الفيزياء

انعراج الأشعة السينية وبنية البلورات

2013 الرمل والسيليكون

دنيس ماكوان

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الفيزياء

عندما نذهب إلى المتجر الكبير، كل سلعة لها رمز خطي أحادي البعد من تتابع خطوط مطبوعة عليها للتمييز. إنها الطريقة التي يتعرف من خلالها الماسح الليزري عند صندوق الخروج على المشتريات.

وفي البيولوجيا وإلزامية القانون، يولّد تتابع الحمض الريبي النووي DNA رمزاً خطياً مشابهاً يمكن استعماله كوسائل تعرُّف (التمييز). يُمثَّل كل خط جزءاً مختلفاً من الحمض الريبي النووي DNA يمكن التعرُّف عليه من خلال موقعه على الشريط حيث يكون نموذج الخطوط وحيداً في كل عينة.

إن الرمز الخطي في علم المواد هو انعراج الأشعة السينية على المسحوق حيث تُسجَل شدة الأشعة السينية المنعرجة من عينة تتألف من ملايين البلورات الميكروية الموجهة عشوائياً (تسمى المسحوق) بدلالة زاوية الانعراج.

ويعطي ذلك تتابعاً وحيد البعد من انعكاسات براغ. وعندما يتم تصنيع مادة جديدة، يتم على مسحوقها الحصول على مخطط انعراج الأشعة السينية الذي يشكل توصيفاً وحيداً للمادة.

تكمن الفكرة الأساسية خلف انعراج الأشعة السينية في تداخل الأمواج. اعتبر لورنس براغ مستويات الذرات وكيف تتداخل الأمواج المنتثرة عن المستويات المتجاورة والمتوازية.

يبين الشكل 1.2 البنية الهندسية التي تُظهِر انعراج الأشعة السينية.

 

وتنتثر الأشعة السينية ذات طول الموجة "λ" عن مجموعة من المستويات المتوازية التي تفصل بينها مسافة "d" ويبين الشكل الموجة الناتجة المنتثرة عن كل مستوي.

هناك زاوية وحيدة تدعى زاوية براغ (Bragg) حيث تكون الموجة المنتثرة عن المستوي الثاني خلف الموجة المنتثرة عن المستوي الأول بمقدار نصف طول موجة تماماً كما يوضح الشكل. ونتيجة ذلك، تنطبق قمم وقيعان الموجتين المنتثرتين ويقال أن لهما نفس الطور.

وستكون الموجة المنتثرة عن كل مستوي لاحق في البلورة متأخرة في الطور بمقدار نصف طول موجة إضافي، كما ستزداد سعة الأشعة السينية المنتثرة مع عدد المستويات. ومن أجل زوايا أخرى، سيكون الانتثار عن المستويات المختلفة خارج الطور ولن ينتج عن ذلك زيادة في الانتثار لأن بعض الأمواج ستحذف أمواجاً أخرى. تسمى العلاقة الرياضية بين طول الموجة والمسافة بين المستويات والزاوية التي تؤدي إلى أشعة سينية في نفس الطور بقانون براغ (Bragg).

كما نوقش في الفصل 1، توصف بنية البلورة بواسطة مواقع الذرات في وحدة بناء تدعى وحدة الخلية.

يبين الشكل 2.2 بنية عنصر السيليكون الذي يمتلك نفس بنية الألماس حيث تكون وحدة الخلية مكعباً يحتوي ثمان ذرات سيليسيوم (تشترك الذرة على وجه وحدة الخلية بين وحدتي خليتين متجاورتين وتحسب كنصف ذرة، وبالقياس، تشترك الذرات على رؤوس الخلية بين ثمان وحدات خلايا وتحسب كثمن ذرة).

عندما تدور الخلية، يكون هناك اتجاهات حيث يوجد مستويات ذرات مماثلة لتلك التي نوقشت فيما سبق في وصف قانون براغ.

 

يعطي الشكل 2.2 المستويات العمودية على ثلاثة اتجاهات مختلفة في المكعب وتتضمن قطر المكعب وقطر الوجه ورؤوس المكعب.

لتحديد البنية البلورية لمادة، تقاس شدة الأشعة السينية المنعرجة عند زوايا الانعراج الموافقة لأكبر عدد ممكن من المستويات. وفي النماذج الحديثة لجهاز انعراج وليام براغ، يتحكم حاسوب بحركة المحرك الذي يوجه كل من البلورة وكاشف الأشعة السينية لتحقيق قياس متتابع لشدة الانتثار عن المستويات المختلفة.

من أجل بلورات أقل تعقيداً، يمكن استعمال مجموعة من البلورات الميكروية عشوائية الاتجاه (عينة متعددة البلورات أو مسحوق). ومع زيادة الزاوية، سيتم معاينة سلاسل من انعكاسات براغ (Bragg) عندما تحقق قانون براغ مستويات ذرية مختلفة في بنية بعض البلورات الميكروية.

ويسمى ذلك نموذج انعراج الأشعة السينية على المساحيق. يبين الشكل 3.2 نماذج انعراج الأشعة السينية (رموز خطية) لعنصر السيليكون والكوارتز (الرمل).

 

ومن زوايا الانعراج المقاسة، يتم باستعمال قانون براغ، حساب مجموعة من المسافات الشبكية "d" ويستنتج مختصو علم البلورات بدورهم أبعاد وتناظر وحدة الخلية التي تُفسِّر بشكلٍ وحيد كل المسافات "d". وتُحدَّدْ المجموعة الفضائية ومواقع الذرات في وحدة الخلية بواسطة تحليل الشدات النسبية لانعكاسات براغ المختلفة.

على سبيل المثال، توافق المسافة "d4" في الشكل 2.2 المستويات الذرية التي تفصل بينها مسافة ربع ضلع وحدة الخلية، a/4، حيث يمثل a طول ضلع وحدة الخلية.

ورياضياً، يوجد مستويات يفصل بينها مسافة قدرها a أو a/2، لكن المستويات المتباعدة بمسافة a/2، يوجد بينها مستويات في منتصف المسافة. وتكون الأشعة السينية المنعرجة عن هذه المستويات نصف طول موجة تماماً خلف ذرات المستويات المتباعدة بمسافة a/2.

وتكون قممها وقيعانها متعاكسة تماماً مما يؤدي إلى انعدام الانعراج عن المستويات الذرية المتباعدة بمسافة a/2. وبالنتيجة، تكون شدة انعكاس براغ الموافق للمسافات a/2 معدوماً. ويُظهِر تحليل مماثل أن شدة انعراج براغ الموافق للمستويات المتباعدة بمسافة a تكون أيضاً معدومة.

لتحديد البنية البلورية للألماس، حلّل براغ الأب والابن منهجياً كل انعكاسات براغ الممكنة في وحدة خلية مكعبة لمعرفة أي منها يمتلك شدة قابلة للقياس وأي منها معدوم الشدة. ومع أن ذلك يشكل معضلة رياضية، فقد وُجد بالتجربة والخطأ حل وحيد.

 

أما اليوم، فإن برامج حاسوبية متطورة تختار بين الحلول الممكنة للمعضلة وتجد أفضل توافق بين انعكاسات براغ المُعايَنة وتلك المحسوبة من أجل نماذج مختلفة. استنتج براغ الأب والابن أن بنية الألماس تمتلك شبكة برافي مكعبة متمركزة الوجوه.

يُعرَّف موقع ذرة تبعاً لثلاث إحداثيات x و y و z تعطي الموقع على شكل نسبة من أبعاد وحدة الخلية وفق محاورها الثلاثة.

وفي شبكة برافي مكعبة متمركزة الوجوه، إذا كان هناك ذرة في (x,y,z)، فإن التناظر يتطلب وجود ذرات في (1/2+x,1/2+y,0) و (1/2+x,0,1/2+z) و(0,1/2+y,1/2+z).

وبعد كثير من التجربة والخطأ، وجد براغ الأب والابن أن بنية الألماس تمتلك ذرة في (0,0,0) وذرات تنتج عن الشبكة متمركزة الوجوه في المواقع (1/2,1/2,0) و (1/2,0,1/2) و (0,1/2,1/2).

كان هناك أيضاً ذرة في (1/4,1/4,1/4) والمواقع المكعبة متمركزة الوجوه (3/4,3/4,1/4) و (3/4,1/4,3/4) و (1/4,3/4,3/4) (انظر الشكل 2.2 للسيليكون).

 

فسر هذا النموذج للبنية البلورية للألماس كل مشاهداتهما، وتنبأ بانعكاسات براغ التي تمتلك شدة قابلة للقياس وتلك ذات الشدة المعدومة.

في بنية الألماس أو السيليكون، تقع كل الذرات في مواقع توافق نسباً بسيطة من أبعاد الخلية وتسمى مواقع خاصة. وكان ذلك صحيحاً من أجل بنى عديدة أخرى حددها براغ الأب والابن في أعمالهما الأولى مثل كبريت التوتياء (ZnS) وNaCl وKCl. ومع ذلك، فإن بنية الكوارتز تعتبر أكثر تعقيداً كما يبين مخطط انعراج المسحوق في الشكل 2.2، وتمتلك هذه البنية (الشكل1.7) ذرات لا تحتل مواقع جميعها ذات نسب بسيطة من أبعاد وحدة الخلية.

إن الذرات لا تقع بعد تماماً على مستويات بسيطة، وهكذا، فالانتثار عن الذرات في وحدة الخلية يمكن إما أن يُجمع أو أن يُحذف من الانتثار الإجمالي عن مستوى معين.

 ولحل بنية الكوارتز، كان على لورنس براغ و ر. ي. جيبس أن يحسبا كيف تتغير شدة كلٍ من انعكاسات براغ المعاينة من أجل القيم المختلفة (x,y,z) لذرات السيليكون والأوكسجين على السواء.

وبعد محاولات متعددة، وجدا مجموعة من القيم التي كانت منسجمة مع كل القياسات. وقد وُصفت هذه البنية في الفصل 1.

وحيث حاول مختصو علم البلورات حل بنى مواد متزايدة التعقيد، بدا واضحاً أن هذا النوع من البحث عن بنية تُفسِر بشكلٍ وحيد قياسات الانعراج بالاعتماد على التجربة والخطأ أصبح أكثر وأكثر صعوبة. ومرة أخرى، أدرك لورنس براغ، بناءً على معرفته في الضوء، أنه يمكن استعمال تحليل فورييه (Fourier) لتحديد بنى البلورات (يوجد مثال على تحليل فورييه على الموقع: http://www.ysbl.york.ac.uk/~cowtan/fourier/ftheory.html).

 

وتُستعمَل عملية رياضية تسمى تحويل فورييه لتحويل مجموعة سعات كل انعكاسات براغ إلى خريطة ثلاثية الأبعاد للكثافة الإلكترونية في وحدة الخلية. وبما أن الأشعة السينية تنتثر عن الإلكترونات في الذرة، تبين الخريطة مباشرة مواقع الذرات في البنية حيث يوجد تركيز كبير من الإلكترونات.

وتكمن المشكلة في أن تجربة انعراج الأشعة السينية تقيس الشدة وأن الشدة هي مربع السعة. وتوصف الموجة بواسطة سعة وطور يقيس كمية تقدم الموجة في أي لحظة معينة بالنسبة لنقطة اعتباطية. ولحساب تحويل فورييه، يحتاج الأمر إلى كل من السعة والطور.

ويركز تاريخ حيز علم بلورات الأشعة السينية منذ عام 1920 على محاولة إيجاد طرائق لتحديد طور الانتثار عن كل انعكاس من انعكاسات براغ.

في أول تطبيق لتحليل فورييه، تم حل بنية فلز الديوبسايد CaMg(SiO3) 2 من قبل لورنس براغ وبيرتروم وارين (Bertrum Warren) عام 1926. لقد حسبا مسقطاً أحادي البعد لفورييه على واحد من الاتجاهات الرئيسية في وحدة الخلية وتطلب ذلك 35000 عملية حساب يدوية.

وخلال الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين، تم تطوير عدة مساعدات ميكانيكية وأنواع أخرى من وظائف الإسقاط لتسهيل تحديد بنى المواد المعقدة ذات الذرات المستقلة المتعددة ووحدات الخلايا ذات الأبعاد المتزايدة باضطراد. وباستعادة الأحداث، قام مختصو علم البلورات، خلال الثلاثينات والأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، بحل عدد ملحوظ من بنى البلورات المعقدة بالاعتماد بدرجة كبيرة على حدسهم ومعرفتهم للكيمياء البنيوية.

 

يعتبر تحديد بنية الطور ألفا لمعدن البلوتونيوم ضمن مشروع مانهاتان خلال الحرب العالمية الثانية (Zachariasen and Ellinger 1963) واحداً من الأمثلة التي أُعجِبت بها على الدوام. ومن أجل فهم كيمياء هذه الأجهزة الجديدة المصنّعة، كان يجب تحديد البنى البلورية لأجهزة اليورانيوم ومركباته الكيميائية.

وبما أن البلوتونيوم كان يحضر فعلاً ذرة ذرة في مفاعل نووي، فقد توفر في البداية عينات صغيرة متعددة البلورات فقط، وقد حل و. ه. زكرياسن البنية بالاعتماد على مخطط انعراج المسحوق. ونظراً لتعقيد البنية، فإن شدات عدد من انعكاسات براغ التي تظهر عند زوايا صغيرة لم تكن قابلة للمعاينة.

وفي العادة، يتم تحديد وحدة الخلية بالاعتماد على انعكاسات براغ التي تظهر عند زوايا صغيرة. وقد كان زكرياسن قادراً على تحديد وحدة خلية أحادية الميل (monoclinic) للبلوتونيوم ألفا وبالتالي بنيته غير الشائعة. في بلورية أحادية الميل، تكون أبعاد وحدة الخلية الثلاثة مختلفة وتكون واحدة من الزوايا بين المحاور غير مساوية لـ 90°.

 

لقد كانت نشرتي العلمية الأولى بالتعاون مع زكرياسن عام 1961 حول بنية معدن الأميريسيوم (americium) الأكثر بساطة والمكون التالي بعد البلوتونيوم في الجدول الدوري ، كما كانت على الدوام تجربة متواضعة في مشاهدته يحل البنية البلورية بالتجربة والخطأ.

وغني عن القول أن تطوير الحاسوب قد فتح الباب أمام حلّ بنى المواد المعقدة حقاً مثل البروتين. ولم يمكِّن ذلك فقط حساب الكثافة الإلكترونية بعدما تكون الأطوار قد تحددت وإنما سمح لمختصي علم البلورات في أمثَلَةْ معاملات الموقع لكل الذرات في وحدة الخلية.

يقترح مختصو علم البلورات نموذجاً لبنية المادة، ويقومون، بعدئذٍ، بحساب سعات انعكاسات براغ المنتظرة في ذلك النموذج. تقارن السعات المحسوبة بعد ذلك مع السعات المقاسة. وباستعمال حواسيب عالية السرعة، ومن أجل الحصول على نموذج البنية الأكثر دقة، يُصغِّر مختصو علم البلورات الفوارق بين السعات المعاينة والمحسوبة.

كان عام 2012 الذكرى المئوية لاكتشاف انعراج الأشعة السينية الذي أزاح النقاب عن هندسة عمارة عالم الذرة من المركبات البسيطة وحتى المواد البيولوجية المعقدة وأثبت أنه أكثر الاكتشافات العلمية أهمية خلال القرن العشرين.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق