البيولوجيا وعلوم الحياة

دور وأهمية “الأعصاب” داخل جسم الإنسان

2013 آلات الحياة

د.ديفيد س. جودسل

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

أهمية الأعصاب الأعصاب دور الأعصاب داخل جسم الإنسان البيولوجيا وعلوم الحياة

تتخصص الخلايا العصبية في التواصل السريع عبر مسافات طويلة. فلدينا شبكة من الخلايا العصبية التي يتم التحكم فيها بطريقة مركزية بواسطة الدماغ، وتصل إلى كل من أجزاء الجسم.

وتنطلق الإشارات العصبية خلال الجسم، لكي تجمع وتعالج ما نحسّه وتعمل على تحريك عضلاتنا. وبعض الإشارات العصبية لا يغادر الدماغ مطلقاً، حيث تظل حاملةً لأفكارنا ومخزناً لذكرياتنا.

وباستخدام ترتيبات مختلفة من الخلايا العصبية، مع تنويع التفاعل بين الخلايا المتتالية منها، فإن الشبكات العصبية يمكنها التحكم في أبسط أنواع الاستجابات اللاإرادية الانعكاسية أو اكثر العمليات الفكرية مهارةً.

 

تتواصل أعصابنا باستخدم إشارات كهربائية وكيميائية. حيث تُستخدم الإشارات الكهربائية في حمل الرسائل في جزء من الثانية لتوصيلها عبر مسافات بعيدة بالجسم.

حيث تنطلق هذه الإشارات بسرعة البرق خلال المحاور العصبية 4(Axons) والتي تتميز بالطول والنحالة (شكل 8.6 وشكل 9.6)

 

شكل 8.6 المحور العصبي: يبين الشكل قطاعاً عرضياً في محور خلية عصبية. يظهر غشاء الخلية العصبية القابل للاستثارة والحامل للإشارات الكهربية العصبية ممتداً في اتجاه أفقي خلال الجزء الأوسط من الشكل.

ويمتلئ هذا الغشاء بنوعين من البروتينات وهما «البروتين المكون لمضخة الصوديوم» (A) والذي يعمل على شحن الغشاء، و«البروتين المكون لقناة مرور الصوديوم والتي يتم التحكم في فتحها وغلقها بواسطة فرق الجهد الكهربي على جانبي الغشاء» (B) والذي يعمل على نشـر الإشارة الكهربائية خلال الغشاء.

وتقوم بنية تحتية مكونة من بروتينات «الهيكل الخلوي» المبنية أسفل الغشاء بتدعيم المحور وإمداده بطريق ممهد لنقل الجزيئات إليه وخلاله.

 

وفي أسفل الشكل نجد بروتين الكينسن (Kinesin) (C) وهو يقوم بسحب حويصلة صغيرة على امتداد أنبوبة دقيقة.

ويُرى خلية صمغية (Glial Cell) مجاورة في أعلى الشكل. ويتم لصق الخليتين بواسطة بروتينات مثل النيوروفاسين (Neuroffascin) (D)، والجليومدن (Gliomedin) (E)، والانتجرن (Integrin) (F)، والتناسين (Tenascin) (G) (قوة التكبير: مليون مرة).

 

شكل 9.6 غلاف المايلن (Myelin Sheath): تزداد سرعة نقل الإشارات في أعصابنا كثيراً مع استخدام غلاف المايلن. حيث تعمل خلية مجاور للخلية العصبية على تغليف المحور العصبي طبقة تلو الأخرى من غشاء عازل للكهرباء.

ويظهر المحور العصبي على امتداده مكوناً من أجزاء طويلة نسبياً محاطة بالمايلن توجد بين أجزاء أخرى صغيرة من الغشاء تكون قابلة للاستثارة وذلك كما هو موضح في شكل 8.6.

وتنتقل الإشارة العصبية بسـرعة بين هذه الأجزاء الصغيرة وذلك من خلال الأجزاء المغلفة بالمايلن.

 

وبدون غلاف المايلن، تستطيع الخلية العصبية النموذجية أن تقوم بإرسال إشارات بسـرعة 5 أمتار في الثانية، ولكنها تستطيع زيادة هذه السـرعة بمقدار 10 مرات مع مرور الإشارة خلال الأجزاء المغلفة بالمايلن.

وفي هذا القطاع العرضي المبين بالشكل نجد المحور العصبي في أسفل الشكل جهة اليمين، ولقد تم أخذ القطاع العرضي فيه بزاوية عمودية على ما هو موضح بالشكل السابق. وأحد الأنابيب الدقيقة بداخل المحور العصبي تم تجزئتها إلى شرائح في أسفل الشكل (A).

وتحتوي الأجزاء المغلفة بالمايلن من غشاء المحور على عدد أقل بكثير من المضخات والقنوات مقارنةً بالأجزاء غير المغلفة، ويتضمن ذلك قنوات البوتاسيوم والتي يتم التحكم في فتحها وغلقها بواسطة فرق الجهد الكهربي (B).

 

وفي أعلى الشكل تظهر خلية شوان (Schwann) والتي تقوم بتغليف المحور العصبي أربع مرات مما يؤدي إلى إنتاج ثماني طبقات من الغشاء العازل حول المحور.

وتساعد بروتينات أخرى مثل «البروتين صفر» (Protein Zero) (C) وبروتين المايلن الأساسي (D) خلية شوان على نشـر نفسها بحيث تكون نحيلة بشكل كافٍ لإنتاج مثل هذه الطبقات المتراصة فوق بعضها بكثافة (قوة التكبير: مليون مرة).

 

وتتراوح في طولها ما بين المحاور العصبية القصيرة جداً للخلايا العصبية المعبأة بكثافة في الدماغ، إلى المحاور العصبية الطويلة – والتي قد يصل طولها إلى 1 متر -للخلايا العصبية الممتدة خارج الجهاز العصبي المركزي وإلى الأطراف البعيدة بالجسم.

وعندما تصل الإشارة إلى نهاية المحور العصبي، فإن الخلية العصبية تقوم بإطلاق « الناقلات العصبية » (Neurotransmitters) والتي تقوم بحمل إشارة كيميائية إلى الخلية التالية لها من خلال "منطقة الاشتباك العصبي" (Synapse) الضيقة.

يتم حمل الإشارات الكهربائية بواسطة سلسلة من الجزيئات المتتابعة، والتي تُمد بالطاقة اللازمة لعملها من خلال تدرج كهروكيميائي لأيونات الصوديوم.

 

وتبدأ العملية بشحن المحور العصبي، بحيث يكون مستعداً لإطلاق إشارة. حيث تعمل المضخات الموجودة في غشاء المحور العصبي على نقل أيونات الصوديوم إلى خارج المحور في الفراغ الضيق المحيط بالغشاء، مما يؤدي إلى شحن الغشاء وذلك تماماً كما تفعل عندما تقوم بشحن بطارية

 بعد ذلك ، تستخدم سلسلة من « القنوات البروتينية ذات البوابات » والموجودة في غشاء المحور العصبي – والتي يتم التحكم في فتحها وغلقها بواسطة فرق الجهد الكهربي على جانبي الغشاء (Voltage gated Channels)- الغشاء المشحون لنشـر رسالة خلال المحور العصبي.

ولهذه القنوات خاصية مثيرة للاهتمام: فهي تظل مغلقة في الوقت الذي يكون فيه الغشاء مشحوناً، ولكن عند انخفاض التدرج الكهروكيميائي (والذي يسبب أيضاً انخفاضاً لفرق الجهد الكهربي على جانبي الغشاء) فإن القنوات تنفتح. وتسمح هذه الخاصية بنشر الرسالة العصبية.

 

تبدأ الخلية العصبية الإشارة بسماحها لأيونات الصوديوم بالعودة خلال الغشاء إلى داخل الخلية وذلك عند بداية المحور العصبي.

وهذا يؤدي إلى خفض الفرق في الجهد الكهربي على جانبي الغشاء. وتستشعر القنوات الموجودة في المنطقة المحيطة هذا التغير فتقوم بفتح مداخلها، وذلك يسمح بتدفق كمية أكبر من الصوديوم خلال المحور العصبي.

ويؤدي ذلك إلى تحفيز القنوات الأخرى على امتداد المحور العصبي لكي تقوم بفتح مداخلها، بما يسمح بدخول الصوديوم المشحون والموجود في منطقتها إلى المحور العصبي، وتنطلق الإشارة العصبية خلال المحور العصبي في صورة موجة، وذلك مع فتح مداخل باقي القنوات على إمتداد المحور، تاركةً إياه بدون شحنة وذلك بعد انتهائها.

 

ثم تنغلق القنوات تلقائياً وتبدأ المضخات الكيميائية في العمل مجدداً على ضخ أيونات الصوديوم خلال الغشاء إلى خارج الخلية، بما يعمل على تجهيز المحور العصبي للإشارة العصبية التالية.

وقد يبدو ذلك معقداً، ولكن الدورة الكاملة من هذه العملية تحدث بسرعة كبيرة. حيث يستطيع العصب المعتاد أن يقوم بإطلاق إشارة عصبية أكثر من 200 مرة في الثانية الواحدة.

عند وصول الموجة الكهربائية إلى نهاية المحور العصبي، فإنها تُحفز تسليم إشارة كيميائية للخلية العصبية التالية (شكل 10.6).

