إسلاميات

نبذة تعريفية عامة حول “المذاهب الفقهية الأربعة”

2003 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الخامس عشر

عبد الرحمن أحمد الأحمد

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

المذاهب الفقهية الأربعة إسلاميات المخطوطات والكتب النادرة

عندما نحاول فهم المراد بهاتين الكلمتين: «المذاهب الأربعة»، فنحن بحاجة إلى معرفة أمور ثلاثة: الفقه، ماذا يعني؟

والمذاهب، ماذا يقصد بها؟ والأربعة من هم، وبم يمتاز كل منهم عن الآخرين، ولم تم اختيارهم دون غيرهم؟

والفقه يعني الأحكام الشرعية التي يجب توافرها في عمل المسلم ليكون صحيحا. فالوضوء – مثلا – له أحكامه، والزواج له أحكامه، والعلاقة بين المستأجر وصاحب الملك لها أحكامها.. وهكذا.

 

وهذه الأحكام مرجعها الأساسي كتاب الله تعالى: القرآن الكريم، ثم السنة الشريفة، وما استند إليهما من أصول وقواعد.

ومن الأمور البديهية أنه ليس كل واحد قادرا على استخراج الحكم الشرعي من مصادره، فلا بد أن يكون الشخص على علم وافر بالقرآن الكريم، ثم بالسنة النبوية، ثم باللغة العربية.

ويشترط فيه أن يكون قد عاشر العلماء المشتغلين بالفقه ليقف على طرقهم في استنباط الأحكام، وأن يكون من أصحاب الذكاء والبصيرة وجودة الرأي والقدرة على الموازنة بين المصالح والمفاسد، فضلا على مراقبة الله عز وجل وخشيته، والحرص على إصابة الحق وتحقيق مقاصد الشرع وتيسير حياة الخلق.

 

وفي العهد النبوي كان القرآن الكريم ينزل على النبي، صلى الله عليه وسلم، وكثير من آياته يتعلق بأحداث ومشكلات كانت قائمة وقت التنزيل.

وكان الرسول، عليه الصلاة والسلام، يعلم الناس الشرائع والأحكام، ويجيب عن أسئلة السائلين. وكان علماء الصحابة يحفظون ذلك عنه، ويتدارسونه بينهم، ويعلمونه الآخرين.

ولما انتقل صلى الله عليه وسلم، إلى الرفيق الأعلى، وتولى الحكم بعده الخلفاء الراشدون، امتدت الفتوح الإسلامية إلى فارس والشام ومصر وأفريقية، وبدأت تظهر مشكلات جديدة تتعلق بالبلدان والشعوب التي انضمت لدولة الإسلام.

 

وكثيرا ما كان الخليفة يستدعي المشهورين بالتفقه في الدين ويعرض عليهم المشكلة، فإذا اتفقوا على رأي كان هذا «إجماعا» لا تسوغ مخالفته.

وممن اشتهر بالفقه في هذه الحقبة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، والسيدة عائشة بنت أبي بكر، رضي الله عنهم أجمعين.

وبعد عهد الصحابة جاء عهد التابعين ومن بعدهم. وبرز اتجاهان فقهيان، أحدهما يعتمد أساسا على الأحاديث النبوية ويأخذ بالرأي قليلا، وانتشر هذا الاتجاه في الحجاز.

 

والاتجاه الآخر يعتمد على الرأي في المقام الأول، ويحتاط كثيرا في قبول الأحاديث، وانتشر هذا الاتجاه في العراق. وقد اشتهر في هذا العهد بالحجاز عكرمة مولى ابن عباس، وابن جريج.

وبالعراق سعيد بن جبير، وعلقمة النخعي، وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، وابن أبي ليلى، والثوري؛ وبالشام مكحول والأوزاعي، وبمصر الليث بن سعد.

ومنذ أواخر العهد الأموي وحتى نهاية القرن الرابع الهجري تقريبا، عمت الدولة الإسلامية نهضة شاملة، سواء في ظهور المؤلفات والمدونات الكثيرة، أو في ظهور العلماء الكبار في كل نواحي المعرفة، ومنها الفقه، حيث ظهر الأئمة العظام.

 

ولكن هناك أربعة رجال من الأئمة الأعلام، تميز كل منهم بطرق وأساليب خاصة في النظر والاستدلال، وفقا لقواعد وأصول تعد ضوابط لطرق الاستنباط، ولكونه يتبع طريقا محددا في بيان الأحكام، سميت آراؤه «مذهبا»، لذلك نقول مثلا: ذهب أبو حنيفة إلى كذا.

والتف حول كل واحد من هؤلاء الأئمة الأعلام طلاب العلم، وقصدهم الناس من كل الطبقات يستفتونهم في دينهم، واشتهر أمرهم وهم أحياء. ثم إن تلاميذهم حفظوا علمهم، وشرحوه، وعملوا على نشره جيلا بعد جيل. هؤلاء الأربعة هم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل.

 

المذهب الحنفي: ينسب إلى الإمام أبي حنيفة: النعمان بن ثابت، الذي يعد إمام الرأي في الفقه.

وتمتد جذور هذا المذهب إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وتلاميذه. وقد استطاع حماد بن سليمان أن يجمع علم هؤلاء، ونقله إلى تلاميذه بالكوفة، وكان من أبرزهم أبو حنيفة.

وقد واصل أبو حنيفة نقل هذا الفقه والإضافة إليه، والتف حوله دارسون كثيرون، برز منهم أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، ويطلق عليهما «الصاحبان»، كما يطلق علآ أبي حنيفة وأبي يوسف «الشيخان».

 

وقد نال هؤلاء العلماء شهرة كبيرة، وتولى أبو يوسف ومحمد بن الحسن القضاء، وكانت لهما منزلة كبيرة عند الرشيد.

وقد انتشر المذهب الحنفي في كل بلد كان للدولة العباسية سلطان فيه، واستمر تطبيقه في هذه البلاد أكثر من 500 سنة.

كما كان المذهب الحنفي هو المذهب الرسمي في البلاد التي خضعت للخلافة العثمانية كمصر وسوريا ولبنان. وهو المذهب الذي يتعبد عليه المسلمون في تركيا وألبانيا والبلقان والقوقاز، وهو المذهب الغالب في أفغانستان وباكستان والصين والهند، وله أتباع في العراق.

ومن أشهر كتب المذهب الحنفي «رد المحتار على الدر المختار» لابن عابدين، ويعرف بحاشية ابن عابدين

 

المذهب المالكي: ينسب إلى الإمام مالك بن أنس الذي عاش في مدينة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولذلك قيل له «إمام دار الهجرة».

وقد تلقى مالك العلم عن كبار التابعين كنافع مولى عبد الله بن عمر، وابن شهاب الزهري. ومن أكبر أساتذته في الفقه ربيعة بن فروخ المعروف بربيعة الرأي.

وقد تصدر الإمام مالك لنشر العلم، فكان له مجلس في المسجد النبوي (وهو المكان الذي كان عمر بن الخطاب يجلس فيه للقضاء)، ثم لما مرض بسلس البول نقل مجلسه إلى منزله.

 

ومن أشهر كتب الإمام مالك «الموطأ»، وقد جمع فيه كثيرا من الأحاديث النبوية الصحيحة، إضافة إلى أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ولذلك فهو كتاب حديث وفقه.

مما يميز فقه الإمام مالك اعتبار عمل أهل المدينة حجة، استنادا إلى أنهم ورثوا ذلك عن أسلافهم عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم. كما أنه رحمه الله ربط الأصول الشرعية بمصالح الناس، على أساس ما سماه بالمصالح المرسلة وسد الذرائع.

وقد كان للإمام مالك تلاميذ في كل البلاد الإسلامية، نقلوا علمه، ودونوه، ونشروه. فقد ظهر مذهبه وهو حي في مصر على يد عبد الرحمن بن القاسم وأشهب وغيرهما، كما انتشر المذهب في السودان وشمال أفريقيا والأندلس.

ومن أشهر كتب المذهب المالكي «مختصر خليل»، الذي تدور عليه غالب شروح المالكية

 

المذهب الشافعي: ينسب إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي، الذي كان من تلاميذ الإمام مالك، ومحمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة. وقد امتاز الشافعي بأنه أول من ألف علم أصول الفقه في كتاب مشهور اسمه «الرسالة».

وقد كتب الشافعي مؤلفاته مرتين: مرة في بغداد، ويطلق على هذه الكتب أنها مذهبه القديم، ثم إنه استقر في مصر السنوات الخمس الأخيرة من حياته، وأعاد النظر في كتبه، وترتب على ذلك إعادة تأليفها، حيث غير كثيرا من آرائه القديمة، وأصبح عليها المعول في مذهبه.

وقد كان للشافعي، في عصره، أتباع من كبار العلماء، أسهموا في نشر مذهبه؛ منهم المزني والربيع المرادي، ومنهم الإمام الغزالي المشهور، صاحب «المستصفى في الأصول» و«الوجيز في الفقه»، ومنهم الرافعي صاحب كتابي «فتح العزيز» و«شرح الوجيز»، ومنهم النووي صاحب «المجموع» و«منهاج الطالبين».

 

وقد انتشر المذهب الشافعي بمصر وكان يسودها المذهب المالكي، فلما استولى العثمانيون على مصر جعلوا للمذهب الحنفي المقام الأول، ومع ذلك بقي للمذهبين: المالكي والشافعي مكانهما في الشعب، فعلى أساسهما يتعبد الناس.

وكان للمذهب الشافعي مكان في بلاد الشام، كما دخل بلاد فارس ومرو وخراسان، وهو الذي يجاور المذهب الزيدي في اليمن، ولكن يلاحظ أنه لم يجد مقاما في المغرب والأندلس

 

المذهب الحنبلي: ينسب إلى الإمام أحمد بن حنبل. وأهم أصول هذا المذهب الأخذ بالأحاديث وأقوال الصحابة، واللجوء إلى القياس عند الضرورة القصوى، مع التوسع في اعتماد المصالح والذرائع والاستصحاب.

