البيولوجيا وعلوم الحياة

قرار الرئيس”بوش” بشأن الخلايا الجذعية

2013 لمن الرأي في الحياة؟

جين ماينشين

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

البيولوجيا وعلوم الحياة

في أواخر سنة 2000، أعلنت "معاهد الصحة الوطنية" عن مبادئها التوجيهية النهائية من أجل تمويل أبحاث الخلايا الجذعية الجنينية باستخدام خلايا جذعية مشتقة بتمويل خاص.

وأصدر الرئيس كلينتون أمراً تنفيذياً يوافق على ذلك. وفي غياب أي توجيه من الكونغرس، وبالنظر إلى الاختلافات الكبيرة بشأن القضية المطروحة، وكيف يجب أن تحل المشاكل، خلص الرئيس كلينتون إلى جواز استخدام الأجنّة المجمّدة التي من المحتّم أن تتخلّص منها عيادات الإخصاب.

وما دامت لم تستخدم أموال اتحادية للحصول على الأجنّة أو تدميرها أو اشتقاق خطوط الخلايا الجذعية من الأجنّة، فإن على الأبحاث على الخطوط الخلوية نفسها أن تلبي المبادئ التوجيهية للتشريع القائم. ولأن كلينتون أصدر قراره بمثابة أمر تنفيذي، ما لم، أو إلى أن، يبطل الكونغرس قراره، فقد صمد القرار. ثم غادر كلينتون الحكم وجاء بوش.

قدّم الرئيس بوش قليلاً من الإشارات إلى اهتمامه في المسائل العلمية بمرور أيام السنة الأولى له في منصبه. وأخّر ملء منصب المستشار العلمي للرئيس حتى وقت متأخّر، ثم قلّص من دور من اختاره مستشاراً ومديراً لمكتب سياسة العلم والتكنولوجيا، الفيزيائي جون ماربورغر (John Marburger) إلى ما دون الدور الذي أدّاه نظراؤه الذين تولوا هذا المنصب في الإدارات الأخيرة. وظلت المناصب العلمية الرئيسية الأخرى شاغرة، مع ذلك استمرّ تصاعد الضغط على بوش لاتخاذ قرار بشأن أبحاث الخلايا الجذعية.

بحلول آب/ أغسطس 2001، بعد مرور أشهر على الأخبار القليلة الإلحاح وأكثر من شهر قبل أن تستحوذ أحداث 11 أيلول/ سبتمبر القاسية على اهتمام الأمة، شعر بوش بمزيد من الضغط لعكس قرار كلينتون بشأن أبحاث الخلايا الجذعية.

ومن حسن الحظ أن "معاهد الصحة الوطنية" كان قد أصدرت مؤخّراً تقريراً مطوّلاً شاملاً وعميقاً وذكياً عن الخلايا الجذعية، "الخلايا الجذعية: التقدّم العلمي واتجاهات الأبحاث المستقبلية" (Stem Cells: Scientific Progress and Future Research Directions).

وهو تقرير متوازن يشرح بوضوح شديد ما الذي تنطوي الأبحاث، وفوائدها المحتملة، ومخاطرها، ومقدار القضايا التي يشتمل عليها.

 

وضمّ خبر في صحيفة نيويورك تايمز في 11 آب/أغسطس 2001 صورة لكارن هيوز، مستشارة بوش وهي تمسك بتقرير "معاهد الصحة الوطنية" وتقول إنه مصدر مهم لقرار الرئيس. قرّر الرئيس بوش السماح بالتمويل الاتحادي للأبحاث في خطوط الخلايا الجذعية التي كانت قد اشتقّت بالفعل عندما تحدّث في 9 آب/ أغسطس 2001. لكن لن تستحدث خطوط جديدة، حتى بتمويل خاص، ثم تدرس بتمويل حكومي.

ربما يبدو ذلك إجراء متعجرفاً. كان الرئيس كأنما يقول، "لدي السلطة لاتخاذ القرار وأرسم بأن الخلايا الجذعية التي طوّرت قبل لحظة اتخاذي القرار الآن يمكن استخدامها للأبحاث. ولا يمكن استخدام أي شيء آخر". غير أنه لا يبدو أنه قصد أن يكون القرار بهذا الشكل.

