البيولوجيا وعلوم الحياة

علم الأجنة البشري

2013 لمن الرأي في الحياة؟

جين ماينشين

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

البيولوجيا وعلوم الحياة

ركّز نهج التطوّر الناتج على تحديد مراحل التطوّر وتوحيد معاييرها. فترسيخ الانتظام يفي بغرض طبي، إذ لو كان في وسعنا إظهار مخطط لما يفترض أن يكون قياسياً، فسنتمكّن من معرفة ما إذا كان مثال محدّد ينحرف عن المعيار.

يمكن أن يكون ذلك شديد الأهمية. كما أن من المفيد أيضاً التمكّن من إجراء مقارنة بين الأنواع. إذا كانت هناك حيوانات أخرى مماثلة لنا بصورة أساسية، فسنتعلّم الكثير عن الأمور الدقيقة والأعمال الداخلية للتطوّر بفتح هذه الحيوانات الأخرى. وبما أننا لا نستطيع بطبيعة الحال فتح البشر وتقطيعهم، فإن دراسات الحيوانات أداة قيّمة.

أفادت السلالات الخلوية بمثابة مجموعة من الجداول القياسية، ولكن لمراحل التطوّر الأولى فقط، ولبعض الكائنات الحية فقط التي لا تشمل الفقاريات ذات البيوض الداخلية.

وكانت ذات قيمة محدودة إذ لم يتضح بعد ما أهمية تلك المراحل التطوّرية المبكّرة في تطوّر الشكل اللاحق. وهكذا نجد جهوداً محبطة لوضع أوصاف لمتواليات الأحداث القياسية، من خلال سلسلة أوسع من المراحل.

 

وتبدأ هذه بافتراضات أن هناك في الواقع مراحل قياسية وسلسلة قياسية وأننا نستطيع اكتشافها. وشملت تمثيلات النتائج رسوماً وصوراً، فوتوغرافية، وعيّنات محفوظة، ونماذج ثلاثية الأبعاد، في محاولة لجعل النتائج متاحة لاختصاصيي البيولوجيا والممارسين الطبيين.

قام فيلهلم هس (Wilhelm His) بأولى المساهمات الكبرى في فهمنا لتفاصيل علم الأجنّة البشري. صوّرت أول لوحة في كتابه تشريح الأجنّة البشرية (Anatomie Menschlicher Embryonen) في سنة 1880 خمساً وعشرين مرحلة من التطوّر البشري.

من السهل تصوّر هذا الشكل باعتباره سلسلة من اللقطات للجنين نفسه، وكان ذلك المقصود على ما يفترض. أتت كل مرحلة من جنين مختلف بالضرورة، إذ لا يستطيع الجنين مواصلة النموّ بعد قتله وحفظه.

وتشمل هذه المراحل الشهرين الأولين من الحياة، وصولاً إلى المرحلة التي تسمّى فيها المضغة "جنيناً مكتملاً" لأنه يمتلك الآن جميع الأجزاء البشرية وبداية الشكل البشري المعروف (انظر الشكل رقم 5).

 

وقد أوضح مؤرّخ العلوم نيك هوبوود (Nick Hopwood) أن "هس أنشأ علم الأجنّة البشري كما مورس في القرن العشرين". ودرس هوبوود أيضاً سلسلتي النماذج الشمعية وعشر صور فوتوغرافية زجاجية بيعت منفصلة لتصاحب الكتاب الدراسي.

ومن خلال التمثيلات والأوصاف الرائعة، أنشأ هس علم الأجنّة وواصل تسيده باعتباره علماً مثمراً. وقد صاغت تقنياته وممارساته المنهجية اختصاص علم الأجنة البشري الحديث.

مكّنت تقنيات القطع والمشراح الدقيق التي استخدمها هس من الرؤية داخل الأجنّة البشرية على نحو أفضل مما تمكّن أحد من ذلك من قبل. وبما أن القليل جداً من الأجنّة كانت متاحة، فقد جمع هس جميع العيّنات التي تمكّن من إيجادها.

وشمل نهجه تدمير الجنين بأكمله لصالح الشرائح، لذا كان عليه إقناع الآخرين بأن القيام بذلك استهلاك معقول لموارد محدودة. لم يكن ذلك واضحاً للجميع. وكما أوضح هوبوود، كان على هس طلب المساعدة من أشخاص مختلفين وإنشاء شبكة من مورّدي الأجنّة.

كانت العيّنات تأتي من إجهاضات – معظمها طبيعي وعفوي ولكن محرّضة في بعض الأحيان – وتقوم فيها الأم نفسها، أو طبيب، أو داية بالتقاط الجنين وحفظه. ولم يكن من المستغرب أن جميع الأجنّة تقريباً جاءت من الأطباء، لأن من غير المرجّح أن تفكّر الأمهات بمثل هذه الأشياء، وكان من غير المحتمل أن ترتبط الدايات بشبكة جمع الأجنّة أو أن تعتبر جمعها مهماً. ومن دون مكافأة كافية، يكون الحافز للجمع قليلاً. وجاءت بعض العيّنات من تشريح الأمهات الحوامل المتوفيات، من خلال الأطبّاء الذين يقومون بتشريح الجثّة بطبيعة الحال.

 

لكي يجمع هس هذه العيّنات، كان عليه طلب تعاون الأطباء بطبيعة الحال. ولكي يحقّق النجاج، فقد كان عليه أن يضع نفسه في ما أسماه هوبوود "مركز شبكة التوريد المكوّنة من العلماء والأطباء". وكانت حجّة هس، وهي حجة مكّنته من جمع تسعة وسبعين "كنزاً" جنينياً، تقوم على نهج مختلف عما اتبع من قبل.

وكما يشرح هوبوود ذلك ثانية، "إن الطريقة التي ربط بها وسائل حفظ العيّنات ونقلها، والأساليب الجديدة للتحليل التي روّج بها اعتبار منحه المواد واجباً أخلاقياً، تنمّ عن إبداع أكبر من حجم العملية".

كان ذلك ادعاء رائعاً من جانب هس: أن لدى الأطباء واجباً أخلاقياً للمساهمة في بحوثه. وذلك يتطلّب من جانبه ثقة كبيرة بالنفس أو حتى الغرور. لكنه كان مقنعاً وحقّق نهجه النجاح. رأى هس في مقدّمته أن "هذه العيّنات ذات القيمة الاستثنائية يجب أن تخضع لتحليل هدّام باستخدام أحدث التقنيات.

وزعم أن أطبّاء النساء كانوا يهدرون أو يدمّرون "الكائنات الثمينة" التي لديهم امتياز الحصول عليها، وعليهم أن يرسلوها إليه". لكن لماذا يفعلون ذلك؟ لأن هس وافق على تسمية الأجنّة، أو ما أسماه "الرجال الصغار" (Menschlein)، باسم المانح. ليس كما ذكر هوبوود باسم الأم، ولكن باسم الطبيب.

عندما حصل هس على الكنوز الثمينة، حرص على حفظها بشكل ملائم وتثبيتها بحيث تظل مستقرة وتبقى على مر الزمن. وبعد ذلك شرّحها بالأنصال الشديدة الحدّة في مشراحه الدقيق لإنتاج سلسلة من المقاطع العرضية المنتظمة.

 

وأصبح في استطاعته بعد ذلك إعادة تركيب الجنين لإنتاج جنين بأكمله. كان ذلك كلاً جديداً، كلاً قابلاً للمراقبة الفعلية ومكوّناً من أجزاء فحسب، لكنه كلّ مع ذلك. وقد تطلّبت التقنية مهارة كبيرة وافتراضات عديدة، لكن اتبع آخرون مسار هس واتفقوا على أن الافتراضات والعمل المجدّ استثمارات معقولة.