والإمام أحمد نفسه لم يدون مذهبه الفقهي، وإنما جمع تلاميذه فقهه، ومنهم ولده الأكبر صالح، وأبو بكر الأثرم، وحرب. وجاء بعدهم أبو بكر الخلال الذي كتب فقه الإمام أحمد من جميع المصادر المتاحة، ويعد بحق جامع الفقه الحنبلي.

ويمتاز الحنابلة بأنهم فتحوا باب الاجتهاد، فنما فقههم، وخاصة على أيدي علماء كبار انتسبوا للمذهب، ومنهم ابن قدامة صاحب كتاب «المغني» أوسع مراجع الفقه الحنبلي، وابن تيمية الإمام المشهور الذي جمعت فتاواه في 35 جزءا.

 

وقد شاع عن هذا المذهب التشدد، وهذا إن صح بعض الشيء في العبادات، فالأمر بخلاف ذلك في المعاملات.

يقول الدكتور محمد سلام مدكور في كتابه «المدخل للفقه الإسلامي» ص 156: «هذا المذهب فيه تيسير ورحمة بالناس في المعاملات، لأنه يرى أن المسألة إذا لم يكن فيها نص ولا أثر ولا مقايسة لواحد منها، ترك الأمر على أصل الإباحة».

 

وقد جاء هذا المذهب الحنبلي، بعد المذاهب الثلاثة: الحنفي والمالكي والشافعي، فلم يكتب له الانتشار مثلها، حتى ظهر محمد بن عبد الوهاب بدعوته التي قامت على أساسها الدولة السعودية، فلقي هذا المذهب اهتماما بالغا ساعد على إشاعة العلم به وبرجاله

* ونجيب الآن عن السؤال الذي طرحناه في البداية: لماذا هؤلاء الأربعة وحدهم، مع أن المجتهدين أضعاف أضعاف هذا العدد؟

 

لقد استبان لنا أن هؤلاء الأربعة وجدوا من العناية والحفظ لآرائهم ما لم يتيسر لسواهم، فالليث بن سعد في مصر، مثلا، لم يحفظ تلاميذه فقهه. وقل مثل ذلك عن الأوزاعي في الشام. وعن سفيان الثوري في العراق، وغيرهم.

وبخلاف ذلك، كان لهؤلاء الأئمة الأربعة، تلاميذ توفروا على دراسة أصول المذهب، وأتقنوا فروعه، وواصلوا التأليف حوله، بنقل آراء إمامهم وشرحها وتلخيصها والإضافة إليها.

وأمر آخر له أهمية بالغة، وهو أن هؤلاء الأربعة قد مثلوا كل الاتجاهات الفقهية السنية في اعتماد الأصول قبولا ورفضا، أو توسعا وتضييقا.

 

* وهناك مسألتان لابد من إيضاحهما:

الأولى: أن الخلاف بين الأئمة المجتهدين ليس خلافا في العقائد والأصول. وإنما هو خلاف في الأحكام الفرعية، وهو خلاف لا يؤدي إلى إلى فرقة، ولا يتولد عنه عصبية، لأنه ناتج عن أسباب موضوعية لا يمكن تغييرها.

ومن هذه الأسباب:

1- نصوص الأحكام من كتاب وسنة تحتمل أحيانا أكثر من وجه من وجوه التفسير.

 

2- اللغة العربية، بل وكل اللغات، تحتمل بعض ألفاظها وتعبيراتها    أكثر من تفسير.

 

3- الفروق الطبيعية بين العلماء والمجتهدين، فليس جميعهم على درجة واحدة من الذكاء أو العلم أو الخبرة، فالناس متفاوتون في هذه الأمور بالضرورة.

 

4- التفاوت بين البيئات المختلفة والشعوب المختلفة والظروف المختلفة؛ وهذا يترتب عليه تفاوت في نوع المشكلات ودرجة حدتها، والحلول الملائمة التي تناسب المصالح وتيسر التعامل.

 

5- الخلاف في اعتماد الأصول والقواعد المعتمدة للاستنباط، فمن الفقهاء من يقف عند حدود النص، ومنهم من يعتمد الرأي، ومنهم من يتوسع في القياس ومنهم من يضيق دائرته، ومنهم من يعتمد العرف ومنهم من لا يعتمده… وهكذا.

 

والمسألة الثانية: أن الخلاف بين الفقهاء هو من خلاف التنوع الذي يضع للمشكلة أكثر من حل، فيأخذ كل شخص أو كل جماعة أو كل إقليم الحل الذي يناسبه.

ولذلك اجتمعت كلمة العلماء على الحقيقة التي لخصها ابن قدامة في مقدمة كتابه «المغني» وهي أن «اتفاق العلماء حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة».