البيولوجيا وعلوم الحياة

المسارات المتبعة في وضع مشروع سلاسل الجينوم البشري

2013 لمن الرأي في الحياة؟

جين ماينشين

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

البيولوجيا وعلوم الحياة

يقدّم مؤرّخ البيولوجيا جون بيتي (John Beatty) استعراضاً قيّماً لمشروع الجينوم وعلاقاته بقضايا الأمن القومي المتصوّرة.

وكما أشار بيتي، فإنه تمكن رواية التاريخ الطويل والقصير لمشروع الجينوم، والاختلاف بينهما هو ما يشير إليه اختصاصيو البيولوجيا بأنه السبب البعيد أو السبب المباشر.

تشمل القصة الطويلة إلقاء نظرة على لجنة ضحايا القنبلة الذرية التابعة لوزارة الطاقة وأبحاثها التقليدية في علم الوراثة البشري. رأى جيمس نيل وغيره من اختصاصيي الوراثة البشرية الذين ساهموا في هذه الأبحاث أن الدراسة البيولوجية مهمة للأمن القومي. كما وجد آخرون أن من المفيد تقديم بحوثهم في إطار الأمن القومي.

تقودنا هذه القصة الطويلة إلى اجتماع للخبراء في ألتا بولاية يوتا في كانون الأول/ ديسمبر 1984، برعاية وزارة الطاقة لبحث دراسات آثار القنبلتين النوويتين في هيروشيما ونغازاكي.

خلص الفريق إلى أن وزارة الطاقة بحاجة إلى تعزيز تطوير تكنولوجيا تحديد السلاسل في علم الوراثة للتمكّن من تقييم وتحليل البيانات المتاحة التي تقيم علاقة بين الآثار الوراثية للتغيّرات البيئية.

وقد رسّخ هذا الهدف اهتمامات حافظت عليها الوزارة حتى بعدما خبا المبرّر الأصلي أمام التقدّم التقني وتغيّر المهام البحثية لوزارة الطاقة والمختبرات الوطنية. مع ذلك تبيّن أن الحافز والدعم السياسي القوي أمران حاسمان في العديد من المراحل عندما تحوّل نقاش تحديد سلاسل الجينوم البشري إلى مشروع واسع النطاق يبعث على الفخر الوطني ويدعو إلى الاستثمار الحكومي.

في غضون ذلك، أصبح روبرت سنشايمر، العالم الذي أثار المخاوف في أثناء نقاشات الدنا المترابط بشأن النطاق الملائم للعلم، مستشاراً لجامعة كاليفورنيا في سانتا كروز. وعلى غرار معظم قادة الجامعات، فكّر سنشايمر بسرعة في جمع الأموال عندما علم عن خطط وضع سلاسل الجينوم البشري.

وباعتباره اختصاصياً في البيولوجيا، فكّر في المشروعات الكبيرة ومسؤولياتها. ماذا عن إنشاء مركز لتحديد سلاسل الجينوم البشري في حرم جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز؟

 

في أواخر سنة 1984، اقترح سنشايمر على رئيس الجامعة دايفد غاردنر (David Gardner) إنشاء معهد لتحديد سلاسل الجينوم البشري. لم يموّل غاردنر المشروع، لكن سنشايمر نظم مؤتمراً في أيار/ مايو 1985 كي يبحث اختصاصيو البيولوجيا الجزيئية هذه الفكرة.

على نحو مستقلّ في الظاهر، فكّر ريناتو دولبيكو (Renato Dulbecco) أيضاً، من مختبر الأجسام المضادّة الوحيدة النسيلة (Monoclonal Antibody) التابع لمركز أرماند هامر للسرطان في معهد سولك، في مشروع لتحديد سلاسل الجينوم البشري.

وفي 7 أيار/ مايو 1986، كتب دولبيكو في افتتاحية مجلة ساينس أن تحديد السلاسل سيكون "نقطة تحوّل" في دراسة السرطان ومبحث الفيروسات الورمية. وقال، "إذا أردنا أن نعرف المزيد عن السرطان، فإن علينا أن نركّز الآن على الجينوم الخلوي". وإذا كان هدفنا فهم دور الجينات والجينوم لدى البشر، فإن علينا أن ندرس علم الوراثة البشرية "لأن التحكّم الجيني في السرطان يبدو مختلفاً باختلاف الأنواع".

لاحظ دولبيكو أنه لا يمكن أن يضطلع فريق واحد بهذه الدراسة، وإنما يجب أن تكون مشروعاً وطنياً. وزعم أن "أهميته مماثلة لأهمية الجهد الذي أدى إلى غزو الفضاء، وأنه يجب أن ينجز بالروحية نفسها".

والأفضل أن يكون تعاوناً دولياً، "لأن سلاسل الدنا البشري هي حقيقة نوعنا، وكل ما يحدث في العالم يتوقفّ على تلك السلاسل". ورأى دولبيكو الأمل في العلاج بالحصول على خريطة كاملة للجينوم البشري: "يستطيع الجيل التالي التطلّع إلى مهامّ جديدة مثيرة للاهتمام ربما تؤدي إلى إكمال معرفتنا عن السرطان، وإغلاق واحد من أكثر الفصول إثارة للتحدّي في البحوث البيولوجية".

 

في الوقت نفسه تقريباً، كان اختصاصي البيولوجيا الرياضية تشارلز ديليسي (Charles DeLisi) في لوس ألموس. وكان قد عمل في "معاهد الصحة الوطنية" وفي سنة 1986 أصبح مديراً لمكتب البحوث الصحية والبيئية التابع لوزارة الطاقة الذي يجري دراسات عن الآثار الجينية للإشعاعات الناجمة عن القنبلتين الذريتين اللتين اختبرتا وألقيتا في الحرب العالمية الثانية.

رأى ديليسي احتمالات مشروع لتحديد السلاسل في مختبر نيو مكسيكو الوطني. ولاستكشاف ذلك الاحتمال، نظم ورشة عمل في آذار/ مارس 1986 في سانتافي، حيث بدت "الحماسة واضحة". حضر بعض اختصاصيي البيولوجيا الاجتماعين وبدؤوا بصياغة ما أصبح مبادرة الجينوم البشري.

وقد وصف والتر جيلبرت (Walter Gilbert) في ذلك الاجتماع تحديد سلاسل الجينوم البشري بأنه سيكون "الكأس المقدّسة لعلم الوراثة البشري" وسيوفّر "أداة لا تضاهى لفحص كل نواحي الوظائف البشرية".

من الواضح أن الحرارة في عالم الجينوم لم تكن تتصاعد وإنما بلغت نقطة الغليان، استناداً إلى عدد الاجتماعات والنقاشات التي أجريت في الوقت نفسه تقريباً. في المؤتمر السنوي لمختبر كولد سبرنغ هابر الذي عقد في أوائل حزيران/ يونيو 1986، كان الموضوع عن البيولوجيا الجزيئية للهوموسابيان (Homo Sapiens). وكما أفاد روجر ليوين (Roger Lewin) ، "كان المؤتمر في الواقع احتفالاً بأثر البيولوجيا على فههم الوضع البشري، بما في ذلك الأمراض الوراثية، والسرطان، والتطوّر".

طالما اجتذب مؤتمر كولد سبرنغ هابر الاهتمام، وجمعت النقاشات المكثّفة كبار اختصاصيي البيولوجيا من طائفة من الاختصاصات. كان النقاش حيوياً. وخلافاً للاجتماعات السابقة، التي توجهت أكثر نحو التفكير في كيفية تنفيذ مشروع تحديد سلاسل الجينوم، فإن هذا الاجتماع أبرز الأسئلة والمخاوف.

 

فقد رأى بعض العلماء، مثل ماكسين سينجر من المركز الوطني للسرطان، أن هناك طرقاً أفضل لدراسة الجينوم تشمل مزيداً من الكيمياء الحيوية ومزيداً من النهُج المتعدّدة الاختصاصات على العموم. وعبّر آخرون، مثل دايفد بوتشتاين (David Botstein) من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، عن القلق من أن المشروع سيحوّل كثيراً من الموارد بعيداً عما تبقى من البيولوجيا.

غير أن إغراء البيولوجيا العظيم ورؤية الكأس المقدّسة اجتذبا العديد من العلماء، واستمرّ الدعم في النموّ والتزايد على الرغم من المخاوف. وكانت وزارة الطاقة الجهة التي قادت التوجّه نحو مشروع تموّله الحكومة لتحديد سلاسل الجينوم البشري بأكمله، رغم أن ذلك ربما يبدو انعطافة غريبة إذا لم نكن نعرف التاريخ.

فقد كانت الوزارة تشارك في دراسات علم الوراثة على نطاق واسع، وبخاصة لتقييم آثار الإشعاع وتتبّع النواحي الأخرى لعلم الوراثة البشري التي تركها الباحثون الآخرون وشأنها إلى حدٍّ كبير. كان لدى وزارة الطاقة قائد يتمثّل في تشارلز ديليسي.

كما أن مختبر لوس ألموس الوطني ومختبر لورنس ليفرمور تعاونا في إنشاء مشروع مكتبة المختبر الوطني للجينات الذي أقام أيضاً علاقات مع المختبر الأوروبي للبيولوجيا الجزيئية في هايدلبيرغ لتوفير مستودع لمعلومات سلاسل الدنا. لم يكن كثير من المنشآت يمتلك القدرة على استيعاب المقادير الكبيرة من البيانات التي بدأت تتراكم، ولا معالجة المعلومات عندما تصل. ونتيجة لذلك، أثبت لوس ألموس أنه قائد منطقي لإدارة البيانات.

يمكن أن يلحظ التفسير الخبيث أيضاً أن المختبرات الوطنية في منتصف الثمانينات تعرّضت للانتقاد لأنها لم تفصح عن الأهداف بوضوح ولم يكن لديها حاجة ملحّة للتمويل المستمر.

 

وكان بعض رجال الكونغرس قد بدؤوا يدعون إلى جلسات استماع وربما إنهاء بعض المشاريع. فهل هناك طريقة أفضل لضمان استمرار تمويل المختبرات الوطنية من جعلها مؤسسات لا يستغنى عنها، ومن تركيز جهودها على البحوث التي تتوجّه إلى صميم الحياة نفسها؟

اتفق الباحثون على أن القيام بمشروع تحديد سلاسل الجينوم الواسع النطاق يتطلب ثلاثة تحسينات رئيسية – في تكنولوجيا تحديد السلاسل، ووضع خريطة مادية للجينوم، وإدارة البيانات. وفي حين أشارت التقارير الواردة من اجتماع سانتافي إلى "الحماسة الواضحة"، فإننا نقرأ الآن عن "قلق واضح" من الدور الفاعل لوزارة الطاقة. ومع أن الشكوك استمرّت، فإن النقاش تحوّل إلى أفضل الطرق للسعي في مشروع وطني لتحديد سلاسل الجينوم بتمويل اتحادي، بدلاً من هل نسعى فيه.

تولّت وزارة الطاقة القيادة، ويمكن أن توفّر المختبرات الوطنية المكان والدعم. أثار هذا الاحتمال أسئلة بشأن هل يتلاءم مشروع بيولوجي على نحو ملائم في بيئة تتوجّه تقليدياً نحو العلوم الفيزيائية. وثمة احتمال آخر لدى "معهد هوراد هيوز الطبي" الذي تزايد توجّهه نحو دراسة الأمراض الوراثية، وبخاصة علم الوراثة البشري. وقرّر المعهد إجراء مناقشات في مقرّه في تموز/ يوليو.

ربما تبدو "معاهد الصحة الوطنية" أو "مؤسسة العلوم الوطنية" الراعي الطبيعي لمثل هذا المشروع، وربما بالاشتراك معاً. غير أن العديدين رأوا أن وجود المشروع في مكان واحد ولدى جهة واحدة يتجنّب المنافسة غير الضرورية وهدر الموارد. كما أن التنسيق والتخطيط سيكونان صعبين بما فيه الكفاية من دون الاضطرار إلى العمل في جهتين وثقافتين مختلفتين لأداء العمل. ورأى الباحثون أن تقديم مقادير كبيرة من التمويل المخصص للمهمات في واحدة أو أخرى من هذه الجهات يخلّ جداً بتوازن البحوث فيها.

وينطبق الأمر خاصة على "مؤسسة العلوم الوطنية"، وهي ذات موازنة صغيرة نسبياً تشمل جميع العلوم، حيث إن مشروعاً عملاقاً للجينوم ربما يستنزف التمويل من البرامج الأخرى ويصرف الاهتمام على الأقل عن الأبحاث الأساسية الأخرى. وذلك من مصادر القلق الجدية.

 

عبّر إريك لاندر (Eric Lander) ، من "معهد وايت هيد" في كامبردج، عن تحفّظاته: "يمكننا الشروع في مشروع عملاق. لكن ما نحسن القيام به هو ابتكار الأساليب والتقنيات الجديدة في المشاريع ذات الحجم الصغير. وقد كانت غالبية التطوّرات الأفضل في تقنيات العلوم البيولوجية عرَضية وليست ذات أهداف محدّدة".

أقلق مشروع تحديد السلاسل، الذي يتوقّع أن يكلف ملياري دولار أو أكثر، بعض العلماء، وبخاصة المعتادين على الأبحاث المدفوعة بالفضول والسماح لعملية المراجعة التي يجريها الزملاء بتحديد ما يتم تمويله. أما المبادرة الوطنية فهي نهج مختلف جداً بالنسبة إلى علماء البيولوجيا، ومثل هذه التغيرات صعبة دائماً وليست جيدة دائماً.

استمرت المناقشات سنوات عدة، في حين تقدّم مشروع قانون لتمويل مشروع الجينوم البشري، بقيادة سناتور نيو مكسيكو بيت دومينيشي (Pete Domenici) ، في سنة 1987. سعى دومينيشي، وهو صديق جيد لمختبر لوس ألموس في ولايته، لجعل المشروع وتمويله هناك.

ورأى أن مختبر لوس ألموس يعرف كيف يتولى المشاريع الكبرى، مشيراً إلى مشروع مانهاتن بمثابة دليل على ذلك. غير أن التشبيه "بمشروع مانهاتن" بالنسبة إلى البيولوجيا لم يلقَ صدى طيّباً لدى المجتمع على العموم، ففي النهاية لا يوافق الجميع على أن إلقاء قنبلتين على أهداف مدنية كان نجاحاً مسلماً به.

 

مع ذلك، ضغط دومينيشي لتحقيق مراده. وقرّر ديليسي تخصيص 5.5 ملايين دولار من الأموال الاستنسابية المخصصة لسنة 1987 لدفع مشروع القرار. في غضون ذلك بدأ مدير "معاهد الصحة الوطنية" جميس وينغاردن (James Wyngaarden) التخلي عن التردّد الذي عبّر عنه تجاه المشروع في البداية.

وتولى السناتور القوي إدوارد كنيدي (Edward Kennedy) التحرّك لتمويل مشروع الجينوم البشري، من خلال |معاهد الصحة الوطنية". في النهاية، لم يكن الأمر بحاجة إلى  تشريع خاص، وفي كانون الأول/ ديسمبر 1987 أقرّ الكونغرس تخصيص الأموال لمشروع الجينوم للسنة المالية 1988 من خلال الاعتمادات المخصصة لوزارة الطاقة و"معاهد الصحة الوطنية"، وذهب المبلغ الأكبر إلى المعاهد.