الطب

مدى إمكانية مساهمة مبادرات الاستئئصال في المستقبل بتطوير النظم الصحية

2013 استئصال الأمراض في القرن الواحد والعشرين

والتر ر.دودل ستيفن ل.كوشي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الطب

لقد بين قرار منظمة الصحة العالمية الذي أطلق استئصال شلل الأطفال عالمياً أن الاستئصال يجب أن يتابع بطرق تقوي إيصال خدمات صحية معينة أو بتطوير النظم الصحية (WHO 1988).

ومع أنه لا ينقص وجود المشورة بالنسبة لمبادرات الاستئصال/ الإزالة من حيث المنهجية، إلا أنه لا يوجد إلا القليل من الشواهد حول كيفية تطبيق تلك الإرشادات.

ولقد وضع ميلغارد ورفقاه (1988) إطاراً لتصميم برامج الاستئصال في المستقبل لضمان تحقيق أفضل المنافع في تطوير النظم الصحية. ولقد رسمت مجموعة إعلاء التعاون الايجابي المتبادل (2009) لدى منظمة الصحة العالمية التوصيات الأساسية لترشيد العمل المتبادل بين المبادرات الصحية العالمية والنظم الصحية لدى الدول.

ربما يكون من المناسب أن نسأل أولاً ما إذا كانت مبادرات الاستئصال/ الإزالة تستطيع أن تساهم في تقوية النظم الصحية، أو ما إذا كانت، بسبب طبيعتها الذاتية، تناقض بناء نظم صحية على المدى البعيد. هل تستطيع المبادرات الصحية التي تخدم أولويات صحية محددة دولياً مقررة من قبل هيئات دولية أن تؤدي بصورة فعالة وتدعم مرامي الحكومات الوطنية، التي تبني الطريق دولياً إلى خدمات تخص احتياجات صحية ذات أفضلية لسكانها؟

يبدو أن بيئة الصحة في العالم في 2010 تختلف كثيراً عما كانت في السبعينات أو الثمانينات من القرن العشرين، عندما تم تصور الجيل الحالي من مبادرات الاستئصال/ الإزالة. ففي الوقت الحاضر تبدو الأوضاع على المستويين الدولي والمحلي أو الوطني أكثر تعقيداً: إذ يتواجد مشاركون أكثر في الاستثمارات، ومشاريع صغيرة وإعانات ، وقنوات تمويل معقدة، عما كان في العقود السابقة. وهذا يخلق فرصاً أكثر لعمل الخير، ولاحتمال التفاعلات لفعل الشر أيضاً.

سوف تستمر الأفضليات الصحية في النشوء. ففي جميع الأقاليم ما عدا افريقيا، تشكل الأمراض غير السارية القسم الأكبر من عبء المرض. كما أن تغير المناخ يتوقع أن يؤدي إلى تأثيرات صحية غير ملموسة، كما أن بروز أمراض معدية جديدة تظهر حديثاً يبقى خطراً دائماً.

 

مراجعة 2010 نرى فيها أهداف الذكرى الألفية لا يحتمل أن تتحقق في 2015، كما أن أجندة التطوير الدولية لما بعد 2015 غير واضحة. وسوف يستمر نشوء أولويات ومشروطيات المتبرعين ومبادرات صحية عالمية، كما أن مشاركين جدداً (مثل الصين، والهند، والبرازيل، وهيئات دولية واسعة) ستستمر في تأثيرها على مشهد التطور. وتخصيص المساعدات في المستقبل لأولويات محددة دولياً قد لا يحمل أية علاقة، كما هو اليوم، بالأسباب الرئيسية لعبء الأمراض في بلد ما.

سوف يستمر الجدال حول مزايا المقاربات العمودية والأفقية. وسوف تستمر الدول على الأغلب في إتباع مزج براغماتي بين المقاربات التي تخلط استراتيجيات تقوية نظم صحية أفقية مع تدخلات هادفة لأمراض معينة. وسوف يستمرون على الأغلب في الكفاح لتحقيق الخلطة الصحيحة والمنافع القصوى.

سوف تستمر على الأغلب النظم الصحية الضعيفة التمويل والسائبة، وذات التحالفات السياسية الهشة والمتفرقة، من خلال المنازعات والحكم الضعيف والجماعات السكانية عديمة الثقة بحكوماتها، بأن تكون النموذج في البلدان الفقيرة. وسوف تبقى ميزانيات التطوير والصحة الوطنية في البلدان الفقيرة مجهدة وشحيحة رغم زيادة المعونات.

أما الحفاظ على المكتسبات التي نوضل من أجلها فسيبقى يشكل تحدياً للدولة. ويفيدنا التاريخ بأن المستويات العالية حديثاً في الاستثمار الصحي يحتمل أن تستمر إلى جانب أولويات تطوير أخرى (مثل، التنمية الاقتصادية، وتأمين الغذاء والماء) في لفت الأنظار والانتباه.

وعلى مدى العقود الأخيرة، تنوعت مساعدات المتبرعين كثيراً بسبب تخصيص إعانات جديدة لأمراض جديدة أخذت تشكل تحديات وخطورة على البشر. وسوف يشكل إدخال اللقاحات الجديدة الغالية، والتي كانت يمولها الاتحاد الدولي للقاحات وإكساب المناعات في البداية، زيادة في الضغوط على الميزانيات.

كما أن الاتحاد الدولي للقاحات وإكساب المناعات لم تحقق بعد الأثر المباشر من أسعار لقاحاتها الجديدة إلى الحد الذي كانت تتوقعه، ويمكن للتردي الاقتصادي العالمي أن يحد من طموحاتها في إقبال الدول على لقاحات عالية الكلفة نسبياً.

 

يجب على مبادرات الاستئصال/ الإزالة أن توازن بين أهدافها المحددة وبين المخاطر العامة على الصحة والحياة في البلدان الفقيرة. فهي تحتاج إلى إيصال مكاسب على المدى القصير (نتائج) في الوقت الذي تزيد من الفرص المتاحة للاشتراك في إيصال سلسلة تدخلات (فعالية) وتأسيس خدمات صحية للمدى البعيد (استدامة) – مما يستجيب لحاجات السكان الحالية والمقبلة.

وعندما أُطلق استئصال شلل الأطفال عالمياً، كانت الأخطار الصحية الرئيسية هي آفة ذات الرئة، والإسهال، والحصبة، والملاريا، وسوء التغذية. وبالإضافةAIDS /HIV، فإن هذه الأمراض تبقى اليوم إلى حد كبير دون تغيير.

بالإضافة إلى تحقيقها أهداف تخفيف المرض ضمن حدود زمنية محددة فإن مبادرات الإزالة / الاستئصال يجب أن تتعامل بشكل أفضل مع العقبات أمام فعالية المساعدات وتزيد إلى أقصى حد من استثمارها في زيادة الكفاءة الوطنية وتوسيع المنظومة الصحية.

وهذا ينطوي على الأكلاف وراء خطة التنمية الوطنية، ودعم تبني الدولة الفعلي، وتقاسم العمل مع الآخرين. وبذلك يجب على المبادرات أن تتحرى التنبؤات عن التمويل، وتقلل من أكلاف الصفقات وتتأكد من أن جهودها تكمل تدخلات الأولويات الأخرى، لكن تقلل من الازدواج بين المبادرات وتداخلها.

في البداية يجب على المبادرة فهم نطاق البلد الذي ستعمل ضمنه، بما فيها الجو السياسي والأولويات الوطنية، ودفعات التمويل المعقدة، والتحديات التي تواجهها الحكومات في إدارة المشاركين الكثر في استثمار المبادرات والثغرات في قدرة الدولة على تنفيذ المهام الصحية العامة. وتعتبر مقاربة الأمراض، والثقافة الصحية والمعلومات، والإشراف والتقييم، وتطوير القوة العاملة الصحية، والإلزام بتنفيذ قوانين الصحة العامة وأنظمتها، وبحوث الصحة العامة العلمية ذات أهمية خاصة.

 

فكل مبادرة يجب أن تقوم بتقييم وقعها على المنظومة الصحية قبل بدء عملياتها والحكم على مساهمتها في التأثير الجماعي لكثير من البرامج الهادفة على قطاع الصحة. ويظهر من انتكاس مكافحة شلل الأطفال أن إدارة السيطرة على الأخطار مسبقاً يجب تكون جزءاً من نهج التخطيط.

يتوجب على مبادرات الاستئصال/ الإزالة في المستقبل أن توضع منذ انطلاقها في إطار بعيد المدى مصمم لتدعيم النظم الصحية، مبادرة فيها تلاؤم واضح مع استراتيجية الصحة الوطنية، بطريقة تقدم فيها أقصى الفوائد في تقوية النظم دون أن تخاطر بتحقيق أهداف الاستئصال.

وحيثما يمكن يجب على المبادرات أن تعمل من خلال وتستند على النظم القائمة للتخطيط والإدارة، واللوجستيات، والتموين، والتمويل، والإدلاء بالمعلومات. ويجب أن تسعى حثيثاً للتعاون في إيصال تدخلات صحية أخرى باستخدام سلسلة خطط داخل وخارج المنظومة الصحية الرسمية.

ومن المهم توسيع الخطط وتنفيذ الصلات مع الشركاء في البلد والمستوى الدولي التي تهدف إلى مكافحة الأمراض / التدخلات (GAVI ، GFATM) وتلك التي تتصدى لمآزق الأنظمة (GHWA، وشبكة القياسات الصحية). ويجب زيادة التركيز على تدعيم إمكانيات النظم الروتينية (الوقاية، والإشراف، وتوصيل الخدمات) في البيئات الأضعف منذ البداية.

في 2010 كان المرض الرئيسي المعد للاستئصال هو الحصبة (WHO 2010a)، الذي سيستند إلى استثمارات طويلة الأمد، ولو كانت متقطعة، لتحسين نظم المناعة الروتينية، من أجل إحراز مستويات عالية في تغطية البلاد. ولكن أنشطة المناعة الإضافية لا تستطيع أن تعوض الخدمات الروتينية.

فيجري الآن تصميم الاستثمارات في تحسين المراقبة أو الإشراف وقدرة المختبرات لتقديم أوسع المنافع الممكنة منذ البداية. واستكمال الاستثمارات من برامج هادفة أخرى، مثل شبكة القياسات الصحية (المعلومات الصحية) وبرامج AIDS / HIV و NTD (المختبرات).

وتوفر الخبرات الناجمة عن البرامج الدولية للمناعة عند الأطفال واستئصال شلل الأطفال عالمياً الدروس حول كيفية أن نضمن زيادة التعاون المتبادل إلى الحد الأعلى وتدعيم إيصال الخدمات الصحية إلى مناطق البلدان الفقيرة.

يجب على مبادرات الاستئصال/ الإزالة أن تضع أهدافاً ومؤشرات لقياس وقعها وأدائها على نقاط أساسية في التفاعل مع المنظومة الصحية: توصيل الخدمات، والتمويل، والحكم أو الإدارة، والقوة العاملة في مجال الصحة، والإدلاء بالمعلومات الصحية، وإدارة التزود بالمواد.

 

وقد طورت منظمة الصحة العالمية مثل هذا الإطار لتقريب وقع أنشطة مكافحة شلل الأطفال من الكمال على برامج إكساب المناعة الموسعة، رغم عدم تنفيذه بالكامل (WHO 2001a)، وطورت المشاركة الصحية الدولية (DFID 2007) مجموعة مؤشرات للنظم الصحية كجزء من إطار تقييم وإشراف مشترك.

تبين الخبرات من علاج شلل الأطفال أن التبني البدائي العالمي لهدف الاستئصال قد لا يمكن ترجمته إلى خطط وموازنات للدول على مدى عقود من الزمن. ولذلك، فسوف يحتاج إلى استمرار الاستثمار في التأييد على المستويين العالمي والمحلي أو الوطني. وأفضل طريقة للحفاظ على الدعم في المدى البعيد ، خاصة على مستوى الجماعة السكانية، قد يكون من خلال تبيان الوقع الايجابي لمبادرات الاستئصال/ الإزالة على تقديم خدمات أوسع وعلى المنظومة الصحية بكاملها.

من المهم أن نخفف من التأييد الخاص بالتدخلات أو الأمراض المعينة، مع إدراكنا مخاطر التخصيص الضيق الذي قد يقلل من شأن الأهداف الصحية الأوسع.وحيثما يمكن، يجب على الاستثمار أن يجري على تحسينات ضمن المنظومة، باستخدام تمويلات تهدف لإنشاء وتقوية النظم القائمة.

كما يجب على مبادرات الاستئصال/ الإزالة في المستقبل أن تضع استثماراتها في إنشاء الشواهد على إنجازاتها مبكراً.وتقدم مجموعة زيادة التعاون المتبادل الايجابي إلى الحد الأعلى لدى WHO (2009) عدداً من التوصيات الممكن تطبيقها في مبادرات الاستئصال/ الإزالة وكذلك للمبادرات الصحية الدولية المدروسة.

 

وهذه تتضمن الحاجة إلى:

– غرس أجندة تقوية النظم الصحية بنفس الإحساس بالطموح والسرعة التي اتسمت بها المبادرات الصحية العالمية.

– تمديد إلغاء الشؤون الصحية للمبادرات الصحية العالمية ذات التركيز الضيق، والموافقة على مؤشرات تقوية النظم الصحية.

– تحسين التحالف بين طرق التخطيط وتخصيص الموارد المالية بين مبادرات الصحة العالمية والنظم الصحية لدى الدول.

– استخراج معلومات يعتمد عليها حول الأكلاف والفوائد من تقوية النظم الصحية لتشكيل استثمارات تكمل المبادرات الصحية العالمية.

– ضمان زيادة في التمويل الصحي العالمي والوطني، وتمويل أكثر يُتنبأ به لدعم النمو المنصف والمستديم للنظم الصحية.

 

استنتاج

سوف تستمر مبادرات استئصال/ إزالة الأمراض في كونها جزءاً من تطوير المشهد الصحي، ولكنها تحتاج إلى إظهار الانسجام مع تخطيط العناية الصحية، وتمويلها، وإيصالها في البلدان الفقيرة. وعليها أن تساهم في جهود إنشاء نظم صحية، وتوحيد توصيل الأهداف المتميزة قصيرة المدى لمكافحة أمراض معينة، مع الاستثمار في إنشاء المقدرة لدى الخدمات الصحية لتوفير التوصل المفتوح عالمياً إلى العناية الصحية. ويُحتاج إلى قرارات سياسية متعمدة عند انطلاق مبادرات استئصال/ إزالة جديدة. فالشواهد والحجج الواردة في هذا الفصل يجب أن يكون لها مساعدتها في هذه المهمة.

 

شكر وعرفان

تيم مارتينو (Tim Martineau) (كلية ليفربول للطب الاستوائي Liverpool School of Tropical Medicine)، وإيف وورال (Eve Worrall) (زملاء ليفربول في الصحة الاستوائية Liverpool Associates in Tropical Health) وروبرت ستاينغلاس (Robert Steinglass) (جون سنو العالمية (JSI)John Snow International ) قدموا تعليقاتهم المفيدة على المسودة.