البيولوجيا وعلوم الحياة

آلية عمل “المضادات الحيوية” للقضاء على البكتيريا المهاجمة للخلايا

2013 آلات الحياة

د.ديفيد س. جودسل

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

المضادات الحيوية آلية عمل المضادات الحيوية البكتيريا الخلايا البيولوجيا وعلوم الحياة

إننا محظوظون بمعيشتنا في عصـر نجد فيه المساعدة عندما نواجه بالبكتيريا وسمومها المميتة.

فخلال عقود من البحث الطبي، تمكنا من الكشف عن معلومات أكثر وأكثر عن البكتيريا وجزيئاتها، وكذلك اكتشفنا ما بها من مواطن ضعف يمكن استغلالها لتكوين مضادات حيوية قاتلة للبكتيريا، فلدينا اليوم ترسانة من المضادات الحيوية لمحاربة الإصابة التي تسببها البكتيريا المرضية. 

إن المضادات الحيوية المنقذة للحياة والسموم القاتلة هما وجهان لعملة واحدة. فالسموم تهاجم وتدمر آلة جزيئية أساسية، بحيث تعيق إحدى العمليات الحيوية وتقتل الخلية.

 

وعلى الجانب الآخر، فإن المضادات الحيوية هي سموم انتقائية، مصممة للمهاجمة بطرق معينة.

وبالطبع فإن السيانيد سوف يكون عديم النفع كمضاد حيوي، حيث أنه سيقتل كلا من الكائن المسبب للمرض والمريض. وبدلاً من ذلك ، فإنه لا بد من تصميم مضادات حيوية لكي تتلف الميكروب المسبب للإصابة بدون أن تعمل في نفس الوقت على تسممك.

وقد يبدو الأمر غريباً بالنسبة لنا الآن إذا علمنا أنه لم يتم إدراك أن البكتيريا والفيروسات يمكنها أن تسبب المرض – بحيث إن أيدي الطبيب غير المغسولتين يسببان العدوى للمريض – إلا في القرون الماضي. ولكن بمجرد اكتشاف الميكروبات المجهرية، فإن البحث قد بدأ عن مركبات لتسميمها.

 

ولقد كان أول أسلوب متبع في ذلك، وما زال يستخدم حتى الآن، هو إستخدم المطهرات وهي سموم معتدلة تقتل الميكروبات بغمرها تماماً بها.

ونظراً لأن المطهر يلامس جلدنا فقط، فإن عدداً قليلاً من خلايا الجسم السطحية وليس كامل الجسم هو الذي يموت.

وتعتبر المحاليل المحتوية على الكلورين، أو البرومين، أو اليودين، أو الزئبق (مثل مركبات المرثيولات «Merthiolate») بمنزلة مطهرات فعالة وغالباً ما يتم استخدامها لحماية الجروح الصغيرة من العدوى.

 

وتقوم هذه الذرات النشطة بمهاجمة وإيقاف فاعلية مركبات الكبريت في إنزيمات البكتيريا. ويتم استخدام الكحول أيضاً على نطاق واسع كمطهر.

حيث تفقد برويتينات البكتيريا شكلها الكروي وبالتالي فاعليتها عندما تنغمر بالكحول المركز.

لقد كانت المرحلة التالية من التقدم العظيم في الكيمياء الحيوية الطبية هي اكتشاف المضادات الحيوية التي يمكنها أن تهاجم بطريقة تخصصية الآلات الجزيئية في البكتيريا المرضية.

 

وكان اكتشاف السلفانيل أميد (Sulfanilamide) هو أول نجاح في هذا الإطار. فنظراً لأنه يهاجم إنزيما بكتيريا مفتاحيا واحدا يستخدم لعمل النيوكليوتيدات، فإنه من الممكن تناوله ليدخل الجسم ويقتل البكتيريا بأقل خطورة ممكنة على المريض.

وعقب ذلك، تم اكتشاف مضادات حيوية أخرى وذلك من خلال دراسة الطرق الطبيعية التي تستخدمها الكائنات الأخرى لحماية نفسها من البكتيريا، مثال ذلك البنسلين وهو أكثر المضادات الحيوية شيوعاً يقوم بإفرازه الفطريات للحد من نمو البكتيريا المحيطة بها.

ويقوم البنسلين بإيقاف عمل الإنزيم الذي يبني طبقة الببتيدوجلايكن (Peptidoglycan) القوية والتي تدعم الجدار الخلوي للبكتيريا (شكل 8.9).

 

شكل 8.9 البنسلين: يعد البنسلين مثل المصيدة المعتمدة على طاقة زنبرك والتي تقوم بتدمير د-ألانيل د-ألانين كاربوكسيببتيديز/ترانسببتيديز (D-alanyl-D-alanine Carbo-xypeptidase/Transpeptidase)، وهو الإنزيم الذي يقوم ببناء تركيب الببتيدوجلايكان في الخلايا البكتيرية. 

وتقوم حلقة غير ثابتة كيميائياً مكونة من أربع ذرات في البنسلين بمهاجمة الحمض الأميني سيرين في البروتين مما يسبب لصق العقار في الموقع النشط وإيقاف عمله.

ولكن البكتيريا تدافع عن نفسها بإنتاج بروتينات مثل بيتا-لاكتاميز (Lactamase-(β، الذي يقوم بتدمير البنسلين قبل أن تتاح له الفرصة للقيام بعمله (قوة التكبير للجزيئات بأعلى: 20 مليون مرة، وبأسفل: 5 ملايين مرة).

 

وعند إعاقة عمل هذا الإنزيم، فإن الخلية تصاب بالوهن ويكون من السهل تدميرها بواسطة الجهاز المناعي. ونظراً لأننا لا نبني الببتيدوجلايكن في خلايانا، فإن هذا العقار يكون آمناً تاماً حيث إنه يهاجم البكتيريا فقط.

إن أفضل الأهداف لعمل المضادات الحيوية هو العمليات الفريدة التي تحدث في الكائنات الممرضة. و لقد تم ال توصل إلى الكثير من الأمثلة على ذلك.. 

وهناك أمثلة أخرى كثيرة مازالت الآن تحت الدراسة بواسطة باحثي العلوم الطبية. يهاجم المضادان الحيويان الكلورأمفينوكول (Chloramphenicol) والاستر-بتوميسين (Streptomycin) الريبوسومات البكتيرية، وهي أصغر في الحجم وتختلف في التركيب عن ريبوسوماتنا. 

 

كما أن الريفامبسين (Rifampicin) يهاجم «إنزيم بلمرة الـ "رنا"» RNA Polymerase في البكتيريا المسببة للسل الرئوي، ويتداخل الكوينن (Quinine) مع عملية التخلص من الفضلات في طفيليات البلاسمودي  (Plasmodium)، التي تسبب الملاريا وتقوم بالتغذية على الهيموجلوبين في خلايا الدم الحمراء مع إنتاج مستويات سامة من الهيم غير المهضوم.

ولقد قام الباحثون في العلوم الطبيعية بجهد وافر خلال السنوات الأخيرة للتوصل إلى عقاقير يمكنها مهاجمة الإنزيمات المميزة لفيروس الايدز (HIV.

 ولدينا الآن دزينات من العقاقير التي تستطيع مهاجمة خطوات عديدة في دورة حياة الفيروس، ويتضمن ذلك مهاجمة إنزيم «النسخ العكسي»،و«الإنزيم المحلل للبروتين الخاص بفيروس الايدز»، وإنزيم «الربط»(وذلك كما تم توضيحه في الفصل الثامن).

 

ولسوء الحظ، فإن عملية التطور سريعة للغاية في البكتيريا والفيروس وذلك لأنهما يتكاثران بسرعه عالية. ولقد تطورت العديد من سلالات البكتيريا واصبحت مقاومةً للمضادات الحيوية وذلك على مر العقود حيث تظهر مقاومة البكتيريا وفيروس  HIV  للمضادات الحيوية خلال أسابيع من المعالجة غير المخطط لها بعناية.

ولقد أدى هذا إلى ظهور لعبة «شد الحبل» في الطب الحديث، وذلك ما بين الباحثين الذين يقومون بتطوير عقاقير جديدة والبكتيريا والفيروسات التي تقوم بتطوير طرق جديدة لحماية نفسها من هذة العقاقير.

تكتسب البكتيريا مقاومتها للمضادت الحيوية بصناعة إنزيم لديه القدرة على تدمير المضاد الحيوي. على سبيل المثال، بعض البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية تقوم بصناعة إنزيم لتقطيع البنسلين وهو صورة معدلة من أحد الإنزيمات  الهاضمة الطبيعية (شكل8.9).

 

ويقوم هذا الإنزيم بالعثور على البنسلين ثم يقوم  بتكسير الروابط الرئيسية القبلة للتفاعل به، مما يفقدة فائدته كعقار.

وتوجد التعليمات الوراثية الخاصة بعمل مثل هذه الإنزيمات للمضادات الحيوية في صورة شفرة محمولة على حلقات صغيرة من ال"دنا" DNA يمكنها أن تتنقل من خلية بكتيرية لأخرى، مما يؤدى إلى انتشار المقاومة للمضادات الحيوية في المجتمع البكتيري.

يصبح فيروس الأيدز(HIV) مقاوماً للمضادات الحيوية من خلال طرق مختلفة. فبدلاً من مهاجمة المضاد الحيوي، فإن السلالات المقاومة من HIV قامت بإحداث تغير طفيف في الإنزيمات المستهدفة بواسطة المضاد الحيوي (شكل 9.9).

 

شكل 9.9 مقاومة العقاقير في فيروس الأيدز (HIV): لكي تكون العقاقير فعالة في مواجهة فيروس HIV، فلا بد لها من أن ترتبط بإحكام بإنزيمات الفيروس وإيقاف عملها.شويصبح الإنزيم المحلل للبروتين الخاص بفيروس HIV مقاوماً للعقاقير بحدوث طفرات في أحماض أمينية هامة في الموقع النشط من الإنزيم. ونجد في هذه الصورة العقار ريتونافر (Ritonavir) مبيناً باللون الأخضـر، بينما الأحماض الأمينية عند الموقع 82 في سلاسل البروتين مبين باللون الأرجواني.

وفي الإنزيم الطبيعي فإن الحمض الأميني فالين (Valine) يقوم بتكوين ارتباط وثيق بالعقار، مثبتاً الارتباط بها. وعند حدوث طفرة في الإنزيم فإن هذا الحمض الأميني يتم تغييره إلى حمض أميني أصغر وهو ألانين (Alanine)، مما يضعف الارتباط بالعقار بدرجة تكفي لجعله غير فعال (قوة التكبير: 20 مليون مرة).

 

حيث تحدث طفرة في إنزيم «النسخ العكسـي» أو «الإنزيم المحلل للبروتين» واللذين يتم مهاجمتهما عادةً بواسطة المضاد الحيوي وبذلك لا يستطيع المضاد الحيوي الارتباط بها.

ولفيروس HIV القدرة على التطفر بمعدل سريع جداً ويمكنه أن يتجنب تأثير مضاد حيوي واحد، ويصبح مقاوماً له فى خلال بضعة أسابيع من بدء العلاج بهاذا المضاد.

 

ولذلك فإن المهارة في طرق العلاج الحالية للإصابة بفيروس HIV هي أن يتم إعطاء الأشخاص المصابين خليطاً من العديد من المضادات الحيوية في وقت واحد.

وتقوم هذه المضادات الحيوية المختلفة بمهاجمة أهداف مختلفة تماماً في الفيروس، وبالتالي فإنه يستحيل على مجتمع فيروسات HIV أن يقوم بإحداث طفرات في العديد من آلاته الجزيئية في نفس الوقت وذلك حتى يتمكن من تجنب تأثير كل هذه المضادات الحيوية.