البيولوجيا وعلوم الحياة

قوانين “فون باير” وتفسيرات متعددة لفهم الحياة

2013 لمن الرأي في الحياة؟

جين ماينشين

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

البيولوجيا وعلوم الحياة

قدّم فون باير في كتابه الرائع "حول التاريخ التطوّري للحيوانات" (Über Entwickelungsgeschichte der Thiere) الصادر في سنة 1828 خمس "ملاحظات" أسماها أتباعه قوانين وأوجزوها كما يلي:

1- أن الخصائص الأكثر عمومية لمجموعة كبيرة من الحيوانات تظهر في أجنّتها قبل الخصائص الأكثر خصوصية.

2- من الأشكال الأكثر عمومية تتطوّر الأشكال الأقل عمومية، وهكذا إلى أن تنشأ الأشكال الأكثر خصوصية.

3- كل جنين لشكل حيواني معيّن لا يمر عبر الأشكال الأخرى، وإنما يصبح منفصلاً عنها.

4- لذا، فإن جنين الشكل الأعلى لا يشبه البتة أي شكل آخر من الناحية الجوهرية، باستثناء جنينه فقط.

وأخيراً، "إن تاريخ تطوّر الفرد هو تاريخ تزايد فرديته في جميع النواحي". ودحض فون باير الفكرة بأن الكائنات الحيّة العالية تحاكي المراحل التطوّرية للكائنات الحيّة الدنيا، مثلما أكّد الساعون وراء الوحدة.

ورأى بدلاً من ذلك تباعداً وتمايزاً. وقد أصبح تعبيره المقنع والدؤوب عن هذا الرأي، مستنداً إلى الأدلة الكثيرة المستقاة من ملاحظاته الشخصية، مهماً في النقاشات اللاحقة عن التطوّر.

 

في سنة 1859، أثار تشارلز داروين خلافاً بطبيعة الحال بطرحه نظرية تطوّر الأنواع بالتحدّر المشترك من أسلاف شديدي التباعد. وقد ركّز معظم قرّاء "أصل الأنواع" على تقييم آثاره على مكان الإنسان في الطبيعة.

واعتبر داروين نفسه أن الأجنّة تقدّم إيضاحات لذلك السؤال وأسئلة جوهرية أخرى عن الحياة. ورأى داروين أن استمرار الأعضاء الناقصة التطوّر مثل الزائدة عند البشر، وجوانب من السجل الأحفوري، والبنى المتماثلة (أو المتشابهة شكلياً) في أنواع مختلفة تقدّم جميعاً دليلاً يدعم تفسيره التطوّري.

كان داروين يقدّر علم الأجنّة أيما تقدير. ففي الفصل 13 من كتاب "أصل الأنواع" سأل بالنثر الفيكتوري المعهود: "كيف يمكننا إذن أن نفسّر تلك الحقائق العديدة في علم الأجنّة، وهي الاختلاف العام وليس الشامل بين الجنين والفرد الناضج من حيث التركيب؛ والاختلاف الشديد في المراحل المتأخرة بين أجزاء الجنين الواحد وقيامها بوظائف مختلفة بينما تكون تلك الأجزاء في المراحل المبكرة للنمو متشابهة؛ والتشابه العام وليس الشامل بين أجنة الأنواع المختلفة ضمن الصفّ نفسه وعدم ارتباط الجنين ارتباطاً وثيقاً بظروف حياته، إلا إذا صار الجنين نشيطاً في أي فترة من فترات حياته وتعيّن عليه أن يتعهّد نفسه بنفسه؛ وظهور الجنين أحياناً بمظهر ينم عن درجة من التعضّي أعلى مما للحيوان الناضج الذي ينتهي بتطوّره إليه".

ويستنتج في الواقع، "إني أعتقد أن كل تلك الحقائق يمكن تفسيرها على أساس التسلسل التطوّري بالتحوّل". كما أن "الحقائق الرئيسية في علم الأجنّة، والتي لا يسبقها في الأهمية شيء غيرها في التاريخ الطبيعي، تفسّر على أساس القاعدة التي تقول بأن التحوّرات البسيطة لا تظهر في الأخلاف المتعددة لسلف قديم واحد في فترة مبكّرة جداً في حياة كل منها، ولو أنها ربما تنشأ أصلاً في أولى الفترات، وأنها تورث في فترة ليست مبكّرة كذلك. وتزداد أهمية علم الأجنّة كثيراً خصوصاً ونحن نرى الآن في  الجنين صورة، غامضة نوعاً ما، للأصل السلفي المشترك لكل صفّ كبير من الحيوانات".

بالكشف عن التشابهات لا في تركيبة البالغ فحسب وإنما في المراحل التطوّرية وفي العمليات التطورية أيضاً، أحدث علم الأجنّة ضعفاً شديداً في النظرية التي تفيد بأن كل نوع ينشأ نشأة منفصلة من أجل غرضه المقصود.

 

وبدلاً من ذلك، تقدّم الأدلة الجنينية على التشابهات المتسقة والكبيرة الحجة على وجود سلف مشترك. إذا كانت جميع الأنواع متحدّرة من سلف واحد، فإنه يمكننا أن نتوقّع التشابهات التي نراها. وإذا كان كل نوع ينشأ منفصلاً، فإننا لن نراها. لذا فإن نظريات التطوّر الجديدة ذات السلف المشترك وعلم الأجنّة تتوافق معاً، حيث موضوع كليهما الأشكال المتكشّفة.

في ألمانيا، دافع العالم الطبيعي إرنست هيكل (Ernst Haeckel) عن هذه المقولة. وقدّم رؤية للحياة، بما فيها الإنسان، تقوم على فلسفته عن "المادية الواحدية". كان هيكل دائماً يقوم بمسح واسع بدل مكابدة الساعات في المختبر في مراقبة التفاصيل، وقد سعى للتوصّل إلى تعميمات تعزّز التطوّر.

وكانت أهم النتائج التي تفيد أغراضنا قانونه عن "النشوء الحيوي". أكّد هيكل أن تنشّؤ الفرد (Ontogeny) هو التلخيص (الاستعادة) الموجز والسريع لتطوّر السلالات (Phylogeny). وأن كل فرد يتبع في مسار تطوّره الخاص ويمرّ فعليا بالمراحل التطورية للنوع في تاريخ تطوّره وارتقائه.

وبدلاً من الاستعادة التي تستغرق وقتاً طويلاً بطبيعة الحال، فإن تطوّر الفرد يحدث ببعض الخطوات الملخّصة.

لقيت هذه الفكرة التي عبّر عنها في البداية وبقوة في كتابه "المورفولوجيا العامة" (Generelle Morphologie) جاذبية عظيمة لدى التوّاقين للحصول على وصف وتفسير للتطوّر. تذكّروا أن اختصاصيي السيتولوجيا كانوا في سبعينات وثمانينات وتسعينات القرن التاسع عشر منهمكين في دراسة الخلية وأخذوا يكتشفون للتوّ دور النواة، والتعقيدات البنيوية للسيتوبلازما، وتفاصيل أخرى سرعان ما أضعفت ما اعتُبر تعميمات جامحة لهيكل.

لكنهم كانوا في بداية هذه الدراسة مشغولين في مختبراتهم، في حين كان هيكل في الخارج في الحقل، والأهم من ذلك مع الجمهور. عندما عبّر هيكل عن أفكاره للمرة الأولى، بدا نظامه النظري المثير للإعجاب أنيقاً ومفيداً للكثيرين. ووفّر إطاراً غنياً ومستفزاً لنقاشات الجمهور وجدالاته أكثر مما يمكن أن تقدّمه الأوصاف المخبرية المضمرة المعدّة لفئة قليلة.

 

كانت الصورة التي قدمها هيكل صورة واقعية. ففي وسع قرّائه أن يروا أمامهم متواليات جنينية للعديد من الفقاريات، بما في ذلك الإنسان (انظر الشكل رقم 4).

وقد ظهرت متشابهة تقريباً بالقدر الكافي للقارئ العادي، أما الاختلافات في التفاصيل فبدت أنها تظهر مجرّد تفاصيل. وقد لقي التفسير المقترح استحساناً كبيراً.

يجب أن نتوقّع بطبيعة الحال أن تبدو هذه الأجنّة متشابهة وأن تمرّ عبر المراحل الأساسية نفسها في التطوّر: كانت لديها قضية مشتركة. وتلك القضيّة هي الاستمرارية التاريخية التي يأتي بها التطوّر. ثمة نقاش كبير بشأن هل رأى هيكل بالفعل ما زعم أنه رآه أو هل كان في وسعه ذلك، وهل زوّر بياناته لإنشاء هذه السلسلة من المراحل الجنينية المتشابهة.

وإذا كان قد زوّر البيانات، فثمة خلاف بشأن هل تعمّد فعل ذلك أو أنه كان مقتنعاً جداً بنظريته بحيث رأى الأشياء بتلك الطريقة. ما يهمّنا هو تأثيره، وربما لم يتضرّر تأثيره بهذا الخلاف بقدر ما تعزّز – في أوساط الجمهور على الأقل.

ذهب هيكل إلى أبعد من مجرّد الإشارة إلى التشابهات. وأراد أن يتتبّع التطوّر إلى أبكر المراحل الجنينية المهمة، أو ما يشكّل في الواقع بداية حياة الفرد. وما نجده هو سلسلة من المراحل المبكّرة، وإحداها المُعَيْدة (Gastrula)، وهي الأكثر بدائية على الإطلاق.

رأى هيكل أن جميع أجنّة الحيوانات تبدأ بالمُعيدة، وتنقسم بعد ذلك إلى "طبقات منتشة". وكان هيكل مقتنعاً بأن المُعيدة هي أولى المراحل التطورية المهمة. قبل ذلك تكون البيضة مادة فحسب، والطبقات المنتشة هي التي تبدأ بتحديد الجنين وتمنحه الحياة.

وهذه الفكرة متوافقة مع الرأي التقليدي بأن حياة الفرد تبدأ في اليوم الأربعين أو نحو ذلك. أشار هيكل إلى المُعيدة والمراحل التالية بدلاً من ذلك واقترح أنه في الشهر الأول توجد المادة فحسب، والتغيّر النمائي الذي ينطوي على النموّ.

بل إن هيكل افترض وجود كائن حي أول في التطوّر: المَعِدية (Gastrea). وتبدو نظرية المَعدية بسيطة على نحو سخيف اليوم، كما بدت حتى في ذلك الوقت. مع ذلك فإن العديد من الأشخاص اشتركوا في الرغبة في اكتشاف نقطة بداية مادية لكل حياة فردية. وقد منح هيكل الجنين ما رأى أنه سبب مادي دافع من خلال التطوّر، إذ إنه اعتقد أن قوة التاريخ محشوّة في تلك المَعدية في الواقع.

 

وهي تتكشّف وفقاً لاتجاهها المادي الداخلي. ومن ثم يوفّر التطوّر بيئة تدعو إلى التكيّف، وكل خطوة من خطوات التطوّر تضيف هذه التكيّفات إلى نهاية التطوّر. ظلّت المراحل المبكّرة على حالها أساساً، على الرغم من أنها ربما تتقدّم بسرعة أكبر في أوائل التطوّر مما يمكن أن يتوقّع من خلال تاريخ النوع.

ولا تعرض التغيّرات المهمّة إلا في النتيجة النهائية. كانت نظرية هيكل خلاّبة في عدد من الوجوه. فقد ولّدت كثيراً من النقاش الحيوي، وحثّت على دراسة الأجنّة، واجتذبت اهتماماً شعبياً واسعاً في ألمانيا والولايات المتحدة، وأثارت التنازع من اتجاهات عدة.

رفض النقّاد مثل فون باير تفسير هيكل للتلخيص وتشديده على التشابهات في علم الأجنّة. وكان فون باير متأكّداً من أن دراسته التجريبية المتأنية بيّنت من دون شك أن المراحل المبكّرة تتفاوت تفاوتاً كبيراً وأنها ليست متشابهة. و

رأى في نظرية هيكل نسخة جديدة من نظرية التلخيص القديمة التي كان يحاربها قبل عقود. كما رفض فون باير تفسير هيكل التطوّري المادي لصالح التخلّق. فالتطوّر بالنسبة إلى فون باير لا يقدّم إجابات سهلة عن أسباب التخلّق الجنيني.

تحدّى مراقبون آخرون مهتمّون إصرار هيكل على أن المُعيدة هي المرحلة التطوّرية الأولى المهمة. وتساءلوا لماذا لا نعود إلى البداية – أي بداية الكائن الحي الفردي. لماذا نبدأ فقط بالمُعيدة والطبقات المنتشة عندما يكون من المعقول الافتراض بأن البنية الخلوية المبكّرة وتشطّرات الخلية قد تكون مهمّة أيضاً لتطوّر الجنين. لماذا لا نبدأ بالبيضة المخصّبة الأحادية الخلية؟ لا يعني ذلك أن الشكل أو الحياة تبدأ بهذه النقطة، وإنما أن الأساس المادي للحياة يبدأ باتحاد النطفة والبيضة. وظل التنافس بين التشكّل المسبق والتخلّق المتوالي ومن سيسود مسألة مفتوحة.

 

برزت مجموعة من الباحثين الدقيقين الذين يحدّقون عبر مجاهرهم لساعات وساعات، يوماً بعد يوم في أثناء موسم التوالد، عندما يستطيعون دراسة أجنّة العديد من الكائنات الحيّة في الوقت نفسه. وتتبّع بعض الباحثين سلالات الخلايا، متسائلين عما يحدث في كل خطوة على طريق التطوّر. ماذا يحدث عندما تنقسم خلية البيضة إلى اثنتين، أو إلى أربع؟ ما أنماط التشطّر أو الاستدارة أو التفاصيل الأخرى التي يمكن أن نراه

كان الأميركيون الباحثون الروّاد في السلالات الخلوية، وقد تجمّع معظمهم في المختبر البحري البيولوجي في وودز هول، ماساتشوستس، في صيفيات تسعينات القرن التاسع عشر. قاد تشارلز أوتيس ويتمان (Charles Otis Whitman) طلابه وزملاءه الصغار في إجراء دراسة مقارنة للأجنّة. وكانت أجنّة اللافقاريات البحرية هي المفضّلة لأنها تتوافر بسهولة، وتتطوّر خارج الجسم، وتسهل مراقبتها. وتقوم الفكرة على أنه إذا ركّز ما يكفي من الباحثين الأفراد على ما يكفي من أنواع الكائنات الحيّة المختلفة، فستكشف بيانات المقارنة الجماعية أنماط التطوّر ومقدار التشابهات والاختلافات.

بدا ذلك فكرة عظيمة، لكنها تتطلّب قدراً كبيراً من الجهد المتقن. كما أن مثل هذه الدراسة تتطلّب عدداً من الافتراضات الأساسية بشأن ما تتم رؤيته من خلال المجهر بالفعل. فبعض الكائنات الحية ذات بيضة كبيرة وشفّافة، ومن الممكن إعداد مجهر بضوء طبيعي ورسم التغيّرات التي تحدث على سطوح خلايا هذا النوع وحتى داخلها، مع أن ذلك ليس مثالياً. وهناك بيوض أخرى غير شفّافة تماماً، حيث لا يُرى منها إلا السطح الخارجي. وينطوي توثيق التفاصيل الداخلية على قتل العديد من البيوض وتثبيتها وحفظها ثم فحصها. وذلك عمل دقيق لأن مراقبة انقسام كل خلية يتطلّب إعدادات مختلفة.

كما أن البيوض لا تنتظر الوقت الملائم من اليوم لتبدأ التطوّر. فهي تبدأ عندما تخصّب. وقد اكتشفت زوجات العديد من اختصاصيي البيولوجيا أن قضاء الصيف في وودز هول يعني المجيء في كل الأوقات إلى المختبر، إذا أردن أن يشاهدن أحباءهن، أو الانتظار في البيت بمفردهن.

ولاحظت زوجة ويلسون أنها رغم اكتشافها أن هذا التعدّي على حياتهما الزوجية الجديدة الخاصة "محزن جداً"، فقد فُهم أنه جزء من العمل وتم القبول به. وكان على الأزواج الاعتياد على المتطلّبات أو عدم استمرار العلاقة.

 

كانت نتيجة كل هذا العمل مشوّقة. فقد أظهر التطوّر الجنيني كثيراً من الاختلافات، وليس سلسلة من التشابهات الأنيقة. فبيوض الأنواع المختلفة تنقسم بشكل مختلف، بل إن الأجنّة الفردية ضمن النوع نفسه قد تتصرّف بطريقة مختلفة في بعض التفاصيل. بعض الانقسامات مرتّبة ومنتظمة، وهناك انقسامات أخرى حلزونية؛ بعضها ينتج عنه خلايا من الحجم نفسه، وبعضها أصغر بكثير، وبعضها الآخر أكبر بكثير.