ولم تكن افتتاحية 10 آب/ أغسطس في صحيفة نيويورك تايمز عادلة. فتحت العنوان الرئيسي "الرئيس بوش يلغو" أعلنت: "ليلة أمس كان لدى جورج دبليو بوش واحدة من تلك الفرص النادرة التي يحظى بها رئيس لاتخاذ خطوة جريئة ربما تحدّد إدارته. لكنه تهرّب بدلاً من ذلك".

هناك أدلة كثيرة على أن قضية أبحاث الخلايا الجذعية كانت مصدر صراع داخلي بالنسبة إلى بوش وأن القرار يعكس محاولته للقيادة. لكنه لم يرضِ أحداً في النهاية. لقد سمح بتقدّم بعض الأبحاث وترك الباب مفتوحاً لتوفير دعم إضافي لمزيد من الأبحاث. ولم يذهب بعيداً إلى حدّ تبلور معارضة فورية في الكونغرس. لقد وُضع في الموقف السياسي الذي شعر فيه أن عليه أن يقرّر، فقرّر.

عند اتخاذ القرار، أطلع العديد من المستشارين كلا الرئيسين كلينتون وبوش. وفي الخطاب في 9 آب/ أغسطس، عيّن الرئيس بوش مجلسه للأخلاقيات البيولوجية لتقديم المشورة إليه بشأن الخلايا الجذعية ومسائل العلوم البيولوجية الأخرى. وكانت مهمته نصح "الرئيس في القضايا الأخلاقية البيولوجية التي يمكن أن تبرز نتيجة التقدّم في العلوم والتكنولوجيا البيولوجية الطبية".

كما أنه "في ما يتصل بالدور الاستشاري، فإن مهمة المجلس تشمل الوظائف التالية:

1- القيام بالاستعلامات الأساسية عن الأهمية الإنسانية والأخلاقية للتطوّرات في العلوم والتكنولوجيا البيولوجية الطبية والسلوكية؛

2- استكشاف مسائل أخلاقية وسياسية محدّدة ذات صلة بهذه التطوّرات

3- توفير منبر للنقاش الوطني للقضايا البيولوجية

4- تسهيل فهم أكبر للقضايا الأخلاقية البيولوجية

5- استكشاف احتمالات التعاون الدولي المفيد في القضايا البيولوجية".

 

وفي حين كانت لجنة كلينتون، بالإضافة إلى اللجان الاستشارية الأخلاقية في "معاهد الصحة الوطنية" أو أكاديمية العلوم الوطنية، تضمّ عادة عدداً كبيراً من العلماء البارزين، فإن فريق بوش تكوّن أكثر من خبراء يركّزون على العواقب الأخلاقية أو الدينية أو القيمية للأبحاث بدلاً من التفاصيل العلمية. وذلك ليس سيّئاً بالضرورة، لكنه قرار بشأن من يعتدّ به بمثابة خبير.

لا شك في أن ليون كاس (رئيس المجلس) اجتذب الرئيس المحافظ، إذ إنه يحمل شهادة طبيب من جامعة شيكاغو بالإضافة إلى الدكتوراه في الكيمياء الحيوية من هارفرد، ولديه آراء اجتماعية وأخلاقية شديدة المحافظة. ولا تشوب مؤهلاته العلمية أي شائبة، على الرغم من أنه انتقل سريعاً من الأبحاث في البيولوجيا الجزيئية إلى الأخلاقيات البيولوجية.

وقد عبّر عن ذلك كاس في نظرته إلى سبعينات القرن العشرين بقوله، "أدركت أن هناك أسئلة أخلاقية كبيرة تمسّ الطبيعة البشرية والكرامة البشرية تثيرها تلك التطوّرات القوية والمرحّب بها إلى حدٍّ كبير في العلوم الطبية". "وبدا لي أن التحدّي الحقيقي لمجتمعنا يكمن بإيجاد طريقة لجني فوائد البيولوجيا الجديدة من دون الانزلاق إلى طريق عالم جديد شجاع والتدرّك البشري".

قدّم كاس ما أسماه "حكمة النفور" بمثابة دليل على ما هو جيد أخلاقياً. إذا وجدنا (أو إذا وجد هو) شيئاً منفّراً، يخلص عندئذ إلى أنه ربما يكون لا أخلاقياً وغير مرغوب. صحيح أنه يدرك أن "الاشمئزاز ليس حجّة" وأن "بعض ما كان يُنفر منه بالأمس يقبل اليوم بهدوء – ليس للأفضل دائماً"، فإنه يقول مع ذلك، "لكن في بعض الحالات الحرجة، يكون النفور هو التعبير العاطفي عن حكمة عميقة، تتجاوز قوّة التعليل تماماً بحيث لا يمكن التعبير عنها.

