الفيزياء

نبذة تعريفية عن “الأشعة فوق البنفجسية” و”الجسم الأسود” وتفسير إشكاليتهما

2011 مكتبة الفيزياء أسس فيزياء الكمّ

إدوارد ويليت

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الأشعة فوق البنفسجية الجسم الأسود الفيزياء

في الوقت نفسه تقريباً، حين بدأ العلماء يشككون في اعتقادهم بأن الذرّة غير قابلة للانقسام، أخذوا يشكون أيضاً بوجود خطأ ما يتعلق بفهمهم للإشعاع الكهرومغناطيسي.

حين تمثلت إحدى مظاهر التقدم في علوم القرن التاسع عشر بما عُرف آنذاك باسم "الفيزياء الساكنة"، ويحاول هذا الفرع من الفيزياء أن يتعامل مع أنظمة في غاية التعقيد، مثل حجم الغازات.

 

يحتوي أي جسم غازي قابل للقياس على عدد كبير من الذرّات، ولكل منها حركتها الخاصة التي يستحيل تتبعها بصورة دقيقة والتنبؤ بعمل كل ذرّة من تلك الذرّات، ومع ذلك بإمكاننا تتبع عمل الغاز بوجه عام والتنبؤ بسلوكه بشكل دقيق تقريباً.

أما سبب هذا فيعود إلى أنه رغم العدد الهائل للحركات المحتملة التي يمكن أن تقوم بها تلك الذرّات، هناك أفعال أكثر احتمالاً من غيرها، وأكثر الأفعال احتمالاً يحدث بواسطة هذا العدد الكبير من الذرّات التي يتبعها حجم الغاز بأكمله بصورة فعالة.

 

إشكالية الجسم الأسود

حاول الفيزيائي الإنجليزي لورد رايلي (1842-1919) في العام 1900 أن يطبّق الفيزياء الساكنة على نظام معقد آخر هو توزع الترددات المختلفة داخل إشعاع الجسم الأسود، واكتشف أن الفيزياء التقليدية عجزت عن التنبؤ بتوزيع تلك الترددات بصورة دقيقة.

إن الجسم الأسود عبارة عن جسم يقوم أولاً بامتصاص كل الأشعة التي تسقط عليه امتصاصاً كاملاً، ثم يعيد بثها كلها من جديد.

على الرغم من عدم وجود طريقة لبناء جسم أسود حقيقي، إلا أن الفيزيائيين تمكنوا من صنع صورة تقريبية له عن طريق استخدام نوع خاص من الأفران، ويتألف هذا الفرن بشكل أساسي من صندوق فارغ يحوي طاقة كهرومغناطيسية.

 

ومن الواضح أن هذا النوع من الأفران تطلب تحقيق شكل من أشكال التوازن داخله، إذا كانت الطاقة الموجودة في جدران الفرن تفوق ما هو موجود في باطنه ستنتقل هذه الطاقة من الجدران إلى الداخل.

وإذا كانت الطاقة داخل الصندوق تفوق طاقة جدرانه ستنتقل من الداخل إلى الجدران، ما يعني أن كمية الطاقة في جدران الصندوق وداخله يجب أن تكون متساوية، وأن تكون درجة الحرارة نفسها أيضاً.

كانت عملية بناء ذلك الفرن الخاص ومراقبة جزئه الداخلي لقياس ترددات الموجات الكهرومغناطيسية أمراً سهلاً. 

 

وأدرك العلماء أن تلك الترددات محدودة بحجم الصندوق، والمقصود بذلك أن الموجات يجب أن تتناسب مع سعة الصندوق الداخلية، وأن أقل الترددات انخفاضاً هو التردد الذي يتناسب طوله الموجي بصورة دقيقة مع داخل الصندوق.

ونستطيع بعد ذلك الحصول على تردد اقل بمرتين من الحد الأدنى للتردد (الذي يُطلق عليه اسم "التوافق الثاني")، ثم تردد أقل بثلاث مرات من الحد الأدنى للتردد "التوافق الثالث" وإلى ما لا نهاية ("توافق التريليون مليار مليون"، وما بعد ذلك أيضا).

