البيولوجيا وعلوم الحياة

مظاهر التكيُّف المختلفة لدى الكائنات الحية

1995 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء السادس

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

مظاهر التكيُّف البيولوجيا وعلوم الحياة

من الخصائص التي تتميز بها الكائنات الحية قدرتُها على التلاؤم مع ظروف بيئاتها، وهذا هو ما يعرف بقدرتها على التكيّف.

ومن أجل ذلك يتزوَّد كثير من الحيوانات والنباتات بتراكيب خاصة، تساعدها على البقاء في بيئة معينة دون غيرها.

فالأحياء البحرية متكيِّفة للحياة في الماء المالح، والأحياء الصحراوية متكيفة للحياة في البيئة الصحراوية الجافة وأحياء الغابات الاستوائية متكيفة للحياة في البيئة الحارة الرطبة وهكذا.

 

وكلما تزوَّد الكائن الحي بتكيفات خاصة زاد ارتباطه ببيئة بعينها، فلا يمكنه العيش في غيرها.

فالديدان الطُّفيلية، مثلاً، تكيفت لحياة التطفل بوجود ممصات أو خطاطيفَ للالتصاق بالعائل، وفقدت الكثير من أعضاء الحس والحركة، لاعتمادها على العائل بحيَث لا تستطيع الحياة الحرة خارجه.

والأسماك تكَّيفت للحياة في الماء، فلا يمكنها العيش خارجه، في حين الحيوانات البرِّية المتنوعة قد تموت غرقاً لو ألقيت في الماء.

 

وعلى ذلك نجد في كل بيئة أحياءها المميِّزة لها، التي تكيفت للحياة فيها أكثر من غيرها، وذلك عَبْر الأزمان الطويلة فيما يُعرف بالانتخاب الطبيعي.

وتَبَعاً لمبدأ البقاء للأصلح، أي الاستمرار للأكثر تكيفاً مع ظروف بيئته، أو الأكفأ في تراكيبه التي تساعده في التعامل مع متطلبات حياته من البيئة المحيطة.

ويمكن إيجاز مطالب الكائن الحي من البيئة في ثلاثة أمور هي: حصوله على الغذاء، وتوافر المأوى للحماية، وتَمكُّنه من التكاثر للاستمرار.

 

ولكي ينجح الكائن الحي في تأمين تلك المطالب يتعيَّن عليه أن يسعى بين أقرانه مُستعملاً وسائله المختلفة، من أرجل، أو أجنحة، أو أسنان، أو أشواك. كما يلزم له أن يمارس أنماطاً معينة من السلوك، مثل الافتراس، أو اللسْع، أو الهرب، أو بناء العُش، أو الهجرة، أو توزيع العمل وغيرها.

أما بالنسبة للتكيف للاغتذاء، فتوجد في جميع الأحياء تراكيب تساعدها في الحصول على غذائها.

وفي عالم الحيوان نجد من ذلك الكثير، مثل الأنياب الحادة في آكلات اللحم، كالقطط والكلاب، والذئاب، والسباع، وغيرها، مما يعمل على قنْص الفريسة وتمزيقها إرْباً.

 

بينما تعتمد القوارض في غذائها على القوَاطِع الإزميلية الحادة، التي تُمكِّنها من قرض كل ما يقابلها.

أما الحرباء فنجد لسانها – الذي يزيد طوله على طولِ الجسم – ينطلق كالسهم لاصطياد الفريسة من الحشرات على غِرَّة، وبالمثل يعمل لسان الضِّفْدِع المثبِّت من الأمام – لا من الخلف كالحيوانات الأخرى – لكي ينطلق لالتقاط حشرة طائرة، وهكذا.

ومن الحيوانات ما يعتمد على شلِّ حركة الفريسة، بحقنها بالسُّم بواسطة أنياب خاصة، كما تفعل الثعابين، أو بآلة لسع في الذيل كما في العقارب، أو بإلحاق صدمة كهربية بها مثل السمك الرَّعاد الذي يختزن شِحنةٍ كهربائية على جانبي رأسه.

 

ولو أمعنا النظر في مجموعة واحدة، مثل الطيور – لوجدنا بينها أشكالاً مثيرة للعجب في تكيّفات الاغتذاء، فمناقير الطيور وأرجلها من أكفأ الوسائل أو الأدوات لهذا الغرض.

خُذ مثلاً منقار الصقر ورجله، وقارنها بمناقيرِ وأرجلِ الدجاج، أو الإوز، أو البجع، أو الهدهد… فماذا تلاحظ؟

إن كلا منها مهيأ لما يتغذى عليه، فمنقار الصقر يتعامل مع فرائس تُسرع بالهرب، لذا نجده قوياً، معقوفاً، حاداً، كما تتزود رجلاه بمخالب حادة للقبض على الفريسة وتمزيقها.

وأنت تعرف منقار الإوزة العريض، ومنقار البجعة الواسع كالجراب لصيد الأسماك، وأرجلها المفرطحة للعوم.

 

وأما الدجاجة فمنقارها مهيأ لالتقاط الحبوب، ورجلاها مهيئتان للنَّبْش في التراب، لكن الهدهد يستخدم منقاره الطويل في تقليب التربة، بحثاً عن الديدان والحشرات، وهكذا.

ومن النباتات أنواع متكيفة للحياة في جو الصحراء الجاف، مثل الصبّار والتين الشوكي، وعليها ان تحصل على حاجتها من المياه النادرة، بنشر جذورها على مساحة واسعة قُرب سطح التربة لامتصاص مياه النَّدَى والأمطار.

