علم الفلك

نظرية “موجة الكثافة” وكيفية ترابط النجوم بين بعضها البعض داخل المجرة الواحدة

1996 نحن والكون

عبد الوهاب سليمان الشراد

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

نظرية موجة الكثافة النجوم المجرة كيفية ترابط النجوم بين بعضها البعض علم الفلك

ولقد أثبت الأمريكان سي لين C. Lin وفرانك شوF . Shu  نظرية موجة الكثافة رياضياً وعززاها بالقوانين الرياضية في منتصف الستينات. 

وافترضا إن موجات الكثافة العابرة خلال قرص المجرة تحدث تكدساً مؤقتاً للمادة ، بمعنى أن الأذرع الحلزونية تمثل في واقعها تضاغطاً وتكدساً مؤقتاً للمادة في المجرات .

ولتقريب ذلك  يمكن تخيل عدد العاملين وهم يرسمون خطاً على طريق سريع مزدحم الحركة. 

وعادة ما تتحرك سيارات عليه بسرعة تعادل 88 كم / ساعة ، إن تواجد العمال سوف يتسبب في اختناق مروري مؤقت أو ما يعرف بعنق زجاجة مؤقت . وفي هذه الحالة يتوجب على السيارات أن تبطئ من سرعتها مؤقتاً لكي تتجنب الاصطدام .

 

وإذا ما اطلعنا على منطقة عنق الزجاجة من مكان عالي فوقها سوف نشاهد ازدحاماً ظاهراً من السيارات حول عمال الصباغة، وتحتاج كل سيارة في الواقع فترة زمنية قبل أن تعاود سرعتها الاعتيادية.

ورغم أن الاختناق المروري يستغرق معظم النهار في تلك المنطقة ، ويؤثر على الطريق الذي يسبقه ، إلا أنه الاختناق المروري الذي يمكن مشاهدته بيسر من طائرة يمثل تكدساً مؤقتاً للسيارات في موقع محدد .

ولكي نربط ذلك بموجات الكثافة، و ماذا تعنيه ؟ وما يحدث في المجرة مما قد يتشابه مع عمال الطريق السريع ؟ وذلك على الرغم من أننا لانزال بعيدين عن الإلمام التام بما يحدث. 

 

وفي 1973ساهم اغريس كالنايس A-Kalnais  بإحداث تطور مثمر في هذا المجال، وقبل أن نخوض في ذلك يتوجب علينا أن نفهم وندرس حركات النجوم داخل المجرة بتمعن.

عند النظر الى صورة ضوئية للمجرة، سوف تظهر النجوم وكأنها متكدسة قليلاً في الصورة لكن هناك في الحقيقية فضاء واسعاً يفصل بين كل نجم وآخر.

 

وقد تبلغ المسافة الفاصلة بين النجوم حداً من البعد تصبح معه الاصطدامات بينها شبه معدومة ، وبدلاً من وقوع التصادم تدور جميع النجوم حول مركز المجرة بمدارات تكاد أن تكون ثابتة وفق نظام رائع ، وذلك يماثل تماما دوران الكواكب السيارة حول الشمس .

وعودة الموجة في الوسط المائي ، نجد أن أية موجة Wave تمثل في حقيقتها تبدلاً عن حالة التوازن ، فالاضطراب يبدأ في الموجة المائية وذلك بأن يجعل جزيئات الماء يدفع بعضها بعضا ، وتقوم كل موجة بدفع الموجة التي تليها والتي بدورها تدفع التالية لها وهكذا دواليك .

وبذلك سيدور كل جزيء ماء بمدار بيضاوي صغير ، وذلك عندما يتحرك النموذج الموجي عبر سطح الماء بيسر.

 

وعند دراسة إحدى المجرات فإننا نجد أن المسافات الفاصلة بين نجومها عادة ما تكون شاسعة، إلا أن ذلك لا يمنع من وجود ترابط بين تلك النجوم وباقي أعضاء المجرة من خلال قوه الجاذبية gravity ، فكل نجم قادر على تبين مجالات جاذبية النجوم الأخرى.

وفي الموجات الضوئية والمائية تُعد القوى الجزيئية هي المسؤولة عن التناغم الموجود في حركات الجزئيات.

وفي المجرات تهيمن قوى الجاذبية على التفاعلات والعلاقات التي تحدث بين النجوم المنتشرة هناك.

 

وإذا لم يواجه أي من نجوم المجرة مؤثر تشويش ما على مسارها ، فإنها تدور حول مركزها في مسار يكاد أن يكون تام الدائرية، وإذا حدث ووجد هناك نوع من الاضطراب والتأثير فإنها  تندفع قليلاً بعيداً عن مسارها المتعادل .

ويماثل ذلك كثيراً تأرجح جزيء الماء صعوداً وهبوطاَ على السطح المائي ، وعند ذلك سوف يتذبذب النجم بمداره الأساسي إلى الأمام وإلى الخلف .

وتعرف المحصلة النهائية لهذه الحركة بالموجة الحركية kinetic wave ، ويلاحظ أن المدار النهائي للنجم في الموجة الحركية يتخذ شكلاً اهليجياً مائلاً precessing ellipse . 

ويدل ذلك علي أن النجم يتذبذب بسلاسة حول شكل اهليجي يتحرك على طول مداره الأصلي ، ويكون المسار الفعلي للنجم الذي يمكن تتبعه بيسر اهليجياً مائلاً. 

 

ومما لا شك فيه أن جاذبية ذلك النجم تؤثر في حركات الأجرام المجاورة، و يؤدي ذلك بدورة إلى انتقال اضطراب الموجة – أو الحركة الأصلية من مدار نجمي إلى آخر وهكذا تباعاً.

واستطاع كالنايس إدراك معلومات مهمة عن مدارات النجوم تظهر انتظامها من عدمه ، فعندما تكون المدارات غير منتظمة تماماً أي عشوائية تماماً.

فإن محصلة المسارات سوف تكون مماثلة لنصف الأيسر من الشكل الذي رسمه كالنايس والاحتمال الثاني هو أن مسارات النجوم تتوزع بشكل منتظم ، ولكن لنفرض أن هناك علاقة وثيقة بينها ، وأن كل مدار اهليجي مائل ينحرف بزاوية محددة عن المدار القريب لها .

 

وفي ذلك الوضع تكون المحصلة مماثلة للنصف  الأيمن من شكل كالنايس ، وهذه النتيجة هي الظاهرة في التوزيع الفعلي للنجوم في المجرة. ويبدو في المحصلة النهائية لتلك المدارات مقدار روعة النموذج الحلزوني المثير .

وتبين عدد من أشكال رسوم كالنايس الحلزونية، أن النماذج الحلزونية تنشأ من المناطق التي تكون فيها الأشكال الحلزونية متقاربة لبعضها .

ونحن ندرك أن النجوم موزعة في كل أرجاء المجرة، فيما يخص المدارات التي لها علاقة مترابطة ببعضها، فالنجوم المتحركة خلالها تتقارب من حين لآخر من بعضها، متبعة مسارات حلزونية منحنية كبيرة.

ورغم ذلك يتوجب علينا أن ندرك أنه مع تواجد النجوم فإن المدارات تتجه لأن تكون متقاربة عبر مسارها لأطول مسافة ممكنة.

 

وقد يرتفع عدد النجوم المتقاربة في بعض الأحيان في موضع محدد، وتحدث الزيادة المؤقتة تأثيراً جلياً في غاز وغبار ما بين النجوم.

فنتيجة لوجود أعداد إضافية من النجوم يحدث ارتفاع في الحدث التثاقلي gravitational attraction  على طول الذراع الحلزوني .

ولن يظهر لذلك الجذب تأثير بين في النجوم عالية الكتلة التي تواصل حركتها على طول مسارها الأساس. 

 

ولكن التأثير سوف يظهر على الجزيئات والذرات خفيفة الوزن الموجودة في وسط ما بين النجوم التي تمتصها فجوة الجاذبية الموجودة على طول الذراع الحلزوني مباشرة ، وذلك يمثل القمة بالنسبة إلى  موجة الكثافة ، أي أن أعلى قيمة للموجة ستكون في هذه المنطقة .

وتبعاً لنموذج كالنايس الحلزوني فإن موجة الكثافة تتحرك خلال المادة المجرية بسرعة تعادل نحو 30 كم / ثانية ، وبما أن غاز ما بين النجوم بإمكانه أن يحدث اضطراباً ، وذلك بغض النظر عن ماهيته كأن يكون ضغطاً طفيفاً

وهذا يظهر أن انتقال التضاغط أو الاضطراب سيكون له سرعة محددة ، ويكون لذلك الاضطراب سرعة لا تتجاوز 10 كم / ثانية.

 

ويمثل هذا سرعة الصوت في وسط ما بين النجوم ، ولذا يمكننا اعتبار أن موجة الكثافة هي موجة فوق صوتية Supersonic  لأن سرعة عبورها خلال غاز ما بين النجوم هي أعلى بثلاث مرات من سرعة الصوت في الهواء ويماثل ذلك تماما ً وضع الطائرة التي تتحرك في الهواء بسرعة تفوق سرعة الصوت

وفي هذا الوضع تحدث موجة صدم على مقدمة حافة موجة الكثافة .

وتتميز موجة الصدم بضغط مفاجئ وسرع تحدثه في الوسط الذي تتحرك فيه – مما يؤدي إلى سماع دوي صوتي شديد من الطائرات فائقة السرعة ، فيما يعرف باختراق حاجز الصوت –air barrier وبالكيفية نفسها فإن وسط ما بين النجومInterstellar Maedium   يتعرض لانضغاط شديد نتيجة الدوري الصوتي الكوني لموجة الكثافة .

ويبدو أن نظرية موجة الكثافة تعلل معظم المزايا التي تتصف بها التراكيب الحلزونية ، ونجد مثالاً على ذلك عندما ننظر إلى الذراع الحلزوني عن كثب ، حيث نلاحظ  أن النقاط اللامعة الواقعة على طول الذراع تبدو كما لو كانت نجوماً ، رغم أنها في الحقيقة ليست كذلك

 

فالمجرة بعيدة جداً مما يعني استحالة تمكننا من رؤية أي نجم بصورة مفردة . وبالتالي فإن النقاط الظاهرة على الأذرع ما هي إلا سدم انبعاث emission nebule  

ولعل من الأمثلة الجيدة على هذه السدم سديم العنكبوت Tarantula  أو 2070 NGC  ويقع على بعد نحو 170 ألف سنة ضوئية في السحابة الماجلانية الكبرى ، وهو أكبر بنحو 30 مرة من سديم الجبار المشهور، و نجد أيضاً من  الأمثلة  Orion 42 M و 1976 NGC  ويقع على بعد 1600 سنة ضوئية .

وتتشكل سدم الانبعاث من سحب هائلة من الغاز تتضمن أعداداً كبيرة جداً من نجوم حديثة التكوين وتشع دفقات هائلة من الأشعة فوق البنفسجية ، ويهيج ذلك الإشعاع عالي الطاقة غاز الهيدروجين المحيط بتلك النجوم ، مما يؤدي إلى توهجه .

 

ونجد في حالة سديم العنكبوت وجود عنقود مركزي مكون من نجوم زرقاء فوق عملاقة حديثة التكوين تبث إشعاعاً فوق بنفسجي ، له من الشدة ما يكفي لتهيج غاز الهيدروجين إلى مسافة تعادل نحو 400 سنة ضوئية، ولهذه السحب لمعان عالي يعادل لمعان نصف مليون شمس . Sun

ويؤدي اندفاع موجة الكثافة عبر وسط ما بين النجوم إلى ضغط غاز وغبار الوسط بشكل فجائي ، ويشكل الانضغاط دافعاً لبدء عملية خلق نجوم جديدة .

ومن المحتمل أن تنضغط العقد ومناطق التركيز والكريات للمادة المنضغطة وتنكمش تحت تأثير جاذبيتها الذاتية ، وتكون المحصلة النهائية لهذه العملية ارتفاعاً هائلاً في درجات الحرارة والكثافة في أعماق الكريات إلى درجة تحدث شعلة نووية حرارية ، وبذلك تولد النجوم .

 

ويشع أكبر وألمع النجوم حديثة التكوين ضوءاً  فوق بنفسجي بما يكفي ليحدث توهجاً في  الغازات المحيطة. وعلى ذلك يبدأ سديم الانبعاث بالإشتعال .

ويمكن أيضاً ملاحظة أعداد هائلة من الكريات المنضغطة والنجوم الحديثة تنتشر في جميع أرجاء سديم لاغون Lagon Nabula .