وهكذا يسود تنوّع وتعقيد كبيران في العالم الطبيعي. مع ذلك اتضح أن أول انقسامات الخلايا كان مهماً للتطوّر اللاحق. فالتشطّر الأول يمكن أن يؤثّر في أنماط وتفاصيل الخطوات التطورية اللاحقة حتى إذا لم تكن الخلية قد تشكّلت بالفعل وأن الحياة تبدأ لاحقاً. كما اتضح من كل هذا الفيض من الاستقصاءات والبيانات الناتجة أن تعميمات هيكل المبسّطة كانت تشوبها عيوب خطيرة – وهي ليست شديدة البساطة ليس إلا، ولكن خاطئة.

الأمر لا يتعلّق بأن كل شكل فردي ينشأ فقط عند المرحلة المُعيدية مدفوعاً بالتطور، بل إن الانقسامات الخلوية المبكّرة مهمة أيضاً. ونظراً إلى أن هذه الانقسامات المبكّرة غير متشابهة جميعاً في الأنواع المختلفة، فإن فريق السلالة الخلوية رفض التلخيص التطوّري باعتباره تفسيراً لتخلّق الجنين الفردي.

كان ذلك عملاً بيولوجيا مشوّقاً ومهماً، وقد وضع الأساس للبيولوجيا التطورية اليوم. مع ذلك فإن كل الأوصاف التي أنتجت في تلك السنوات لم تؤّد في النهاية إلى نقل علم الأجنّة بعيداً، ولم تسهم مباشرة في إجماع على متى تبدأ الحياة.

وكان من الصعب تفسير النتائج. ومع أنه اتضح أن تطوّر السلالات لا يُحدث مادياً تنشّؤ الفرد بأي طريقة مباشرة أو مفيدة، فقد ظل ما يحدثه غير واضح. وترك هذا الغموض مجالاً واسعاً لمزيد من النقاش.

 

بحلول أوائل القرن العشرين، كان اختصاصيو البيولوجيا قد عدّلوا مذهب التشكّل المسبق (ينظر إليه الآن من خلال المادّة الوراثية المحدّدة سلفاً والتي تمرّر من الوالدين إلى النسل عبر الجسيمات الموروثة التي تسمّى جينات) والتخلّق المتوالي (التكشّف المادي "للمناطق المنتشة المشكّلة للأعضاء" المسبقة التنظيم أو التعبير عن "الأقدار" ذات الصلة عن طريق الخلايا والطبقات المنتشة). وقد مثّل تحديد التوازن بين التوجيه المسبق والظهور بالتخلّق المتوالي ما عبّر عنه أوسكار هيرتويغ في عنوان كتابه المشكلة البيولوجية اليوم (The Biological Problem of Today). وفيما كان اختصاصيو البيولوجيا يحفزون الكائنات الحيّة النامية من مرحلة الخلية المنتشة وصولاً إلى الإخصاب ويشرّحونها ويقطّعونها، بدؤوا يحدّدون ما بدا شبيهاً بمراحل مستقرّة أسموها "تُويتة" (Morula) و"أريمة ثنائية الطبقة" (blastula) و"مُعيدة"، وما إلى هناك.

ربما تكون مراحل التخلّق الجنيني عملية منتظمة ويمكن توقّعها، حتى ولو لم نتمكّن من رؤية كل خطوة على الطريق وتفسيرها. وبدا أيضاً أن من غير المهم نسبياً ما كان يسمّى "جنيناً" أو ما كان يعتقد أنه المجال الدقيق لعلم الأجنّة. متى تصبح البيضة المخصّبة مضغة ومتى تصبح المضغة جنيناً، أو ما هو تعريف الجنين؟

لم يكن من الواضح أنه يهمّ كثيراً، وتراجع الاهتمام بالتخلّق الجنيني أمام التفكير في ظهور الشكل، أو التخلّق على العموم. تراجعت أهمية "الجنين" كأنه نوع من رقم غير مهم، وبرزت سلسلة من المراحل والأنماط وعمليات التغيير المحدّدة.