هل يستطيع أحد أن يقدّم مقولة كافية تماماً عن الهلع من زنا الأب مع ابنته (حتى مع الرضا)، أو إتيان البهائم، أو تشويه جثّة، أو أكل لحم إنسان، أو الاغتصاب، أو قتل إنسان آخر"؟ وتابع كاس، "أرى أن نفورنا من الاستنساخ البشري ينتمي إلى هذه الفئة".

 

لقد أدرك أن الحظر التشريعي للاستنساخ البشري سيكون غير مسبوق، ومع ذلك فإنه لم يجده مبرّراً تماماً فحسب، وإنما "فرصة ذهبية" أيضاً لتجنّب "الخطر الراهن" لأن "إنسانية مستقبل الإنسان بين أيدينا الآن".

ربما يقبل المرء استنتاجات كاس في السياسات في بعض الحالات لكنه يرفض نهجه الحدسي المثير للمشاكل، والذي يعتمد على "ما نجده منفّراً" ويجهد لإيجاد الأساس الشرعي في مجتمع تعدّدي يختلف فيه الناس بعمق، ولديهم أسباب وجيهة للاختلاف، بشأن ما هو منفّر. بل إن "النفور" لا يحمل أي حكمة حقيقية، لذا علينا استيراد "الحكمة" والحكم من مصادر أخرى. الرئيس بوش لم يختر ليون كاس لمنصب القائد الأعلى للأخلاقيات البيولوجية لحياديته أو حكمته المتصوّرة في فرز الآراء الأخلاقية المتنازع فيها.

إنما اختير كاس بالضبط لأن لديه رأياً معروفاً في قضية متنازع فيها – ورأياً مقبولاً سياسياً بالنسبة إلى بوش. ربما يساعد هذا النهج رئيساً في تقرير موقفه من قضية معقّدة يلتقي فيها العلم بالتعدّدية الأخلاقية، وربما يسمح بأن يسود رأي الرئيس في الحياة – في الوقت الحاضر. لكنه لا يقدّم لنا طريقة للتداول بحكمة بين الآراء المتنافسة وتوفير طرق فعّالة للتوجّه نحو سياسة علوم بيولوجية مستقرّة.

تأمّل هارولد شابيرو، باعتباره رئيس لجنة الأخلاقيات لدى كلينتون، في مقالة افتتاحية قائلاً: "التقدّم العلمي مخطّط وعفوي على السواء، علم وفنّ، ويخضع دائماً للقوى الاجتماعية والسياسية والثقافية. تنشأ بعض المؤثّرات على الأجندة العلمية من داخل العلم نفسه، وتنشأ أخرى في تفضيلات من يرعون الأبحاث العلمية أو يموّلونها وقيمهم وتطلّعاتهم".

كانت مسؤولية لجنته تقديم التوصيات بشأن كيفية إدارة هذا التلازم المتنازع فيه أخلاقياً للمصالح العلمية والاجتماعية، وقد أخذ شابيرو ذلك الدور بجدّية كبيرة. وخلص إلى أن "مداولات [لجنته] (ومداولات الجمعيات المهنية، والمؤسسات الدينية، واجتماعات البلديات) جزء من حوار عام مهم ومستدام في ما يتعلّق بطبيعة العلاقة بين الأجندة العلمية المتطوّرة والاعتبارات الأخلاقية المهمة".

 

تداولت جماعات أخرى أيضاً في عدد من الآراء القائمة. فقد أجرى كل من مجلس الأبحاث الوطنية والمعهد الطبي دراسته وألحّ على أن "الدراسات باستخدام الخلايا الجذعية البشرية ضرورية لإحراز تقدّم في تطوير العلاجات للأمراض البشرية، وأن هذه الأبحاث يجب أن تستمر. كما أن أبحاث الخلايا الجذعية لا تزال في مهدها وتحتاج إلى الاستثمار الآن في الخلايا الجذعية الجنينية والبالغة على حدٍّ سواء.

ويجب أن يقدّم تمويل عام لهذا لعمل مع مراجعة من قبل النظراء وإجراء نقاش عن العلم وتطبيقاته السريرية المحتملة". أخيراً، "بالترافق مع الأبحاث في بيولوجيا الخلايا الجذعية وتطوير العلاجات المحتملة بالخلايا الجذعية، يجب أن تتابع بنشاط الأبحاث بشأن النُّهُج التي تمنع الرفض المناعي للخلايا الجذعية والأنسجة المشتقة من الخلايا الجذعية. وتشمل هذه الجهود العلمية استخدام عدد التقنيات للتلاعب بالتكوين الجيني للخلايا الجذعية، بما في ذلك النقل النووي للخلايا الجسدية".

أجرى الكونغرس مداولات أيضاً. في 31 تموز/ يوليو 2001، أقرّ مجلس النواب الأميركي مشروع قانون م. ن. 2505 (H.R. 2505) ، تشريع حظر الاستنساخ البشري لسنة 2001. أقرّ هذا التشريع في مجلس النواب بهامش واضح، 251 مقابل 176، لكنه لم يحظَ إلا بقليل من المناقشة الجادّة.

حدّد مشروع القانون الاستنساخ البشري بأنه "التوالد البشري اللاجنسي، الذي يتحقّق بإدخال مادة عضوية من خلية جسدية واحدة أو أكثر إلى بيضة مخصبّة أو غير مخصّبة من أجل إنتاج كائنات حية (في أي مرحلة تطوّرية) متطابقة وراثياً مع كائن بشري موجود أو موجود سابقاً". الخلية الجسدية "تعني خلية ضعفانية (تحتوي على مجموعة كاملة من الصبغيات) يحصل عليها أو تشتقّ من جسم بشري حي أو ميت في أي مرحلة من مراحل التطوّر".

وبهذه التعريفات، ينص القانون المقترح على أنه "من غير الجائز قانونياً لأي شخص أو كيان، عام أو خاص، مشارك في التجارة بين الولايات أو مؤثّر فيها، أن يتعمّد (1) القيام أو محاولة القيام باستنساخ بشري؛ أو (2) المشاركة في محاولة للقيام باستنساخ بشري؛ أو (3) شحن أو استقبال جنين منتج بالاستنساخ البشري لأي غرض، أو أي منتج مشتقّ من مثل هذا الجنين".

 

كان المراد جزئياً من إقرار مشروع القانون في المجلس وضع الحدود للقرارات بشأن أبحاث الخلايا الحذعية ولإيضاح أنه حتى لو كانت مثل هذه الأبحاث جائزة، فإن الاستنساخ البشري لأغراض توالد البشر محظور. ورفض المجلس محاولات تعديل مشروع القانون بطرق تحدّ من تأثيره بالإبقاء على حظر التوالد ولكن السماح للشركات الخاصة باستنساخ الأجنّة البشرية وإجراء الأبحاث السريرية وتطوير العلاجات.

من وجهة نظر أعضاء مجلس النواب، النص المتبقّي يحظر الاستنساخ لأي سبب، بما في ذلك الاستنساخ العلاجي. لكن يساورني شكّ في أن هذا النص سيكون مفتوحاً على العديد من التحديات القانونية إذا وُقّع ليصبح قانوناً. فبعض التفسيرات تتوقّف على غموض فهمنا للمصطلحات الرئيسية.

فالمعنى الدقيق لعبارة "من أجل إنتاج كائنات حية" متنازع فيه بشدّة، على سبيل المثال. بل إنها تقع في صميم النقاشات بشأن ما الذي ينطوي عليه الاستنساخ بيولوجياً وأخلاقياً. إذا كان نقل نواة إلى خلية بيضة ينتج هجيناً قد يكون حياً في بعض المدلولات لكنه ليس "حياة" في جميع المدلولات، فربما لا يكون المنتج "كائناً حياً" حقاً ولا يحظره القانون. ويبقى كثير مما ورد في التشريع بحاجة إلى تفسير، حتى إذا تحوّل هو نفسه أو تشريع مماثل جداً إلى قانون.

النواب في المجلس، كما يلاحظ مراقبو الكونغرس في الغالب، يتسرّعون بين الحين والآخر في إقرار ما يرون أنه تشريع مفيد سياسياً ويعرفون أن مجلس الشيوخ لن يدعمه، لذا يكونون بأمان إذا تبيّن أنهم "على خطأ"، لكنهم يكونون أيضاً بأمان إذا وافق مجلس الشيوخ ولن يستطيع الناخبون لومهم لوحدهم.

وكما عبّر عن ذلك مراسل صحيفة واشنطن بوست الممتاز ريك ويس في خبر صدر في اليوم التالي، المعارضون "وصفوا إجراء الأمس في المجلس بمثابة فرصة سهلة للعديد من المشرّعين لإثبات مؤهّلاتهم المحافظة قبل العودة إلى ناخبيهم يوم الجمعة في عطلة تمتد شهراً".

 

علّق النائب الديمقراطي بيتر دويتش (Peter Deutsch) من فلوريدا على إعداد زملائه للتصويت في 31 تموز/ يوليو على الاستنساخ، بما في ذلك الاستنساخ العلاجي بالنقل النووي للخلايا الجسدية بأنه "قد يكون أدنى مستوى أشهده من المعرفة… في تشريع مهم". وعبّر دويتش عن تفسيره بأن النسيلة من زرع نووي "ليست جنيناً. إنها ليست تخليق حياة وفقاً لأي تعريف لتخليق الحياة".

في 27 شباط/ فبراير 2003، أقرّ مجلس نوّاب الكونغرس الثامن بعد المئة مشروع قانون م.ن. 534 (H.R. 534) تشريع حظر الاستنساخ البشري، بتصويت قوي، 241 مقابل 155، وأحال مشروع القانون إلى مجلس الشيوخ. في هذا الوقت، كان لدى أعضاء الكونغرس كثير من الوقت للنظر في ما يقدمون عليه وكانوا على اطلاع أكثر على العواقب المترتبة على التشريع. لا يعني ذلك بطبيعة الحال أنهم فهموا العلم الأساسي بمزيد من العمق أو أنهم كانوا أكثر انفتاحاً بشأن الاستخدامات المحتملة للاستنساخ باستثناء إنتاج بشر كاملين.

لم يسنّ مجلس الشيوخ حتى الآن أي نسخة مماثلة لمشروع القانون ويبدو من غير المرجّح أن يقوم بذلك. كان من المتوقّع اتخاذ إجراء في أيار/ مايو 2002، لكنه "أرجئ إلى أجل غير مسمّى بموافقة جماعية". إن مشروع قانون مجلس الشيوخ الذي يفضّله مؤيّدو الحظر يعدّل تشريع الخدمات الصحية العامة ليحظر: (1) القيام أو محاولة القيام باستنساخ بشري؛ أو (2) شحن أو استقبال أو استيراد نتاج الزرع النووي بغية الاستنساخ البشري". كما أنه "ينص على أنه ما من شيء في هذا التشريع يفسّر بأنه يقيّد مجالات الأبحاث البيولوجية الطبية أو الزراعية أو العلمية غير المحظورة على وجه التحديد، بما في ذلك النقل النووي للخلايا الجسدية، والدنا، والخلايا، والأنسجة". وكما يحدث في الغالب في القضايا العلمية، تراجع مشروع القانون أمام قضايا تعتبر مصالح وطنية أكثر إقناعاً.

تغيّر المناخ في مجلس الشيوخ الأميركي بحلول سنة 2003. فقد قدّم السناتور سام براونباك  من كانساس مشروع قانون مماثل لما قدّمه في الدورة السابقة ويسعى لحظر جميع أنواع الاستنساخ البشري. بيد أن السناتور عن يوتاه أورين هاتش (Orrin Hatch) قرّر أن الفوائد المحتملة لأبحاث الخلايا الجذعية تفوق التكاليف.

 

فانضمّ إلى ائتلاف من الشيوخ في اقتراح مشروع قانون لحظر الاستنساخ لأغراض تخليق إنسان. وضمّ الائتلاف السناتور الجمهوري عن بنسلفانيا أرلن سبكتر (Arlen specter) وعدد من الديمقراطيين، السناتوران عن كاليفورنيا باربرا بوكسر (Barbara Boxer) وديان فينشتاين (Dianne Feinstein) ، والسناتور عن ماساتشوستس إدوارد كنيدي (Edward Kennedy)، والسناتور عن جورجيا زل ميلر (Zell Miller) ، والسناتور عن إيلينوي ريتشارد دوربن (Richard Durbin) ، والسناتور عن أيوا توم هاركن (Tom Harkin) ، والسناتور عن نيو جيرسي فرانك لوتنبرغ (Frank Lautenberg).

لكن المشروع يسمح صراحة بالأبحاث حتى اليوم الرابع عشر على البيوض المستنسخة غير المخصّبة. وقد أشار السناتور الجمهوري عن تنيسي بيل فريست (Bill Frist) ، باعتباره زعيم الأغلبية، إلى اهتمامه في إقرار مشروع قانون يحظر الاستنساخ، وأنه يفضّل الحظر التام. وستتواصل النقاشات لبعض الوقت سواء أقرّ الكونغرس التشريع أم لا، لأن التعريفات والتفسيرات دقيقة وليس من الواضح من سيكون لديه الولاية التنظيمية أو السلطة الإشرافية.

الأمر الأهم بشأن مشاريع القوانين هذه، والأبعد أثراً من التشريع نفسه، هو القيود الحدية التي يريد أعضاء الكونغرس إنشاءها. وكما عبّر عن ذلك اختصاصيو البيولوجيا البارزون بول بيرغ، وج. مايكل بيشوب (J. Michael Bishop) وأندرو غروف (Andrew Grove) في إعلان صدر في 5 أيار/مايو 2002 (برعاية الجمعية الأميركية لبيولوجيا الخلايا)، "على الكونغرس ألا يجرّم الأبحاث الطبية".

واستحضر الثلاثي صورة قوية ومضلّلة من دون شك: "تصوّروا عالماً يمكن أن تستخدم فيه خلايا جسدك للمساعدة في شفائك من السرطان، والسكري، وإصابة النخاع الشوكي، ودائي ألزهيمر وباركنسون، وغيرها من المشاكل الطبية.

 

والآن تصوّروا عالماً تُمنع فيه هذه المعجزة عنك أو عن والدك أو ابنك للأبد بقانون اتحادي". ومضوا إلى حثّ مجلس الشيوخ على عدم إقرار تشريع منع أبحاث الخلايا الجذعية وزرع النوى، حتى إذا حظر استنساخ البشر لأغراض تناسلية. كان الإعلان مقنعاً واستراتيجية شائعة للعمل السياسي في آن معاً. فكلا الجانبين يبالغان في مواقفهما ويفرطان في التشديد عليها.

غير أن الخطاب السياسي يكون بائساً عندما يقود علماء من الصف الأول معروفين بنزاهتهم وتفكيرهم العميق إلى المبالغة في ادعاءاتهم لصالح قابلية تطبيق العلم. علينا القيام بالأبحاث العلمية بالطبع، لكن الأبحاث لا يمكن أن تضمن تحقيق النتائج التي نتوقّعها. بل يمكن أن نعرف أشياء مختلفة جداً وربما نفاجأ بطرق جديدة مثيرة للاهتمام.

فالرهانات هنا عالية جداً. إن حظر أبحاث الخلايا الجذعية سيكون ضرباً من الحماقة مثل الدنا المترابط لو حظرت تجاربه في سبعينات القرن العشرين. لكن الإيحاء بأن أبحاث الخلايا الجذعية باستخدام النقل النووي ستحلّ كل هذه المشاكل الطبية لنا جميعاً ولأبنائنا يعطي الانطباع بأن التقدّم الطبي عنيد لا يلين.

 

تقدّم المراسلة شيريل غاي ستولبرغ (Sheryl Gay Stolberg) فكرة قيّمة عندما تلاحظ أن معظم الأخبار تلجأ إلى أمل العلم العجيب في العلاجات في مقابل أخلاقية الدين. بيد أن ما يوضع في الميزان جزئياً هو خوف الجمهور من العلم، "ورغبة مقابلة في لجمه". ويبدو ذلك صحيحاً تماماً. الناس يحبون العلم ويريدون جميع أنواع التقدّم التي يمكن أن يجلبها.

والأميركيون يقدّرون، نظرياً على الأقل، حرية التعبير وحرية البحث، بما في ذلك عن طريق العلم. بيد أنهم يخشون جميعاً أيضاً مما يبدو غريباً أو غير قابل للفهم. ربما يكره الجمهور أن يترك للعلماء أن يكونوا الخبراء الذين يشرفون على أعمالهم، بيد أنه لم يعد من الواضح في السنوات الأخيرة أنهم يثقون في قيام الكونغرس بعمل أفضل.

وتستشهد ستولبرغ باعتراف ليون كاس (Leon Kass)، "إننا نحن الأميركيون متحمّسون للعلم إلى حدٍّ كبير" ونثق في العلماء في الظاهر. "لكن عندما يُقدم العلم على نحو متزايد على العمل على الجسم والعقل البشري، بطرق يمكن أن تغيّر من نحن، تثور مخاوف الناس بحقّ من احتمال أن تتأثّر إنسانيتهم".