 

شكل 10.6 منطقة الاشتباك العصبي(Nerve Synapse): يتم نقل الإشارات الكيميائية من خلية عصبية لأخرى خلال مناطق الاشتباكات (Synapses) الموضحة في القطاع العرضي المبين بالشكل.

وتظهر نهاية المحور العصبي في قمة الشكل، مع وجود حويصلتين مملوءتين بالناقلات العصبية داخل نهاية المحور.

ويُلاحظ أن الحويصلة على يسار الشكل تندفع في اتجاه الغشاء بينما الحويصلة الأخرى على اليمين قد التحمت بالغشاء وتقوم بإطلاق ما بها من ناقلات عصبية. كما توجد مجموعة معقدة من البروتينات الرابطة والمنظمة في غشاء الحويصلة تكون مطلوبة لتنفيذ هذه الوظيفة الحساسة، وتعمل قنوات مرور الكالسيوم الموجودة في غشاء الخلية العصبية والتي يتم التحكم في فتحها وغلقها بواسطة فرق الجهد الكهربي (A) على تحديد الوقت المناسب لبدء هذه العملية.

 

وتمتلىء منطقة الاتصال بين الخليتين العصبيتين بغشاء قاعدي يحتوي على إنزيم الإستيل كولين إستريز (Acetylcholinesterase) (B) والذي يعمل على تكسير الناقل العصبي بعد انتهائه من قيامه بوظيفته.

ويعمل البروتين الصغير الحجم والمسمى CHT1 (C) على نقل القطع الناتجة عن التكسير إلى الخلية العصبية لإعادة تدويرها للاستخدام في النبضة العصبية التالية.

وهناك خلية عضلية مبينة في أسفل الشكل، وبها العديد من مستقبلات الإستيل كولين (D) على سطحها. وتعمل شبكة معقدة من البروتينات داخل الخلية العضلية على تثبيت المستقبلات في مكانها، وتجميعها في منطقة الاشتباك (قوة التكبير : مليون مرة).

 

ويتسبب الانخفاض في فرق الجهد الكهربي على جانبي غشاء المحور العصبي في قيام نهاية المحور بتفريغ ما تحتويه من حويصلات (Vesicles) صغيرة توجد به في منطقة الاشتباك العصبي الضيقة بين الخلايا. 

وفي حالة بعض مناطق الاشتباك العصبي عالية النشاط، وذلك مثل المناطق الموجودة بين الخلايا العصبية والخلايا العضلية، فإنه يتم تفريغ محتويات عدة مئات من هذه الحويصلات الصغيرة، وهذا يؤدي إلى إرسال إشارة قوية.

ولكن في مناطق اشتباك أخرى، مثل بعض المناطق الموجودة في الجهاز العصبي المركزي فإنه يتم إرسال رسائل أضعف تتضمن تفريغ حويصلة واحدة فقط.

 

وتحتوي كل حويصلة على عدة آلاف من جزيئات « الناقلات العصبية »، والتي تنتشر وبسرعة عبر منطقة الاشتباك العصبي بين الخلايا لترتبط بمستقبلات بروتينية متخصصة على سطح الخلية العصبية المجاورة، وهذا يؤدي إلى فتح هذه المستقبلات.

وهذا يسمح بالمرور السـريع للآلاف من أيونات الصوديوم والبوتاسيوم من خلال المستقبلات إلى داخل الخلية مما يؤدي إلى بدء إشارة عصبية من جديد.

يوجد للخلايا العصبية في المعتاد الآلاف من نهايات المحاور العصبية على أسطحها، وذلك فهي تتسلم رسائل من العديد من الخلايا المختلفة.

 

وباستخدم الإشارات الكيميائية، فإن الخلايا العصبية تستيطع التمييز بين رسالة وأخرى، لتقرر ما يجب أن تقوم بفعله بناءً على النتائج. وفي بعض مناطق الاشتباك العصبي يتم إستخدام ناقلات عصبية تعمل على تسليم رسالة إيجابية مثيرة تُحدث إشارة كهربية في الخلية المستقبلة .

ولكن في بعض مناطق الاشتباك الأخرى تُستخدم ناقلات عصبية مختلفة لتسليم إشارة مثبطة تعمل على كبت أي استجابة كهربية للخلية.

 

ويمكن لكل خلية عصبية أن تتسلم الآلاف من الإشارات الكيميائية منها المثير ومنها المثبط. ويتوقف العدد النسبي من الإشارات ووقت إرسالها على مدى إمكانية إرسال الإشارة على مسار المحور العصبي للخلية.

وبهذه الطريقة فإن كل خلية عصبية تعمل كمعالج للمعلومات بدلاً من كونها مجرد ناقل سلبي لرسالة منفردة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق