البيولوجيا وعلوم الحياة

تعريف المراحل التطوّرية “التُّويتة” الحاصلة في البويضة

2013 لمن الرأي في الحياة؟

جين ماينشين

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

البيولوجيا وعلوم الحياة

قبل الوصول إلى سنة 1998، لنراجع معاً بعض المصطلحات المهمة لبيولوجيا التطوّر البشري. فقد قفزت كلمات من الرطانة المتخصّصة التي تثير جنون كثير من طلاب الصفوف العلمية إلى الصفحات الأولى للصحف البارزة وتلفّظت بها أفواه مذيعي نشرات الأخبار في المحطات التلفزيونية.

علينا أن نعرف ما تعنيه هذه الكلمات لأنها تشير إلى مفاهيم ومضامين جديدة. فالقضايا المطروحة مهمة جداً بحيث يجب ألا تترك للعلماء بمفردهم، أو يترك للجمهور الرد حدسياً متجاهلاً السياق العلمي. ويجدر بنا أن نراجع أين كنا في فهم التطوّر البشري اعتباراً من أوائل سنة 1998.

تنطلق المراحل الأولى من الحياة العادية عندما يلتقي ذكر بأنثى، وتلتقي خلية نطفة ببيضة. تحتوي نواة كل خلية على مجموعة واحدة من الصبغيات، لذا عندما تجتمع النواتان يصبح للبيضة المخصّبة مجموعة كاملة من الصبغيات النووية (اثنان من كل نوع)، مع الدنا والجينات التي تسهم في تشكيل الإنسان.

 تبدأ البيضة المخصّبة بالانقسام، حيث تقودها آلية داخلية من الانقسام الفتيلي وتوجّهها البنى الموجودة في سيتوبلازما البيضة (أي المادة غير الموجودة في النواة أو الغلالة الخارجية للبيضة). وغالباً ما يغفل دعاة الحتمية الجينية أهمية هذه السيتوبلازما، لكن لا يغفلها اختصاصيو البيولوجيا التطوّرية الذين يدركون أن الجينات لا تستطيع أن تفعل أي شيء من دون جهاز الخلية الذي يرشدها.

لا تتطوّر معظم البيوض المخصّبة على الإطلاق ولا تبقى بعد بضعة انقسامات خلوية، ويرجع ذلك إلى جينات "معيبة" أو أسباب كيميائية حيوية أو ميكانيكية أخرى. إننا لا نفهم إلا القليل عن جميع العوامل التي يمكن أن تسبّب المشاكل التطوّرية، مع أن الباحثين حقّقوا تقدّماً هائلاً في تفسير المساهمات الجينية والتطوّرية النسبية، أو التخلّق المتوالي، في حيوانات سوى الإنسان.

وكان العلماء يدرسون الضفادع والأنواع الأخرى، غير الإنسان، حتى مجيء الإخصاب في المختبر. فقد بدا زرع بيوض بشرية في طبق ثم رميها غير مقبول، ما لم يكن هناك سبب طبي لذلك. لكن مع تزايد زخم طبّ الإخصاب، بدأت المعرفة تتراكم بسرعة.

أولاً تنقسم بيضة الإنسان المخصّبة إلى خليتين متساويتين تقريباً، ثم إلى أربع، ثم ثمان. وتبقى حتى هذه المرحلة بالحجم نفسه لكنها تنقسم إلى وحدات أصغر.

وتكون كل خلية حتى مرحلة الخلية الثامنة متكافئة بصورة أساسية (انظر الشكل رقم 8).

 

يمكننا تقسيم الخلايا الثماني لجنين بشري في ثمانية أطباق منفصلة وزرعها بحيث تنمو جميعاً. ويمكننا نزع خلية أو عدة خلايا، ويستطيع ما تبقى التكيّف والتطوّر بصورة عادية. بل إن بعض الاختبارات الجينية البشرية فعلت ذلك بالضبط وأنتجت الخلايا الست أو السبع المتبقية أطفالاً عاديين تماماً.

من النادر أن تنفصل الثماني خلايا وينتج كل منها طفلاً، مع أن ذلك ممكن نظرياً، لم تعش توائم ثمانية حياة كاملة، مع أن التوائم السبعة عاشت. عند الانقسام الخلوي التالي، مرحلة الست عشرة خلية، يبدأ بعض التمايز بالحدوث: من غير الممكن في الظاهر حدوث ستة عشر توأماً.

من الناحية النظرية، يجب أن يكون ممكناً أخذ ثماني خلايا من كل من ثماني بيوض منقسمة مختلفة ثم وضعها معاً لإنتاج جنين هجين واحد. وهناك أدلة تتراكم عن أن الخلايا تجتمع معاً من بيوض مختلفة في ظل ظروف نادرة جداً، حتى عند البشر. المقصود هو أن جميع الخلايا حتى مرحلة الخلايا الثماني تحتفظ "بشمولية وسعها" الكاملة. ولكل منها، مثل البيضة المخصّبة، القدرة على أن تصبح إنساناً حياً عادياً كاملاً.

لا يعني ذلك أن الخلايا الفردية لا تظهر أي اختلاف عندما تكون معاً جميعاً، لكنها تحتفظ بالقدرة على "تنظيم" الكل وإعادة تشكيله عند اللزوم. ويمكن أن تُفصل، بيد أنها عندما تكون معاً تنسّق الإشارات فيما بينها انقساماتها وأنشطتها في المراحل الأولى وما يليها.

يأخذنا هذا الانقسام الخلوي خلال اليوم الثالث تقريباً. ومن أهم الأمور أن قدرة الخلايا الفردية المنفصلة عن الآخرين على التطوّر في المرحلة المبكّرة بأكملها تثير مشاكل لدعاة التشكّل المسبق الذين يعتبرون أن الحياة تبدأ بأكملها عند الحمل. ويتساءل دعاة التخلّق المتوالي، كيف تستطيع حياة مشكّلة مسبقاً أن تولّد أجزاء ناقصة أو تتكيّف مع التغيّرات؟

يستمرّ تكاثر الخلايا عدة انقسامات أخرى، مع أن الانقسامات تصبح أقل انتظاماً وغير متناظرة. وعند حلول اليوم الرابع، تبدأ الخلايا بالانفصال والابتعاد بحيث تتراكم طبقة من الخلايا حول الجزء الخارجي من الكرة.

وتتجمّع خلايا أخرى في الداخل وتواصل الانقسام. تصبح الطبقة الخارحية المشيمة والنسيج الذي يدعم تطوّر الجنين، في حين تصبح كتلة الخلايا الداخلية الجسم. وبحلول اليومين الخامس والسادس تكون الكرة المجوّفة من الخلايا، تسمى "الكيسة الأريمية"، في الظاهر ذات قيمة عظيمة للاستخدام العلاجي.

في هذه المرحلة، لا تكون الخلايا الداخلية قد تمايزت بعد لكنها مستعدة تماماً لذلك، لأن كل خلية لا تزال متعدّدة الإمكانات.

ومن خلال الخطوط الخلوية "الخالدة" من هذه الخلايا، يستطيع الباحثون إنشاء مزيد من الخلايا الجذعية من خلال عدد من الأجيال، وخلايا متمايزة أيضاً من أنواع مختلفة إذا حفزت بطرق مختلفة.

 

لكن لم يجر سوى القليل من الأبحاث على الخلايا الجسدية الجنينية البشرية، كي يُتحقّق بالضبط متى تصبح هذه الخلايا الداخلية "موجّهة" أو محدودة في قدرتها على أن تصبح بعض أنواع الخلايا وليس أنواعاً أخرى.

ومن الأسباب التي تجعل إجراء مزيد من الأبحاث على الخلايا الجذعية الجنينية البشرية مفيداً لنا أننا سنحصل على أكبر فرصة ممكنة لتطوير العلاجات السريرية الفعالة باستخدام الخلايا الجذعية، عندما نعرف كيف تعمل بالضبط.

تنتقل الكيسة الأريمية بعد ذلك إلى جدار رحم الأم، وبحلول اليوم التاسع أو العاشر عند البشر، تكون قد انغرست تماماً هناك. وتستمر في التمايز وتبدأ بتبادل المغذيات والفضلات مع الأم.

وتشكّل مرحلة الانغراس تغيّراً مهماً. من الممكن تماماً حتى هذه المرحلة، كما أظهر إدوارد في بحوثه في المختبر ونجاحاته السريرية منذ سبعينات القرن العشرين، زرع البيضة في طبق زجاجي.

ولهذا السبب أطلق بعض الأشخاص على الخلايا المنقسمة اسم "ما قبل المضغة" أو "المضغة قبل الانغراس" حتى بلوغ هذه المرحلة. غير أن اختصاصيي البيولوجيا اعتادوا تسمية البيضة المخصّبة "مضغة" ما إن تبدأ الانقسام، لمجرّد أن ذلك أسهل. ولم يبدُ أن هناك ما يدعو إلى مزيد من التمييز.

ولم تكن كيفية تعريف مصطلح "مضغة" تشكّل اختلافاً كبيراً لدى اختصاصيي البيولوجيا حتى عهد قريب، إذ ليس هناك أي تمييز طبيعي بين مضغة أو "شبه مضغة" أو "انتهى للتو من كونه مضغة". فالتمييز مسألة تعريف أو اصطلاح. وما يهمّ حقاً هي التفاصيل البيولوجية في أثناء تطوّر البيضة، وعندما بدأ اختصاصيو البيولوجيا قبل أكثر من قرن يتعلّمون المزيد عن هذه التفاصيل، خصّصوا أسماء لهذه المراحل التطوّرية. "التُّويتة"، و"الأريمة"، و"المعيدة"، وتسميات أخرى ومصطلحات وصفية استُخدمت لأنها ذات معنى بالنسبة إلى اختصاصيي الأجنّة واختصاصيي البيولوجيا التطوّرية. والآن تهم التعريفات لأسباب سياسية.

 

ما هي تلك البيضة المخصّبة الموجودة في طبق عيادة الإخصاب؟ هل هي مضغة؟ ما قبل مضغة؟ هل هي حياة؟ إنها البداية المادية للعمليات التي ستؤدّي في نهاية المطاف إلى إنسان متشكّل إذا سار كل شيء على ما يرام.

لم تبدأ حقاً في التمايز إلى أنواع مختلفة من الخلايا. وليست حياة كاملة بالمعنى التقليدي الأرسطي، أو اليهودي، أو الكاثوليكي القروسطي، أو الإسلامي، أو العلماني الاصطلاحي. يوافق على ذلك بيرت فوغلشتاين (Bert Vogelstein) (باعتباره محقّق معهد هوارد هيوز الطبي في كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز ورئيس لجنة الأكاديمية الوطنية لتقديم تقرير عن الخلايا الجذعية)، وبروس ألبرتس (باعتباره رئيس أكاديمية العلوم الوطنية)، وكنيث شاين (Kenneth Shine) (باعتباره رئيس المعهد الطبي في ذلك الوقت). ففي تعليقهم على "الخلايا التي تنمو في أطباق بتري" قالوا: "يجب أن يدرك الجمهور أن هناك اختلافاً هائلاً بين مثل هذه الخلايا والإنسان الفعلي".

الحياة ذات المعنى البيولوجي تبدأ وفقاً للعديد من اختصاصيي البيولوجيا بعد المرحلة البيولوجية المهمة التي تسمى "تكوّن المُعَيدة" (Gastrulation). وكما عبّر اختصاصي الأجنّة لويس ولبِرت في كتابه "انتصار الجنين"، تكوّن المُعيدة هي "أهم حدث في حياتك حقاً".

وقد ذكر مايكل غازانيغا (Michael Gazzaniga) في اجتماع لمجلس الأخلاقيات البيولوجية الذي شكّلة الرئيس بوش: "من الحقائق البدهية أن ثمة احتمالاً لأن تصبح الكيسة الأريمية إنساناً. بيد أنها في تلك المرحلة من التطوّر ليست إلا كتلة من الخلايا… ويمكن تشبيه ذلك بما يمكن أن يراه المرء عندما يدخل متجر هوم ديبو. هناك قطع وأشياء محتملة لثلاثين منزلاً على الأقل. لكن إذا شبّ حريق في هوم ديبو، لن يكون عنوان الخبر عن احتراق 30 منزلاً. بل احتراق هوم ديبو".

بعيد تكوّن المُعيدة يأتي تطوّر "التلم البدائي". تحدث هذه المرحلة في اليوم الرابع عشر، وتتميّز بظهور الخلايا المتمايزة التي لديها بعض القدرة في الظاهر على الإحساس. تقدّم هذه القدرة على الشعور اختلافاً يعتقد العديدون أنه بداية حياة حقيقية.

وإذا تابعنا استعارة غازانيغا، تكون المضغة في مرحلة التلم البدائي قد بدأت تمثّل الأسس الأولى لبيت وليس مجرّد ألواح خشب منوّعة ومسامير. لكنها لا تشكّل منزلاً بعد، أو حتى هيكلاً كاملاً لمنزل.

 

يشير آخرون إلى المراحل المتأخّرة باعتبارها الأهم، مثل اليوم الثاني والعشرين، عندما يبدأ القلب بالخفقان. وبحلول اليوم الأربعين، تكون معظم أجزاء الجسم قابلة للتمييز، بالشكل البدائي على الأقل، وبحلول الأسبوع الثامن، تصبح المضغة الآن "جنيناً"، فتبدو مثل إنسان ولديها جميع الأجزاء والأعضاء الوظيفية بالشكل التقريبي على الأقل. لكن يجب أن يكون واضحاً أن هناك العديد من الخطوات البيولوجية المهمة في الطريق نحو الحياة.

إنها ليست الحالة بأن الحياة تبدأ عند الحمل بمعنى أنه يمكن التعرف إليها، أو أن لديها جميع الأجزاء، أو أنها تؤدي الوظائف بأي طريقة ذات مغزى غير انقسام الخلايا إلى خلايا مماثلة لها. إن لكل من الانغراس والتلم البدائي والأربعين يوماً والثمانية أسابيع أهمية بيولوجية مثل أي نقطة أخرى على الطريق.

البيولوجيا بمفردها لن تقدّم لنا الحكمة التي نحتاج إليها لترشد قراراتنا السياسية والاجتماعية بشأن متى تبدأ الحياة أكثر مما يستطيع أن يقدّمه مرسوم للبابا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق