي رعا أبا الريحان رعاية عظيمة، فأهداه أبو الريحان كتابه العظيم: «القانون المسعودي».

ويروى أن السلطان أراد أن يكافئه على ذلك، فأهدى إليه مقدارا كبيرا من الذهب والفضة، ولكنه اعتذر عن قبول الهدية، وقال إنه إنما يخدم العلم حبا في العلم، وأنه إنما نسب الكتاب إلى السلطان تحية له لتقديره للعلم والعلماء.

 وظل أبو الريحان يشتغل بالعلم طيلة حياته، حتى توفي عام 442هـ: (1051م). وقد روي أن أحد الفقهاء (أي علماء الدين) زاره وقد أوشك على الموت – فسأله أبو الريحان- على الرغم من شدة حالته- مسألة فقهية، فتعجب الفقيه من ذلك،

 

وقال له: «أتسأل وأنت في هذه الحال؟». فرد عليه أبو الريحان: «إذا ودعت الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، خير من أن أتركها وأنا جاهل بها». فأخبره الفقيه بجواب المسألة، ولكن أبا الريحان توفي بعد ذلك بقليل!

وكان أبو الريحان عالما موسوعيا، ككثير من علماء عصره، ولكنه أجاد وتميز في كثير من العلوم.

وقد ألف في هذه العلوم كتبا كثيرة فقد معظمها للأسف. ولكن الكتب القليلة التي بقيت من مؤفلاته تشهد بعظمته وسعة علمه، وسنذكر هنا أهمها. والبيروني ألف معظم كتبه باللغة العربية، التي كان يحبها حبا شديدا ويقدرها تقديرا عظيما كلغة للعلم.

 

واهتم البيروني بعلم الرياضة وعلم الفلك في مستهل حياته العلمية، فله في ذلك «كتاب التفهيم لأوائل صناعة التنجيم».

وتقدم علم «حساب المثلثات المستوية والكروية» تقدما كبيرا بفضل البيروني، حتى أنه يعتبر من مؤسسي ذلك العلم. كذلك كتب في علم الحساب الهندي، بعد زيارته للهند. ومن أوائل كتبه كتاب «الآثار الباقية من القرون الخالية»، وفيه درس تاريخ الأمم السابقة وتقاويم السنين فيها.

وله في الفلك أيضا «كتاب العمل بالأسطرلاب» وبعض الكتب الأخرى. ولكن أهم كتبه في الفلك هو «القانون المسعودي في الهيئة والنجوم» الذي ذكرناه من قبل.

 

وكان للبيروني دراسات جغرافية طيبة. فقد كان عنده تصور واضح لكروية الأرض ودورانها حول محورها الطولي.

كما أنه أوجد طريقة لتحديد اتجاه القبلة في أي مكان على الأرض، وقاس محيط الكرة الأرضية (بالحساب)، ودرس تحديد خطوط الطول وخطوط العرض، بناء على إيجاد العلاقة بين مدينة «غزنة» و600 مدينة أخرى (وهو عمل شاق جدا). وله في ذلك «كتاب تحديد نهايات الأماكن».

ولهذا يعد البيروني بحق مؤسس علم «المساحة الأرضية». وله أيضا فضل واضح في علم «رسم الخرائط». فقد بين كيف يمكن نقل ما هو فوق سطح الكرة الأرضية على أوراق مسطحة،

 

وكذلك رسم الخرائط الفلكية للنجوم والكواكب في السماء. وله في هذا كتاب: «تسطيح الصور، وتبطيح الكور» (والتبطيح يعني: البسط والتسطيح).

وفي علم الأرض أو «الجيولوجيا»، كان البيروني سابقا لعصره جدا. فكثير من أصول هذا العلم، الذي يفتخر الغرب بتأسيسها في القرن التاسع عشر الميلادي، كان البيروني يعرفها معرفة جيدة في القرن الحادي عشر.

فقد كان تصوره صحيحا وواضحا لعمليات الترسيب وتكوين الطبقات في قيعان البحار، ثم ظهورها وتكوينها للجبال بعد ارتفاع هذه القيعان في أزمنة تالية.

ولذلك وصف في كتاب «الهند» – الذي أشرنا إليه- طبيعة وادي نهر الجانج الرسوبية، كما وصف أودية مماثلة في شبه الجزيرة العربية. والشيء العجيب والعظيم حقا أنه كان يفهم تماما معنى الأحافير (الحفريات) وطريقة تكونها وأنها سجل للحياة محفوظ في الصخور.

 

وفي علم المعادن ألف البيروني كتابا قيما أسماه «كتاب الجماهر في معرفة الجواهر» (والجماهر: معناها الجماهير).

وفي هذا الكتاب يستفيد البيروني من جميع المراجع السابقة عليه، ويقدم وصفا علميا دقيقا للجواهر، كالياقوت والأماس والعقيق واللؤلؤ والمرجان، والمعادن الفلزية، كالذهب والفضة والزئبق والنحاس.

وهو يصف طريقة استخراج هذه الجواهر والمعادن من خاماتها، ويبين ألوانها وخصائصها، ويحدد كثافاتها النوعية وترتيب صلادتها وقدرة بعضها على خدش بعض، بما يتفق _بصورة رائعة_ مع الدراسات الحديثة في هذا المجال.  

كذلك يعتبر البيروني كيميائيا ونباتيا وطبيبا وصيدلانيا، كما يتضح من كتابه عن الأدوية، المسمى «كتاب الصيدلة» (أو «الصيدنة»).

 

وفي علوم الفيزياء اشتغل البيروني بعلم الصوت، وعلم الضوء، وعلم الميكانيكا (الحيل)، ودراسة الموازين والمكاييل.

وهو في الضوء، مثلا، كان يعارض أرسطو وكثيرا من الفلاسفة والعلماء القائلين بأن العين ترى لأنه ينبعث منها ضوء يسقط على الأشياء التي تراها.

وقال البيروني إن العكس هو الصحيح، إذ إن العين ترى الأشياء بالضوء المنبعث منها (كالشمس والنجوم والمصابيح) أو المنعكس عنها (كالقمر وبقية الأجسام). وهو الرأي الذي زاده ابن الهيثم، فيما بعد، وضوحا في دراسته العظيمة في علم الضوء.

وكان البيروني مهتما أيضا بعلم التاريخ، وبعلم دراسة الأديان والعقائد والمقارنة بينها، فهو قد درس، مثلا، المعتقدات المختلفة التي كانت شائعة في الهند وغيرها، ولكنه كان دائما مسلما قوي الإيمان، شديد التمسك بمبادئ الإسلام. وكان البيروني يرى في كل ما يدرسه آيات لقدرة الخالق، سبحانه وتعالى.

 

وهذه لمحات من أعمال ذلك العالم العظيم، الذي يعد بحق من أعظم العلماء، ليس في عصره فحسب، بل في جميع العصور.

وبمناسبة اقتراب مضي ألف سنة على ميلاده، أصدرت روسيا ملجدا فيه دراسات عنه عام 1950، وفي العام التالي 1951 أصدرت الهند كتابا تذكاريا آخر عنه.

ولكن العالم كله احتفل عام 1973 احتفالا كبيرا، أقيم في باكستان، حضره العلماء من شتى أنحاء العالم ليشيدوا بفضل هذا العالم الكبير ويقدمون الدراسات الممتازة عن أعماله العظيمة.

وعندما هبط الإنسان على القمر، ورسمت خرائط له، كان البيروني واحدا من 18 عالما إسلاميا سجل العالم المصري الدكتور فاروق الباز أسماءهم على بعض معالم القمر، اعترافا بفضلهم على الإنسانية وتخليدا لذكراهم.