كما تحتفظ بمائها ضد النَّتْح، وذلك باختزال الأوراق، وقيام الساق بعملها، حيث يبدو الساق في الصبار أخضر اللون، لاحتوائه على بلاستيدات خضراء تقوم بالبناء الضوئي بدل الأوراق.

 

بل ويتكيف كثيرٌ من نباتات الصحراء للحياة فترةً قصيرة – طوال فصل المطر – لتَنضُج في نهايته، تاركة بذوراً تقاوم الجفاف، وتبقى كامنة في الصيف، لتنبت في فصل المطر التالي.

أما النباتات آكلة الحشـرات فهي عاجزة عن صنع غذائها من البروتين، ولذلك تعتمد على صيد الحشرات بوسائل متنوعة.

كما في مصيدة ذُباب فينوس، التي ينطبق فيها نَصلا الورقة المسَّنَان على الحشرة بمــــجرد وقوفها عليها، فلا تستطيع الإفلات، وتهضمها العصارة الهاضمة، ويمتصها النبات. وبالمثل يهيئ نبات حامول الماء مصيدة أنبوبية، تنزلق فيها الفريسة ولا تستطيع الخروج، فتحللها الإنزيمات ويمتصها النبات.

 

كذلك يتكيف كثير من الحيوانات والنباتات للحماية من أعدائه. فبعض الحيوانات لديه أسلحة متنوعة، كالأسنان، أو المخالب، أو الكَلَّابات، أو أدوات اللسع التي تمكنه من مواجهة أعدائه وتهديدها عند اللزوم.

كما يتزود بعضها بأصداف، أو أشواك أو جلد سميك، أو حراشِفَ، تحميها من هجوم أعدائها، في حين يستطيع بعضها الآخر الهرب بما لديه من أجنحة، أو أرجل، أو زعانف قوية.

بل إن بعض الحيوانات يطلق سحابة معتمة يختفي وراءها من أعدائه كما في الحَبَّار. أو يطلق رائحة كريهة لطرد الأعداء كما في الظَّربان. أو يقذف بخيوط لاسعة في مياه البحر تلتف حول المهاجم كما في خيار البحر

 

بعض الحيوانات يتخفَّى عن أعدائه بمشابهة الوسط المحيط به، كما في بعض الزواحف مثل الحرباء، والحشرات مثل حشرة العود والحشرة الورقية.

بل إن بعض الحيوانات يكتسب لون الجليد شتاءً، مثل الدب القطبي والثعلب والأرنب القطبي، ثم تتحول إلى اللون الرمادي بعد ذلك، فلا يسهل تمييزها عما حولها.

وبالمثل يتكيف كثير من النباتات للحماية، حيث يحمل بعضها أشواكاً، أو يفرز سائلاً مُنفِّراً، أو ساماً للحيوانات التي تُقْدمُ على أكله، أو يَكتسي بقشرة سميكة صلبة لمقاومة هجوم الحيوانات.

 

وتتميز الكائنات الحية أيضاً بقدرتها على التكاثر والإنجاب، لكي تستمر أجيالها بعد موتها. 

ولذا فإنها تَسلك لتحقيق ذلك الغرض عدة أنماط من السلوك بعد النضج من أجل التزاوج، ووضع البيض ورعاية الصغار، وقد يَتبع ذلك بناء العُش وحراسته، كما في الطيور، أو الهجرة إلى أماكن معينة في البحار أو الأنهار، كما في بعض الأسماك

 

وتتزود النباتات الزهرية بتراكيب تساعد في التلقيح الخلطي بواسطة الحشرات، حيث تعمل تلك التراكيب – مثل تَلوُّن الأزهار والرحيق – على جذب الحشرات التي تنشر حبوب اللقاح بين الأزهار، فتزيد من المحصول، كما تتزود البذور بوسائل للانتقال بالرياح أو بواسطة الماء، من أجل زيادة الانتشار في بيئات جديدة

وتوجد علاقة وثيقة بين التكيف ودرجة الانتشار في الطبيعة، فكلما تزود الحيوان أو النبات بتراكيب مخصصة لبيئة معينة، اقتصـر وجوده على تلك دون غيرها.

ويتجلَّى ذلك أيضاً في تحمُّل المدى الحراريّ. فكلما كان للكائن الحي مدى تحمل محدود لتفاوت درجة الحرارة كان انتشاره محدوداً.

 

والعكس بالعكس. انظر مثلاً إلى الحيوانات النادرة في البر والبحر، ستجد أنها مرتبطة ببيئة معينة ذات درجات حرارة محدودة المدي.

فحيوان اليربوع والفَنَك لهما توزيع محدود في الصحراء، بعكس بعض الحشرات كالذباب الذي ينتشر من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، لأنه يتحمل مدى واسعاً من درجات الحرارة.

 

ولكن ماذا عن التكيف في الإنسان؟

إن الإنسان أرقى من كثير من الأحياء في تحمله لعوامل البيئة القاسية، فهو لا يستطيع، مثلاً شرب مياه البحر.

كما تفعل بعض الطيور أو الأسماك وبعض الثدييات، ولا يستطيع العيش على الطعام الجاف بدون ماء، كما تفعل بعض الزواحف والقوارض الصحراوية.

ولكنه بفضل عقله وذكائه استطاع أن يغزوَ جميع البيئات على الأرض، وذلك بتمكنه من اصطناع وسائل بارعة للانتقال والوقاية من الظروف المناخية القاسية، والدفاع عن النفس، حتى أنه يُمكن القول بأن الإنسان يكيِّف البيئة لحياته، بدلاً من أن يتكيف هو للحياة فيها.