المجاهر المحسّنة، والبارافين لحفظ العيّنات من أجل الحصول على شرائح أرقّ، والأساليب المتقدّمة لإعادة التركيب، ساعدت جميعاً في اجتذاب كادر من اختصاصيي التشريح المهتمين في اتباع هس في علم الأجنّة البشري.

وفي حين كانت هناك خلافات بشأن التفسير، وجمع الأجنّة، وأهميتها، فقد حصل هس على طالبين مهمين على الأقل واصلا عمل تثبيت المراحل البشرية القياسية بل وتقدّما به.

كان تحديد المراحل القياسية مجرّد البداية بطبيعة الحال. فما من سلسلة يمكن أن تكون كاملة تماماً، لذا يجب أن يستمر الجمع والوصف. وبما أن كل عيّنة تتسم ببعض التباينات، فقد كان من الضروري جمع المزيد والمزيد من الأمثلة من أجل جعل سلسلة المراحل معيارية.

وبعد وصفها، يحين وقت دراسة المراحل بالتفصيل من أجل تفسير تركيبها ووظيفتها. وقد تولّى طالبه فرانز كيبل (Franz Keible) جميع هذه الأهداف.

أشار كيبل إلى أن هس كان ينوي التوصّل إلى رواية تطوّر الجسم البشري الكامل، لكن "بمضي الوقت تلاشى الأمل بإنجاز هذه المهمة بمفرده، لذا اقترح أن أتعاون معه في وضع كتاب دراسي عن علم الأجنّة البشري".

 

وكان ذلك كثيراً أيضاً. لكن كيبل بالتعاون مع كورت إلز (Curt Elze) تمكّن من إنتاج سلسة من المراحل القياسية في التطوّر البشري، من نحو اليوم الثاني عشر وصولاً إلى الشهر الثاني. وتلك فترة حاسمة، من الانغراس في الرحم إلى تشكل جميع أجزاء الجسم، بصورة أولية على الأقل، في المرحلة الجنينية. ومع أن هذه السلسلة لا تشمل المراحل الأولى، فإنها مثّلت سلسلة أبكر بكثير وأكثر تفصيلاً بكثير مما كان متاحاً من قبل.

وعلى غرار هس، أشار كيبل إلى تعاون شبكة من الباحثين. وقد عبّر عن ذلك بقوله، "كان لدي أدلة قوية على الغاية التي تلهم اليوم عالمنا العلمي. لقد حرم عدد كبير من الباحثين أنفسهم لفترات طويلة من الوقت من المادة القيّمة التي لم تُتح لهم الفرصة لدراستها دراسة وافية، من أجل احتمال إنجاز عمل أكبر".

في سنة 1910، بحث كيبل مقدار التقدّم الإضافي المحتمل تحقّقه إذ لدينا "اليوم البريد والتلغراف والسكك الحديدية والقوارب البخارية في خدمتنا، ويمكن توجيهها لخدمة العلم". مكّنت هذه الأدوات الجديدة كيبل في ألمانيا من العمل مع أبرز طلاب هس الأميركيين، فرانكلين باين مول (Franklin Paine Mall). وقد تمكّنا معاً من إنتاج كتابهما الرائع دليل علم الأجنّة البشري (Manual of Human Embryology)، وطوّر مول أيضاً، باعتباره أستاذاً في جامعة جونز هوبكنز بين سنتي 1887 و1910، مجموعة من الأجنّة المحفوظة في مؤسسة كارنيجي في واشنطن.

نمت هذه المجموعة في نهاية المطاف لتزيد على 10,000 جنين، وتوجد الآن في المتحف الوطني للصحة والطب التابع لمعهد القوات المسلحة للباثولوجيا، وتم توسيعها مؤخّراً بمساعدة تقنيات التصوير الحديثة باعتبارها "مشروع الأجنّة المرئية".

وفي سنة 1987، أوجز رونان أوراهيلي (Ronan O’Rahilly) وفابيولا مولر (Fabiola Müller) الجهود المبكّرة في وضع المراحل القياسية، وأهديا عملهما إلى ذكرى هس ومول.

في أوائل القرن العشرين، أصبح تحديد ما المقصود "بالجنين" أو "الكائن الحيّ" أقل أهمية من تحديد مقدار تعريف المراحل وقابلية التنبّؤ بها وتحديدها بدلاً من تنظيمها استجابة للظروف البيئية. وقد أجملت الكتب الدراسية لعلم الأجنة البشري المراحل المتتابعة، وركّزت على ظهور الأعضاء والمعالم المرئية مثل الأطراف والوجه. وظلّت المراحل الجنينية المتأخّرة تحظى بالأهمية الأولى بسبب ما هو متاح باستخدام نُهج البحث القائمة وما اعتبره الطبّ مهماً.

 

اعترف كيبل ومول بأنهما يعرفان القليل عن المراحل الأولى: "لا يُعرف شيء في ما يتعلق بتخصيب البيضة البشرية، لكن يمكن الافتراض أنه يحدث بالطريقة نفسها التي تحدث في الحيوانات الأخرى". "ولم تتمّ مراقبة مراحل تقطّع البيضة البشرية حتى الآن"، وما إلى هنالك. وقد قيّدهما ما يمكنهما رؤيته بواسطة قليل من العيّنات المختارة التي لديهما، بدءاً "بالبيضة" في اليوم الرابع عشر، وهي لم تكشف الكثير بحدّ ذاتها.

وفي مراحل لاحقة أصبح بإمكانهما التركيز على الأعضاء التي يمكن التعرّف إليها وتسلسل ظهورها. ومع ذلك فقد لاحظ المؤلفان هنا:

من الواضح أنه لا يمكن إنتاج الكائن الحي السوي النامي تماماً من دون بعض التتابع المنتظم في تطوّر الأعضاء واعتماد متبادل منتظم للعمليات التطوّرية الفردية، لكن لا يزال السؤال مطروحاً إذا كان هذا الاعتماد المتبادل ناتجاً من الفرد والتطوّر المستقل لكل عضو بطريقة تتلاءم مع تطوّر الأعضاء الأخرى، أو ناجماً عن بقايا بنيوية فردية لكائن حي تؤثّر في بعضها بعضاً في أثناء التطوّر لتشكيل الكائن السوي.

 

استخدم هذا الاختصاصيان في علم الأجنّة البشري مصطلحي "بيضة" و"كائن حي" عند التركيز على تتابع الأجزاء والعضو. وتخليا إلى حدٍّ  كبير عن مصطلح "جنين" للاستخدام غير العلمي.

بدلاً من ذلك درس اختصاصيو البيولوجيا "التخلّق الشكلي"، و"تخلّق الأعضاء"، و"النمو"، و"التمايز" ومثل هذه العمليات. وبحلول ستينات القرن العشرين، اختفى "علم الأجنّة" من البيولوجيا إلى حدٍّ كبير، إلى جانب النقاش الصريح للأجنّة، وأفسح هذا المجال الطريق "للبيولوجيا التطوّرية".

وأصبحت تعريفات الموسوعات أكثر تراخياً. على سبيل المثال، تعرّف "الموسوعة البريطانية" الحالية المضغة بأنها "المرحلة التطوّرية المبكّرة للحيوان فيما يكون داخل البيضة أو ضمن رحم الأم.

وينطبق المصطلح عند البشر على الطفل غير الوليد حتى الأسبوع السابع بعد الحمل، ويدعى الطفل غير الوليد جنيناً منذ الأسبوع الثامن".

وكان كل العمل الذي تم على المراحل المعيارية مجرّد بداية فحسب. وظل هناك العديد من الأسئلة حول كيفية تفسير المراحل التطوّرية وما الذي يسبّب التطوّر مع الزمن.