 

وطبقاً للمفاهيم السائدة في نهاية القرن التاسع عشر حول الموجات الكهرومغناطيسية، تحمل كل موجة طاقة تتناسب مع ترددها وسعتها. 

بل إن "توافق التريليون مليار مليون" يحمل نسبة من الطاقة الكلية للموجة، لكن إذا استطعنا الحصول على عدد لا متناهٍ من التوافيقات. 

بحيث يحمل كل توافق جزءاً من الطاقة، ستصبح كمية الطاقة الإجمالية التي تحملها الموجة غير محدودة أيضاً، كما أن معظم الطاقة سيكون محمولاً بواسطة ترددات فائقة التردد.

 

وإذا قمنا بصنع فرن خاص لمقاربة إشعاع الجسم الأسود فإن الصندوق وفقاً لقوانين الفيزياء التقليدية سيحوي كمية غير محدودة من الطاقة.

لكن عندما قام الفيزيائيون ببناء مثل هذه الأفران وراقبوا داخلها لمعرفة كمية الطاقة الكهرومغناطيسية الموجودة فيها بالإضافة إلى معدل تردداتها اكتشفوا أن الأفران لم تحو كمية لا متناهية من الطاقة، ولو أنهم وجدوا ذلك فعلاً لكنّا استخدمنا هذه القدرة غير المحدودة كمصادر للطاقة.

ويُطلق على مجموع هذه الترددات العالية جداً للأشعة الكهرومغناطيسية التي تفوق ترددات الضوء المرئي اسم "الأشعة فوق البنفسجية" (ultraviolet)؛ لأنها تقع "وراء نطاق" اللون البنفسجي في الطيف المرئي (جاءت هذه التسمية من الكلمة اللاتينية "ultra" التي تعني "فوق أو وراء نطاق").

 

ونظراً لعدم إمكانية التنبؤ الدقيق بتوزيع الترددات المختلفة في إشعاع الجسم الأسود أصبحت تلك الحالة معروفة باسم "الكارثة فوق البنفسجية"، وقد سُميّت "كارثة"؛ لأنها مثلت إخفاقاً كبيراً بالنسبة للفيزياء التقليدية.

كان يبدو أنه ليس ثمة طريقة يمكن من خلالها تعديل الفيزياء التقليدية للتنبؤ بما يمكن مشاهدته فعلاً في تجارب إشعاع الجسم الأسود. 

إذ لا يمكن تقسيم كمية الطاقة المرصودة بين العدد غير المحدود من التوافقيات؛ لأن ذلك يؤدي إلى وجود مقدار ضئيل جداً من الطاقة يكاد لا يُذكر، بما أن تلك الطاقة محمولة على كل تردد.

 

ولا نستطيع أيضاً أن نعطي كل تردد من الترددات المحتملة غير المحدودة مقداراً ضئيلاً من الطاقة ؛ لأن ذلك سيؤدي إلى إنتاج كمية لا متناهية من الطاقة داخل الصندوق. 

كما أن الشيء الموجود في الواقع داخل الصندوق ما هو إلا عدد متتالٍ من الترددات تشبه تلك التي يراها الحدادون في كل مرة يقومون فيها بتسخين المعادن من أجل تشكيلها وقولبتها.

 

وكلما زادت درجة الحرارة يبدأ جوف الصندوق بالتوهج مصدراً ألواناً مختلفة تبدأ باللون الأحمر الضارب الى البرتقالي، ثم الأصفر الفاتح وانتهاءً باللون الأبيض المائل إلى الأزرق. 

ومن المؤكد أن العالَم الحقيقي لم يتأثر بالمخاوف النظرية التي عبّر عنها الفيزيائيون؛ لأن توزيع الطاقة بين الترددات الكهرومغناطيسية المتنوعة الموجودة داخل الصندوق كان يجري تلقائياً وبمنتهى الدقة، وليس هذا فحسب بل يبدو أن العالّم الحقيقي قد فضّل ترددات محددة عن غيرها.